الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الشعوب العربية والإسلامية الأكثر تأثرًا بالتداعيات مع تصاعد «الإسلاموفوبيا» 11 سبتمبر نقطة فاصلة فى التاريخ غيرت ميزان القوى العالمية

«الله أكبر» بهذه الكلمة التى أطلقها الإرهابى محمد عطا قبل اصطدام الطائرة المخطوفة من قبل جماعته بالبرج الشمالى لمركز التجارة العالم فى  الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، أعلن  بداية حقبة تاريخية جديدة مازالت تبعاتها وتأثيراتها تلقى بظلالها على حاضرنا حتى الآن.



لم تؤثر أحداث سبتمبر على السياسات الخارجية والدفاعية للدول، فحسب، بل جاء تأثيرها فى مختلف مناحى الحياة، أمنيًا، واقتصاديًا واجتماعيًا، وأكثر الشعوب تأثيرًا بهذا التغيير الشعوب العربية، والإسلامية بشكل خاص، فالإرهاب أصبح وصمة تطارد المسلمين فى بقاع الأرض كافة، كما باتت سياسة «الحرب على الإرهاب» الهاجس الذى تلجأ إليه الدول الغربية لضمان حماية شعبها وأراضيها من احتمالية تكرار «ثلاثاء أسود» آخر.

 الداخل الأمريكي

فور وقوع الحادث الإرهابى فى 2001 شهدت الولايات المتحدة صدمة مدمرة، فهذه القوة العظمى لم تشهد هجومًا كبيرًا منذ نحو 200 عام ، فوجئت بمجموعة إرهابية صغيرة على بعد آلاف الأميال تضرب مراكزها المالية والعسكرية، وأن هناك المزيد من الهجمات المكثفة محتملة فى أى وقت، بل لا مفر منها، وتسببت الكارثة فى سلسلة من ردود الفعل لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. 

آثار دائمة ومتداخلة كـ «الحرب على الإرهاب» باهظة التكاليف وليس لها نهاية، كما أثرت الأحداث بشكل مباشر على الداخل الأمريكى بصورة كبيرة وواضحة، فنتيجة لتلك الأحداث، فقد بدأت حريات المواطن الأمريكى فى التقلص، وبدأت ظاهرة التجسس على المواطنين الأمريكيين من قبل الحكومة، حيث وقع الرئيس بوش الابن فى أكتوبر 2001، للمرة الأولى فى التاريخ الأمريكى قانونًا لمكافحة الإرهاب الذى يمنح أجهزة الشرطة الأمريكية صلاحيات الاطلاع على المقتنيات الشخصية للأفراد ومراقبة اتصالاتهم والتنصت على مكالماتهم، كذلك ارتفعت ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية لمواجهة الإرهاب، حيث رصدت الادارة الأمريكية مبلغاً «غير نهائي» بقيمة 87 مليار دولار لتمويل الحرب على العراق فقط.

واستغلت إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش تلك الأحداث لاستحداث مفهوم «الحرب الوقائية»، وضرب أى أعداء محتملين للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما استخدمته إدارة بوش الابن فى تبريرها لغزو أفغانستان فى 2001، ثم العراق فى 2003، واحتلال الدولتين عسكريا، وتصاعد الموجات المعادية  للإسلام أو ما يعرف بـ «الإسلاموفوبيا» التى ساعدت الخلفية العرقية والدينية لمنفذى الأحداث إلى تصاعد موجات العداء ضد الإسلام، وذلك رغم إدانة تلك الأحداث من جانب المسلمين فى جميع أنحاء العالم، الذين يقفون دائما ضد العنف وقتل الأبرياء.

