الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الانتخابات العراقية.. وعودة دولة المؤسسات

فى العاشر من أكتوبر الجارى، يتوجّه نحو 24 مليون عراقى إلى صناديق الاقتراع ليختاروا ممثليهم فى البرلمان، بعد فترة عصيبة شهدتها البلادُ لمدة تقارب العامين، بعد انفجار الاحتجاجات الشعبية التى أدت إلى استقالة حكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل المهدى وتولى مصطفى الكاظمى المرحلة الانتقالية مع بداية العام الماضى خلال فترة شديدة الصعوبة على الشعب العراقى، بين أزمات اقتصادية متوالية وأزمة مياه تضرب البلاد، كذلك تفشى فيروس كورونا بين شعبه، فضلًا عن مواجهة الميليشيات المسلحة التى لا يزال إرهابُها يضرب بعضَ المناطق العراقية بين الحين والآخر.. ليبقى الحق الانتخابى هو الاختيار الصعب للشعب الشقيق عسَى أن تكون حكومته الجديدة هى مَركب النجاة للخروج من هذه الأزمات.



مع انتظار يوم الانتخابات يبقى التساؤل حول المشهد السياسى العراقى، هل ستشهد هذه الانتخابات أى تطورات جذرية؛ خصوصًا مع إقرار قانون انتخابى جديد؟ أمْ ستظل التحالفات الطائفية هى السمة الطاغية على القوَى الحزبية؟ وما دور المرأة العراقية والأحزاب الجديدة فى هذه الانتخابات؟.. تساؤلات كثيرة لا تزال تتصدر المشهد، وربما تكون هذه الانتخابات الاستحقاقية هى نقطة لبداية جديدة فى العراق الشقيق.

 ترقب.. وإقصاء

من بين 24 مليونًا و29 ألفَ عراقى يحق لهم المشاركة فى الانتخابات، حصل أكثر من 14 مليونًا على بطاقاتهم الانتخابية «البايومترية» التى تحتوى معلومات تضم بصمات أصابعهم، أسماءهم الكاملة، دوائرهم الانتخابية، ومعلومات حيوية أخرى لمنع التزوير فى الانتخابات؛ وذلك وفق شروط المفوضية العليا للانتخابات العراقية.

لكن نسب التسجيل لا تعنى بالضرورة نسب المشاركة فى الانتخابات، وذلك وفق ما صرّح به الصحفى العراقى، محسن موزان، فى تصريحات صحفية؛ حيث أوضح «موزان» أن عام 2018 كانت نسبة الانتخابات 44 % فقط من مجموع الناخبين المشاركين.

 

مضيفًا «كانت تلك الانتخابات الأولى بعد طرد تنظيم داعش، وأيضًا أقل انتخابات سجلت نسب مشاركة بعد 2003، ولا يمكننى تخيل إلا أن النسبة ستكون أقل».

أمّا  فيما يتعلق بعدد المرشحين، فقد وصل إلى 3 آلاف و243 مرشحًا على 329 مقعدًا نيابيًا، ينتمون إلى 110 أحزاب، ويمثلون 22 تحالفًا انتخابيًا؛ حيث يتنافس هؤلاء ضمن قانون الدوائر الانتخابية المفتوحة، ويبلغ عددها 83 دائرة.

وقبل أيام من بدء السباق الانتخابى، سادت حالة من القلق والترقب بين المرشحين، وذلك عقب إعلان مفوضية الانتخابات العراقية، الاثنين الماضى، استبعاد 6 مرشحين من السباق الانتخابى، بسبب استغلال أموال الدولة، ومخالفة لوائح الدعاية الانتخابية.

وأوضحت المتحدثة باسم المفوضية، جمانة الغلاى، للقناة الرسمية، إنه «تم استبعاد 6 مرشحين؛ لأسباب مختلفة، أبرزها استغلال المال العام ضمن الدعاية الانتخابية، واستخدام أحد المرشحين عن تحالف «تقدم»، شعلان الكريم، الآليات الخاصة بالدولة لإكساء الشوارع بالدعاية الخاصة به، وهذا مخالف للدعاية الانتخابية».

