الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. وكلاء وسماسرة الدين الجديد حصريًا بين الإبراهيمية والأديان السماوية!

مصر أولا.. وكلاء وسماسرة الدين الجديد حصريًا بين الإبراهيمية والأديان السماوية!

لا تنشأ فكرة من العدم، ولكنها دائمًا ما تكون نتاجا تراكميا وتفاعليا لأفكار قديمة. لذا لكى نصل لفكرة الدين الإبراهيمى الجديد.. علينا أن نعود قليلًا بذاكرتنا التاريخية لفهم ما يحدث الآن، وما يتم الترويج له باحترافية شديدة لكى تكون لدينا القدرة على التعامل الحكيم والرشيد مع ألعاب السياسة الدولية.



قال الإمام الأكبر د.أحمد الطيب «شيخ الأزهر» فى احتفالية مرور 10 سنوات على تأسيس بيت العائلة المصرية عن «الدين الإبراهيمى الجديد» أنه مصادرة لحرية الاعتقاد. وتفاعل الكثيرون بشكل عاطفى. وهو ما جعل الأمر يظهر وكأنه مجرد دفاع عن المعتقدات الدينية بعيدا عن الذوبان فى دين جديد مستحدث.. دون أى مرجعية للحقائق التاريخية والمعلومات الدقيقة.

 تاريخ

1 - الحديث عن «الديانة الإبراهيمية» اعتمادًا على شخصية إبراهيم «أبو الأنبياء» فى الديانات السماوية الثلاث «اليهودية والإسلام والمسيحية» التى تؤمن بوجود إله واحد خالق للكون، والتى يعود نسلها جميعا لإبراهيم «أبو الأنبياء». وهو شخصية لها مكانتها المقدرة عند جميع أتباع الأديان السماوية، كما تمثل مركزية المساحة المشتركة للقيم والمبادئ للالتقاء والتسامح والتعددية وقبول الاختلاف والعدالة والسلام، وليس الاستبعاد والإقصاء والتهميش والتمييز. وقد تطورت الفكرة سواء على مستوى المضمون الفكرى لحوار أتباع الأديان أو من حيث الشكل فى المؤتمرات واللقاءات الدولية لدعوة أتباع الأديان الفلسفية على غرار البوذية والهندوسية أيضًا.

 للمشاركة فى الحوار

2 – بدأت فكرة الحديث عن مرجعية إبراهيم «أبو الأنبياء» لدى أتباع الأديان السماوية من خلال اجتهاد لاهوتى فكرى بدأ فى الكنيسة الكاثوليكية من خلال الرهبانيتين اليسوعية والفرنسسكانية فى خمسينيات القرن العشرين، وذلك من خلال لويس ماسينيون «المستشرق الفرنسى» الشهير وهانز كينج «اللاهوتى السويسرى». ومن اللاهوتيين والمفكرين العرب الذين تأثروا بالفكرة ودعموها الأب ميشيل حايك «لبنانى» والأب يواكيم مبارك «لبنانى» والأب الدكتور جورج قنواتى «راهب دومينكانى مصرى من أصل سورى». وجميعهم لهم إسهامات فكرية مرتكزة على المساحات المشتركة بين الأديان فى وحدانية الله ارتكازًا على الدعوة الإبراهيمية الجامعة، وهى الفكرة التى ارتكزت عليها كافة جهود الحوار بين أتباع الأديان خلال النصف قرن الأخير. ومن أوائل الكتابات المرجعية عن هذه الفكرة هى مقال لويس ماسينيون الذى نشره عام 1949 تحت عنوان «الصلوات الثلاث لإبراهيم، أب كل المؤمنين»، وهو المفهوم الذى تطور فيما بعد وتحول إلى «الديانات الإبراهيمية»، وأصبح حقل دراسات متخصص.

3 – استدعى الرئيس الراحل أنور السادات فكرة المشترك بين الأديان السماوية من خلال دعوته لإنشاء كيان يضم الديانات الثلاثة فى سيناء باعتبارها مهد السلام الدينى لأتباع إبراهيم فى المنطقة العربية والعالم، وكمقدمة للسلام السياسى بين دول المنطقة بعد اتفاقية كامب ديفيد. 

معلومات وحقائق

4 - دعوة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب لتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وبين إسرائيل تحت إطار ما عرف حينذاك باسم «اتفاقيات أبراهام»، تقديرًا لإبراهيم الذى يعتبر أب الديانات السماوية الثلاث «اليهودية والمسيحية والإسلام». وهى الفكرة التى تم الترويج لها باعتبارها إحدى «الابتكارات والإنجازات الديبلوماسية» لإدارة ترامب. وبعد الهجوم الشديد على تلك الفكرة تجنبت وزارة الخارجية الأمريكية استخدام مصطلح «اتفاقات أبراهام» فى الإشارة إلى اتفاقات التطبيع، بل وتم شطب هذا المصطلح من غالبية المخاطبات الرسمية للخارجية الأمريكية. ويذكر أن هذا مصطلح «اتفاقيات أبراهام» ظهر للمرة الأولى فى بداية شهر أبريل عام 2019، عندما وجه ماثيو لى «مراسل وكالة الأسوشيتد برس» سؤلًا إلى نيد برايس «المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية» ليعلن رسميًا أن الاسم الرسمى لاتفاقيات السلام هو «اتفاقيات إبراهام». 