 تآكل الديمقراطية

أدت حقبة ما بعد 11 سبتمبر إلى تآكل الحريات المدنية  فى جميع أنحاء العالم، وأشار العديد من الحكومات إلى الحاجة الملحة لمنع الهجمات فى المستقبل كمبرر لزيادة الرقابة على المواطنين، و تقييد المعارضة، وتقنين القدرة على احتجاز المشتبه بهم دون سبب، وغذَّى معرفة أسباب فشل مكتب التحقيقات الفيدرالى ووكالة الاستخبارات المركزية فى الكشف عن مؤامرة 11 سبتمبر ومنعها، رغم التحذيرات الواضحة، انعدام الثقة الشعبية فى وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، وقوضت المعلومات الاستخباراتية الخاطئة حول «أسلحة دمار شامل (WMDs)» غير موجودة إلا فى العراق ثقة الجمهور، ليس فقط فى الحكومات التى روجت لهذه الادعاءات، لكن أيضًا فى وسائل الإعلام لنشرها معلومات كاذبة، وكانت النتيجة مناخًا من عدم الثقة السائد فى أصوات السلطة، حيث يرتاب المواطنون فى الولايات المتحدة ودول أخرى على نحو متزايد، فى المصادر الحكومية و وسائل الإعلام، ويتساءلون أحيانًا عن إمكانية إدراك الحقيقة، مما يجعل عواقب الديمقراطية تبدو وخيمة.

 التأمين والحرب الوقائية

عملت الولايات المتحدة على زيادة تكلفت تأمينها وحماية مواطنيها من خلال نشر قواتها الخارجية فى عدد من الدول بحجة «الحرب ضد الإرهاب» والعمل على أية خطوة استباقية قد تهدد أمنها الداخلي، فأصبحت الولايات المتحدة تنفق نحو 32 مليون دولار فى الساعة على الحروب التى خاضتها منذ 11 سبتمبر 2011، وبلغت التكلفة الإجمالية أكثر من 5,6 تريليون دولار. وانتشرت الحرب المزعومة على الإرهاب فى 76 دولة، حيث يقوم الجيش الأمريكى الآن بأنشطة مكافحة الإرهاب، بدءًا من ضربات الطائرات من دون طيار وحتى عمليات الرصد والمراقبة.

وتم تمويل هذه الحروب بالاقتراض على مدار الأعوام التالية لأحداث سبتمبر، على الرغم من أن إدارة الرئيس بوش استطاعت إعطاء غطاءً ماليًا فى بداية الحرب الأفغانية وغزو العراق، فقد حصلت هذه الإدارة من الكونجرس الأمريكى على كل الأموال التى طلبتها من أجل برنامج الدفاع الصاروخى القومي، وتم إلغاء معاهدة الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ الباليستية دون ضجة داخلية أو خارجية، وحصلت على زيادات كبيرة فى الميزانية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية ، إلا أن الأمر انتهى بطلب الاقتراض من الخزانة الأمريكية، مما زاد من عدم المساواة الاجتماعية فى الولايات المتحدة، وأشار بعض المراقبين إلى أن الإنفاق الحكومى على الحرب كان أكثر تسببًا فى الأزمة المالية العالمية 2007-2008 من التحرر المالي.

بعد أحداث سبتمبر أصبح العالم يتجه إلى اتباع سياسات أخرى فى حل أزماته الخارجية، حيث كانت الأزمات السياسية تعتمد على حل هذه المشاكل عبر الأجهزة الدولية أو الدبلوماسية، لكن بعد الأحداث أصبحت الجوانب العسكرية تعتمد على مبدأ جديد وهو «الحرب الوقائية» التى اعتمدت على الضربات المباغتة دون انتظار الأدلة المؤكدة على عدائية الطرف المستهدف.

يذكر أن وزير الدفاع الأمريكى الأسبق دونالد رامسفيلد صرح فى اجتماع مهم لحلف الأطلسى فى بروكسل عام 2002 بأن « الحلف لا يمكنه أن ينتظر الدليل الدامغ حتى يتحرك ضد المجموعات الإرهابية أو الدول التى تملك أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو نووية». وكان هذا التصريح تمهيدا لغزو العراق عام 2003 وضربة وقائية حسب المفهوم الجديد للإستراتيجية العسكرية الأمريكية والتى تبعها حلفاؤها فى الاتحاد الاوروبى بعد ذلك.