ويرى مراقبون للشأن العراقى، أن غياب التشريعات التى تحاسب الأحزاب بشأن مصادر التمويل مكّنتها من تأسيس إمبراطوريات مالية تؤثر فى سير الانتخابات، سواء عن طريق شراء الذمم والسيطرة على الدعاية الإعلامية، أو السلاح المنفلت، الذى يموَّل بالمال السياسى لتأثيره فى العملية السياسية والانتخابية.

وفى ظل تحوُّل استخدام أموال الدولة إلى ظاهرة عامة، واعتماد أغلب المرشحين عليها؛ تتخوف أوساط المرشحين من ظهور أسمائهم، ضمن القوائم المستبعدة، مما يشكل خطورة على مسار ترشيحهم، فضلًا عن التشهير بهم، وزعزعة صورتهم أمام مرشحيهم.

 قوائم ممنوعة

باتت أزمة ارتباط بعض أسماء المرشحين بجماعات الميليشيات المسلحة أمرًا يؤرق العديدَ من الشعب العراقى، فرُغْمَ أن الجماعات المسلحة فى العراق كانت تحاول بشكل مستمر إثباتَ عدم ارتباطها بالقوائم الانتخابية، وتستخدم عناوين مختلفة لجماعاتها المسلحة؛ فإن سيناريو الانتخابات فى البلاد يظهر بشكل مختلف هذه المرّة؛ إذ تدخل العديد من الميليشيات بعناوينها الصريحة تارة، أو بإعلان ارتباط قوائم انتخابية بميليشيات مسلحة بارزة تارة أخرى.

ويقدر مراقبون أن يكون عددُ الفصائل المسلحة المشاركة فى الانتخابات المقبلة بنحو 20 فصيلًا مسلحًا، بالإضافة إلى عدد آخر ممن اختاروا صفة «مرشح مستقل» وتربطهم علاقات بميليشيات بارزة.

ووفق تقرير لمراسل صحيفة «الاندبندنت» فى العراق أحمد السهيل، أوضح أن أبرز الكتل التى تمتلك ارتباطات مع ميليشيات مسلحة هى كتلة «الفتح» بزعامة هادى العامرى، التى تضم ميليشيا «بدر» إحدى أكبر الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى حركة «صادقون» الجناح السياسى لميليشيا «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلى، وتجمُّع «السند» بزعامة النائب أحمد الأسدى المسئول عن كتائب «جند الإمام»، وحركة «الجهاد والبناء» بزعامة حسن راضى المسئول عن «سرايا الجهاد».

فى المقابل يمتلك التيار الصدرى الذى يخوض الانتخابات البرلمانية هو الآخر، ميليشيا «سرايا السلام».

وأضاف تقرير الصحيفة البريطانية، إن القوائم التى ترتبط بالميليشيات المسلحة لم تتوقف عند مساحة التنافس التقليدى بين كتلتَىْ «الفتح» و«سائرون»؛ إذ تشهد الانتخابات هذه المرّة حضورًا كبيرًا للعديد من الميليشيات الأخرى بقوائم جديدة.

وتشترك فى الانتخابات العراقية ميليشيا «ثأر الله»، التى تُتَّهَم بعمليات قَتْل على مدى السنوات الماضية، كما يترشح زعيم الميليشيات يوسف سناوى الموسوى فى الانتخابات الحالية عن محافظة البصرة، بالإضافة إلى عدد آخر من المرشحين. 

فى المقابل تدخل ميليشيا «كتائب حزب الله» الانتخابات العراقية هى الأخرى، من خلال حركة «حقوق» التى يتزعمها القيادى فى الميليشيات حسين مؤنس. وتشكلت الحركة مَطلع أغسطس الماضى، كأول تشكيل سياسى تؤسِّسه الميليشيات.

