الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

عادل إمام.. كروان الفن وبوصلته!

أكثر من ستين عامًا تقريبًا قضاها «عادل إمام» فى الفن، منذ ظهوره الرسمى المعروف فى مسرحية (أنا وهو وهى) 1963، غير أنه كان يمثل قبلها بعدة أعوام فى مسرح الجامعة.



خلال هذه العقود الستة كان «عادل إمام» جزءًا من تاريخ الكوميديا المصرية، مسرحًا وسينما وتليفزيون، فى البداية كمشارك يبدأ الخُطى مع كبار نجوم المسرح والسينما، ثم كواحد منهم، قبل أن يُحَلّق وحده فى سماء منفردة كأكبر وأنجح نجم فى السينما والمسرح، بمقاييس شباك التذاكر ومدى الشعبية التى يحظى بها فى مصر والعالم العربى.

 

مَرّ «عادل إمام» خلال هذه العقود الستة بتحولات هائلة، من ممثل ثانوى لشخصيات بائسة شكلاً ومضمونًا، تُضحك الجمهور بمحاولاتها لإثبات أنها ذات بأس وشأن، إلى أدوار الصعلوك الذى ينجح بالفعل فى أن يشق طريقه وسط غابة من العوائق والأعداء، إلى أدوار الفتى الأول، الوسيم، الذكى، خارق القوة والذكاء، إلى مرحلة الشخصيات المتنوعة فى سيناريوهات ذات مضمون اجتماعى وسياسى، ثم الانتقال إلى شخصيات الرجل الكبير سنًا ومقامًا ومالاً، «الزعيم» فى أى مجال يعمل فيه. 

 موهبة الإضحاك

تضم قائمة أعمال «عادل إمام» ما يزيد على 160 عملاً، معظمها أفلام، وعددًا من المسرحيات، والمسلسلات، وعملين أو ثلاثة فى الإذاعة.

الكوميديا هى السمة الغالبة على هذه الأعمال، والقدرة الفذة على الإضحاك هى بالتأكيد موهبة «عادل إمام» الكبرى؛ لكن القائمة تضم استثناءات قليلة غير كوميدية، مثل فيلمَى (الحريف) و(عمارة يعقوبيان)، كما تضم الكثير من الأعمال التى تنتمى لأنواع فنية أخرى مُطعّمة بالكوميديا، منها الأكشن، والوطنى، والسياسى.

والكوميديا عند «عادل إمام» لها بالمثل خصوصيتها المميزة، وتحولاتها المختلفة التى تنطوى أيضًا فى خيط واحد يجمع تناقضاتها. بجانب بعض الأدوار كصديق البطل «السّنّيد»، كانت الشخصية الأولى التى لفتت الانتباه إلى «عادل إمام» هى الشاب النحيل ضعيف البنية، صاحب الوجه بارز المعالم، متواضع الإمكانيات، الذى يحاول مناطحة البطل الوسيم الأرقى منصبًا وتعليمًا.

هكذا كان «الإفّيه» الأول الذى عرفه به الناس: «بلد شهادات صحيح»، فى مسرحية (أنا وهو وهى)، فى دور كاتب المحامى المُعدَم، لكن المغرور. وقد أثار ضحكات المشاهدين بمحاولاته لمغازلة المدير العام «شادية»، فى (مراتى مدير عام) 1966، لكنه أثار ضحك وشفقة الجمهور فى دور الكومبارس الذى يحلم أن يقبل البطلة فى (نصف ساعة جواز) 1969، وفى دور اللص الذى يبوء مشروع سرقته بالفشل فى (لصوص لكن ظرفاء) 1969 أيضًا ويردد ساخرًا جملة زميله «أحمد مظهر»: «كل شىء مدروس»، مثيرًا الضحك والعطف فى آن.

 المجرم المحبوب

على عكس «فؤاد المهندس» أو «إسماعيل يس» أو «نجيب الريحانى»، ومعظم نجوم الكوميديا «الطيبين»؛ حقق «عادل إمام» شعبيته من خلال شخصيات اللصوص والمحتالين والخارجين على القانون. كانت مصر قد خرجت من براءة الستينيات مخبوطة على رأسها، فاقدة الثقة بمثالياتها ومثلها، ممتلئة بالتمرد والسخرية، وسرعان ما أطل جيل جديد خارجًا من معطف (مدرسة المشاغبين) 1971 وغيرها من مسرحيات وأفلام السبعينيات.