 التأثير الاقتصادي

فيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي، شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 ضربة حقيقية لاقتصاد البلاد،  ليس فقط لأنها تسببت بسقوط برجى التجارة، وأثرت على أعمال آلاف الشركات الاقتصادية، وتسببت فى هز البورصة، بل لأنها أجبرت الإدارة الأمريكية على أن تنتهج سياسية جديدة فى العالم تتمثل فى زيادة الأمن، واحتلال بعض الدول، وتحمل نفقات الاحتلال. 

اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى نشر المزيد من القوات فى الخارج، فى الفليبين وجورجيا وجيبوتي، كما عززت من تواجدها فى بعض الدول. 

كل تلك الأمور مجتمعة أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الأمريكية، التى لم تكن قوية بالدرجة المطلوبة للوقوف فى وجه مثل هذه التحديات، والخروج سالمة، أو على الأقل بخسائر معقولة بعد هذه الأحداث. وأدت هذه السياسات الأمنية إلى تآكل المخزون المالى الفيدرالى لأمريكا، وقلصت الفائض المالى الذى كان بحوزتها بعد نهاية حكم كلينتون، كما أثرت بشكل سلبى على الاستثمارات داخل أمريكا نفسها، حيث أحجم الكثير من أصحاب رءوس الأموال عن إقامة مشاريع اقتصادية، كما  ارتفعت نسبة البطالة بين الشعب. 

وفقدت أمريكا العديد من الخبراء الاقتصاديين الأكفاء وتدمير الأصول العقارية عقب أحداث سبتمبر، بالإضافة إلى دفع مبالغ كبيرة للتأمين وتكلفة إعادة بناء الأبراج وتخفيض عدد الرحلات الجوية. وذلك بالإضافة إلى تأثر السياحة والاستثمارات الأجنبية فى الولايات المتحدة بالأحداث، بالإضافة إلى الانخفاض الهائل للبورصة الأمريكية بسبب قلة الثقة بين المتعاملين. هذا بخلاف تكلفة تمويل الحشد الأمريكى للحرب ضد أفغانستان. وانعكس الطابع اليمينى المتشدد للإدارة الأمريكية وقتها على الإجراءات الاقتصادية التى اتخذتها لمواجهة التأثيرات السلبية لأحداث 11 سبتمبر، والتى بدأتها بإضافة سيولة نقدية وخفض سعر الفائدة عدة مرات وخفض الضرائب على الأفراد والشركات، بجانب إصدار سندات الحرب .

وثمة تأثير آخر لهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة وهو زيادة المشاعر المعادية للعرب فى الخارج مما شجع بعض المستثمرين من أبناء الشرق الأوسط على التفكير فى تقليص تعاملاتهم المالية الواسعة مع الولايات المتحدة، خوفاً من تجميد الأموال كجزء من الحرب التى تشنها أميركا ضد الإرهاب. 

أما على المستوى الدولي، فشهدت الخريطة العالمية تغييرات اقتصادية  وسياسية قوية، لعل أبرز المفارقات التى شهدها العالم اقتصاديا كان صعود دول فى التصنيف العالمى للبنك الدولى على حساب دول أخرى.، فعلى سبيل المثال فرضت الصين تواجدها بالوصول للمرتبة الثانية ضمن الدول ذات الاقتصاديات الكبيرة  بعد أمريكا، ويليها اليابان وألمانيا والهند.

كما أحرز الاتحاد الأوروبى تقدما كبيرا فى الوضع الاقتصادى أدى إلى قفزة كبيرة للكيان الأوروبى المشترك والتى أصبحت تزاحم أمريكا .

وبخلاف هذا وقعت العديد من التغيرت السياسية لبعض الدول وعلى رأسها الصين التى انتبهت إلى أهمية توسيع شبكة علاقاتها الدولية من الناحية السياسية لتحقيق المزيد من النفوذ و السيطرة ، كما انعكست أحدات 11 سبتمبر على روسيا التى عملت خلال الأعوام الماضية على استغلال هذا الهجوم فى استعادة مكانتها الدولية.