وبالإضافة إلى تلك القوائم، تدخل العديد من الميليشيات والشخصيات البارزة فيها فى قوائم أخرى أو تحت عنوان مرشحين مستقلين، ومن بين الأحزاب الجديدة حركة «العراق الوطنية» التى يرأسها محمد شاكر الشمرى القيادى فى «كتائب الإمام علىّ».

ومع زيادة عدد المشاركين الذين تحمل أسماؤهم العديدَ من علامات الاستفهام، أوضح مراقبون أن عددًا كبيرًا من الشعب العراقى أصبح يعزز من خيار المقاطعة، ورُغْمَ أن هذه الانتخابات جاءت استجابة لمَطالب شعبية؛ فإن أمل التغيير أصبح ضعيفًا لشريحة كبيرة من الشعب.

 المرأة العراقية

مع تأكيد الرئيس العراقى برهم صالح، مَطلع الأسبوع الماضى، أن الانتخابات المقبلة تاريخية، داعيًا إلى تمكين المرأة انتخابيًا وسياسيًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا فى التنمية والاقتصاد فى البلد. وذكر بيان للمكتب الإعلامى للرئيس العراقى وفق ما أوردته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أن «الرئيس صالح استقبل وفدًا ضم عددًا من الناشطات ومن منظمات المجتمع المدنى فى عموم البلاد؛ حيث تم بحث الانتخابات وضرورة المشاركة الواسعة فيها؛ خصوصًا من النساء».

وأضاف صالح إن «تمكين المرأة انتخابيًا نقطة مهمة وجوهرية فى الانتخابات». مشيرًا إلى أن «عدد الناخبات من النساء يبلغ نحو نصف عدد الناخبين الإجمالى، كما أن المرشحات لهذه الانتخابات بلغ نحو 30 % من عدد المرشحين، متجاوزًا الكوتا، وهو مؤشر مهم على إصرار المرأة على المشاركة الفاعلة».

ويتقدم فى صفوف المرشحين نحو 100 سيدة من بين 3240 مرشحًا، إلا أنه وفق تقارير صحفية قد تَعَرّض عددٌ من المرشحات لبعض المضايقات؛ خصوصًا أن فكرة ترشيح المرأة ودخولها الحياة السياسية أمرٌ لا يفضله العديد من العشائر والعائلات العراقية، ووفق التقاليد العراقية فإن العشائر هم من لديهم حق القرار.

وترى الناشطة الحقوقية، سلوى حازم، فى حديث صحفى، أن التضييق على النساء لا يعتمد على الراغبات فى التصويت أو المشاركة؛ بل يتعداه إلى فقدان المساواة السياسية بين المرشحين من الرجال والنساء فى الانتخابات العامة، وانعدام أو ضعف أى استعدادات من المواطنين للتصويت للنساء، وكأن الدستور العراقى والقيادة السياسية غير مَعنيين بالنساء.

وبحسب استطلاع أجراه «الباروميتر العربى»؛ فإن 72 % من المستطلعة آراؤهم يوافقون على الرأى القائل إن الرجل أفضل من المرأة فى القيادة السياسية. بينما كانت نسبة من يعارضون هذا الرأى 28 % فقط.

ويُذكر أنه خلال آخر دورة انتخابية للبرلمان العراقى فازت 86 امرأة بمقاعد من أصل 329 مقعدًا، أى أن 25 % من مجموع الأعضاء هم نساء وهو ما يفرضه نظام الكوتا وفق الدستور العراقى.

من جهة أخرى؛ يرى مراقبون أن ارتفاع نسب مشاركة النساء المرشحات للتنافس فى الانتخابات التشريعية حالة صحية  تؤكد حدوث تغيُّر ووعى داخل المجتمع العراقى، فضلًا عن تقدُّم فى تطوُّر المفاهيم المدنية التى تهتم ببناء الدولة وتدشين الحكومات المتكافئة.