كان «عادل إمام» قد تخطى الثلاثين عندما لعب دور طالب الثانوى «بهجت الأباصيرى» فى (مدرسة المشاغبين)، ومثله كان «سعيد صالح»، الذى لعب دور «مرسى الزناتى»، ولكن «عبدالحليم حافظ» كان فى الأربعين عندما لعب دور طالب جامعى فى (أبى فوق الشجرة) 1969، وهى ظاهرة لافتة فى تاريخ السينما المصرية يمكن تتبع امتدادها وصولاً إلى (يا نحب يا نقب) و(صعيدى فى الجامعة الأمريكية) بالقرب من نهاية الألفية الثانية. وربما يكون الأمر قد تغيَّر قليلاً الآن؛ حيث بدأ الشباب تحت العشرين وفوقها بقليل يحصلون على أدوار كبيرة، وإن كان معظمها فى الدراما التليفزيونية.

وصل «عادل إمام»، إذن، إلى السبعينيات ممثلاً ثانويًا لا يتوقع هو نفسه أن يصبح بطلاً مطلقًا، ناهيك عن أن يصبح الممثل الأول والأكبر والأغلى سعرًا فى السينما والمسرح والتليفزيون؛ لكن النجومية لها قوانينها ودورة حياتها التى تختلف تمامًا عن الحياة، واسألوا «حسن حسنى» أو «بيومى فؤاد».

بمجىء السبعينيات بعث «عادل إمام» آخر، مختلفًا حتى فى الشكل، والحضور السينمائى، وقد اكتسب من عمله فى المسرح ثقة بالنفس وتمكن من الإلقاء المناسب، ومن السينما قدرة على التعبير الدقيق بالوجه والعينين. وكانت الطبيعة أيضًا كريمة معه إذ زادته بمرور الأيام وسامة وجاذبية، أمّا الكاميرا فصارت تتبعه مبتسمة، مندهشة، مصدقة لأى شىء يفعله، حتى وهو يلعب أدوار البطل الخارق ويضرب حشدًا من الرجال العماليق بيديه العاريتين!

 بوصلة الجمهور

فى بداياته اقتصرت أدوار «عادل إمام» على نوعية تكاد تكون واحدة: صديق البطل المضحك أو الصعلوك المغرور، ورُغْمَ أنه أصبح نجمًا فى المسرح من خلال (مدرسة المشاغبين) ثم (شاهد ما شافش حاجة) التى شهدت أولى بطولاته المنفردة وحققت نجاحًا أسطوريًا؛ فإنه كان عليه أن ينتظر حتى الأعوام الأخيرة من السبعينيات ليلعب البطولات فى السينما والتليفزيون. فى 1978 قام ببطولة فيلم (رجب فوق صفيح ساخن) الذى كان بداية سلسلة من الأفلام الشعبية من نوعية شعبان ورمضان وسليمان.. وفى 1978 أيضًا قام ببطولة مسلسل (أحلام الفتى الطائر)، ثم (دموع فى عيون وقحة) 1980، ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن المسلسلين يختلفان تمامًا عن أفلامه فى تلك المرحلة، ربما لطبيعة كل من الوسيطين وطبيعة جمهورهما.

شهدت نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ذروة انهيار الطبقة الوسطى (البورجوازية) التى كانت تتشكل من الموظفين والمتعلمين والتجار وأصحاب الحرَف التقليديين، وحل محلها طبقة جديدة يتشكل معظمها من صغار الحرفيين وتجار «الشنطة» وأصحاب «البوتيكات» والعاملين فى الخليج، وحشود من الشباب الصغار من أبناء الطبقة الوسطى القديمة الذين أفقرتهم سنوات الانفتاح ولم يعد لديهم ثقة فى التعليم (لم تعد بلد شهادات) أو فى الوظيفة الحكومية أو الأعمال الحُرة ذات الكسب البسيط. وعلى عكس التليفزيون، الذى ظل محتفظا بـ«بورجوازيته» إلى حد كبير، كان جمهور دُور العرض السينمائى يكاد يقتصر على الطبقة «الشعبية» وأبناء الطبقة الوسطى المنهارة، التى راحت تستقبل أغانى «أحمد عدوية» وأفلام «عادل إمام» و«نادية الجندى» بمتعة وشعور أقرب للشماتة من أفكار وأخلاقيات المتعلمين والموظفين الذين كانت تتوجّه لهم أفلام من نوعية (انتبهوا أيها السادة) 1978.