5 – ترتب على دعوة دونالد ترامب التى اتخذت مسارا سياسيا مختلفا عما قبلها.. بدء تداول بعض الأفكار باعتبارها مخططات يتم الإعداد لها فى أروقة صناعة القرار بالولايات المتحدة الأمريكية.. لخلق حالة فكرية جديدة فى الدول العربية يتم الترويج لها تحت عنوان «الديانة الإبراهيمية» أو «الديانات الإبراهيمية» أو «الإبراهيمية» أو «السلام الإبراهيمى» أو «الميثاق الإبراهيمى» لتكون بمثابة خارطة طريق كحل لفرض السلام ووقف النزاعات فى الشرق الأوسط.

6 – تروج لفكرة «الديانة الإبراهيمية» مراكز بحثية يطلق على بعضها «مراكز الديبلوماسية الروحية»، ويتم دعمها تمويليًا من: الاتحاد الأوروبى، وصندوق النقد الدولى، والبنك الدولى.

ويذكر أن جامعة هارفارد الأمريكية قد أطلقت برنامج «أبحاث دراسات الحرب والسلام»، والذى تناول تداول الفكرة منذ عام 2000 تحت دعاوى حل الصراع العربى - الإسرائيلى من خلال هذا المفهوم الإبراهيمى الجديد. 7 – ارتبط بالترويج لمفهوم «الديانة الإبراهيمية» الحديث عن أن الأديان السماوية فى شكلها الحالى.. ما هى إلا مصدر للمشكلات والأزمات، ويجب إعادة تأويلها لتكون أكثر سماحة وسلامًا. وهو طرح يهمل أن المشكلة الرئيسية تقع على أتباع الأديان بالدرجة الأولى، وليس فى الأديان نفسها.. فمن يتحاور ويتناقش ويقتل ويحارب ويكفر هم أتباع الأديان، بل وأتباع الدين الواحد فى استغلال وتوظيف سياسى للنص الدينى حسب الحاجة والطلب.. على عكس ما يحمله من قيم ومبادئ سامية. وقد نتج عن ما سبق، أن تحول مصطلح «الديانة الإبراهيمية» إلى مفهوم غامض فضفاض ذى طابع دينى على خلفية سياسية مباشرة لتنفيذ استراتيجيات وسيناريوهات ذات مصالح سياسية لشكل التعاون بين دول المنطقة.

 استنتاجات وملاحظات..

8 – بشكل دقيق، علينا أن نميز منطلقات دعوات الحوار بين أتباع الأديان التوحيدية «اليهودية والمسيحية والإسلام» التى تدعو لتأكيد المساحات المشتركة من أجل التعايش والسلام والتعددية تحت إطار وطنى، وبين الدعوة للديانة الإبراهيمية بهدف إعادة رسم علاقات دول منطقتنا العربية لصالح تحقيق أهداف سياسية من خلال التوظيف المباشر للدين. وهو ما يعنى عدم الخضوع لنظرية المؤامرة علينا وعلى منطقتنا.. بقدر قدرتنا على التعامل مع تحقيق أكبر قدر من مصلحتنا الوطنية من جهة، وتحقيق الاستقرار حولنا بالتفاوض والحوار والحكمة فى ترتيب العلاقات الدولية من جهة أخرى. والفصل بين حوار أتباع الأديان بهدف فكرى ووطنى وفلسفى، وبين هدف تحقيق مصالح سياسية محددة.

9 – عدم الخلط بين دعوة الديانة الإبراهيمية وبين دعاوى إصلاح التعليم على غرار مادة القيم المشتركة.. فالخلط هنا لا محل له من الحقيقة. والهدف هو خلق حالة من التشويش والبلبلة بخلط الأوراق بين ما تقوم به الدولة المصرية فى إطار تطوير التعليم وبين أجندات ومصالح دولية. وعدم الانصياع وراء شائعات لا يقبلها المنطق من حذف آيات من القرآن الكريم أو إعادة صياغتها.

10 – الدعوة إلى الحوار بين أتباع الأديان والإخاء أو الإخوة الإنسانية والتسامح وقبول الاختلاف لا يعنى بأى حال من الأحوال ذوبان الأديان مع بعضها أو انصهارها فى دين واحد جديد.. فلكل دين سماته وخصائصه المميزة عند أتباعه. ولكن المطلوب والمرغوب هو التأكيد على المساحة المشتركة الكبيرة فى القيم والمبادئ الإنسانية والوطنية التى تدعم التعايش والسلام والوئام بين أبناء الوطن الواحد فى سبيل نهضته وتقدمه.

 نقطة ومن أول السطر.. 

قدرتنا على الحفاظ على مقدراتنا ومصالحنا الوطنية هى المدخل الحقيقى للاستقرار والسلام والتنمية، وهو ما سيدعم نشر مفاهيم التسامح والحرية والمساواة والحوار والتعايش وقبول الاختلاف. ومواجهة التأثير السلبى لوكلاء الأديان والمصالح السياسية والتوظيف السياسى للدين.. تلك الفئات التى تسببت فى نشر الكراهية والتمييز وإراقة الدماء والحروب ليس فقط بين أتباع الأديان المتعددة، بل أيضًا بين أبناء الدين الواحد الذين لا يتفقون على رؤية واحدة.