يمكن التوقف للحظة هنا؛ لتأمُّل حالة «عادل إمام»، الذى أدرك بذكائه الفطرى النادر ليس فقط ميول الجمهور؛ ولكن اختلاف هذا الجمهور نفسه بين التليفزيون والسينما ومسرح القطاع الخاص، كما لو كان يحمل فى عقله بوصلة دقيقة تشير إلى احتياجات ورغبات وتحولات هذا الجمهور عقدًا بَعد آخر، وربما عامًا بعد آخر. هذه البوصلة، التى لم تخذله إلا نادرًا، يعود لها الفضل الأول فى بقائه على القمة طوال هذه السنوات، حتى لو كانت وراء عدد من القرارات الفنية السيئة أحيانًا.

 عصر القوة

مع نهاية السبعينيات وحلول الثمانينيات حقق «عادل إمام» نجاحات هائلة فى شباك التذاكر من خلال أدوار الريفى الفقير، الذى ينتصر بدهائه الفطرى على كبار المجرمين، والصعلوك الذى تتاح له فرصة الصعود المفاجئ، واللص الظريف صاحب المبادئ، والمحامى والسياسى الفاسد. فى تلك الفترة كان يمكن للنجم أن يقدم عدة أفلام فى العام، وكان «عادل إمام» يقبل تقريبًا أى شىء يُعرَض عليه، ما دام يشعر بإمكانية نجاحه، وفى الحقيقة كان الجمهور يتقبل منه أى شىء، ويقبل على أى عمل يحمل اسمَه.

فى عام واحد، 1983، يقدم «عادل إمام» سبعة أفلام تتباين، إلى حد التناقض، فى أنواعها ومستواها، (عنتر شايل سيفه، المتسول، ولا من شاف ولا من درى) فى مقابل (الغول، وحب فى الزنزانة، والأفوكاتو) وبينها (خمسة باب)!

فى العام التالى، 1984، يقدم ثمانية أفلام تتراوح بين (مين فينا الحرامى، أنا اللى قتلت الحنش، الهلفوت، احترس من الخُط، 2 على الطريق) فى مقابل (حتى لا يطير الدخان، الحريف) وبينهما (واحدة بواحدة).

على المنوال نفسه سار عقد الثمانينيات بـ«عادل إمام» حتى نهايته، حاملاً نجوميته وأسهمه وأرباح أفلامه إلى السماء، ورُغم عدم وجود احصائيات دقيقة، أو حتى غير دقيقة، لصناعة السينما المصرية؛ يمكننا افتراض أن إيرادات أفلام «عادل إمام» تجعله الممثل الأكثر ربحًا فى تاريخ هذه السينما. وربما كان ذلك ينطبق على المسرح أيضًا، رُغْمَ أن الإحصائيات فيه أسوأ!

 انهيارات وتحوُّلات

مع حلول التسعينيات بانهياراتها الجديدة، من غزو الكويت وحرب الخليج وصعود الإرهاب «الدينى» وزلزال 1992 والتردى المتواصل للتعليم ولحال الطبقة الوسطى القديمة والخصخصة وصعود رجال الأعمال الجُدد؛ ظل «عادل إمام» محتفظًا ببوصلته الداخلية، قادرًا على اختيار العمل المناسب فى الوقت المناسب، وعلى اتخاذ القرار الأصعب؛ بتحويل المسار أو أسماء المخرجين والمؤلفين والممثلين الذين يعمل معهم، فى الوقت المناسب.

من مرحلة «وحيد حامد» و«شريف عرفة» التى صالحته بالمثقفين والمتعلمين والمشغولين بالسياسة بشكل عام، وهى المرحلة التى امتدت لست سنوات قدّم خلالها خمسة أفلام ذات نكهة سياسية من (اللعب مع الكبار حتى النوم فى العسل)، لينتقل بعدها إلى مرحلة «لينين الرملى» و«نادر جلال»، ثم مرحلة «يوسف معاطى»، التى امتدت لعَشر سنوات من (الواد محروس.. 1999، حتى بوبوس، 2009)، وهى المرحلة الأكثر غرابة بتنويعاتها ومبالغاتها، التى يقطعها فقط دوره المتميز، غير الكوميدى، فى (عمارة يعقوبيان) ويختمها بـ(ألزهايمر) فى 2010، قبل أن ينسحب من السينما ويركز على الدراما التليفزيونية بداية من 2012 ومسلسل (فرقة ناجى عطا الله).

على مدار ستين عامًا، كان «عادل إمام»، ولم يزل جزءًا أساسيًا من تاريخ الفن المصرى، بحُلوه ومُرّه، يلخص بمسيرته وأعماله بعضًا من روائع هذا الفن وعجائبه، وبعضًا من إنجازاته وخيباته.