السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
إنسانية  كرة القدم

إنسانية كرة القدم

شهدت بطولة كأس الأمم الأوروبية التى انتهت، منذ أيام، عدة وقائع إنسانية، تؤكد أن كرة القدم والرياضة عمومًا يمكن أن يكون لها دور كبير فى ترسيخ القيم النبيلة بعيدًا عن التعصب والمشاحنات التى يقوم بها عدد غير قليل من جمهور الملاعب، بل إن هذه اللعبة الشعبية تستطيع أن تقود عشاق الرياضة إلى المحبة والسلام، هذه الوقائع أتمنى أن يشاهدها ويقرأ عنها مشجعو الأندية المصرية، والذين يتعرضون لحملات إعلامية تحض على الكراهية وتدفعهم إلى التعصب المقيت، وللأسف يقوم بها بقصد أو بجهل بعض المنتمين للأندية الكبرى.



من هذه الوقائع إعلان لاعبى المنتخب الإنجليزى لكرة القدم قبل مباراتهم مع إيطاليا فى نهائى البطولة تبرعهم بالجائزة المالية إذا حصلوا على البطولة لصالح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، دعمًا منهم لدورها فى التصدى لجائحة فيروس كورونا، صحيح أن الفريق الإنجليزى خسر المباراة، ولكن هدف إعلان التبرع ظل قائمًا، ولا شك أن اختيار اللاعبين هيئة طبية وصحية للتبرع لها لم يكن صدفة، بل له دلالات عديدة، فهى الجهة التى تتولى علاج المواطنين فى بريطانيا، وكانت وما زالت لها الدور الأكبر فى مواجهة الفيروس الذى اجتاح العالم كله، ومعنى هذا أن اللاعبين يدركون أهمية هذه الهيئة ومدى احتياجها للتمويل، وهم هنا يلقون الضوء على دورها الفعال فى حماية المجتمع ويحثون المواطنين بشكل غير مباشر على التبرع لها.

ولم يكن هذا هو المشهد الإنسانى الوحيد فى مسابقة اليورو، فقد كان هناك لقطة أخرى بطلتها طفلة ألمانية تبلغ من العمر 9 سنوات، ظهرت على عدسات الكاميرات الناقلة لمباراة إنجلترا وألمانيا وهى تبكى فى أحضان والدها بعد توديع منتخب بلادها البطولة، وأثارت اللقطة سخرية بعض الجماهير الإنجليزية، حيث تم التنمر بالطفلة واستخدام صورتها عبر مواقع التواصل الاجتماعى كوسيلة للسخرية والضحك من الألمان وتذكيرهم بأيام النازية، ووصل الأمر إلى تعليقات مؤسفة تقول للطفلة:  «ابكِ أكثر.. أريد مشاهدة المزيد من الدموع»، وقرر أحد المشجعين الإنجليز اسمه جويل هيوز تدشين حملة لجمع تبرعات للطفلة الألمانية لدعمها بعد الإساءة التى تعرضت لها ومن أجل تحسين صورة الإنجليز فى عينيها، وتوقع أن تقوم أسرتها بشراء لعبة تحبها بالأموال القليلة التى سيتم التبرع بها، ولكن المفاجأة أن قيمة التبرعات وصلت إلى أكثر من 32 ألف جنيه استرلينى، بعد أن تفاعلت الجماهير والأسر الإنجليزية مع الطفلة فى محاولة منهم لتعريفها أن المتعصبين قلة، أما الأصل فهو المحبة والسلام.

المشهد الثالث كان فى بداية مباريات البطولة وبالتحديد فى مباراة الدنمارك مع فنلندا، حين سقط اللاعب الدنماركى إريكسون مغشيًا عليه، وكادت عضلة القلب أن تتوقف، وما حدث فى الملعب بعدها درس فى الإنسانية قبل الطب، فور وقوع اللاعب مغشيًا أسرع إليه زميل له وتأكد أنه لم يبلع لسانه حتى لا يختنق، وفى لحظات نزل الفريق الطبى ومعه الأجهزة التى تساعد فى إنقاذ اللاعب، وبدأوا على الفور فى إنعاش القلب، وهو ما يعنى أن توفير المعدات الطبية مهما كانت تكلفتها ضرورة، وأن إنقاذ حياة إنسان أهم كثيرًا من أى تكلفة مالية، كما كان الفريق الطبى على استعداد للقيام بدوره ولم ينتظر سيارة الإسعاف لنقل المصاب إلى المستشفى وقاموا على الفور بإسعافه، مما ساهم بفاعلية فى إنقاذ حياته، ولم يقل أحد منهم أن الحالة تحتاج مستشفى وليس من اختصاصنا أو أن الإمكانيات لا تسمح بعلاجه، بل قام كل فرد منهم بجهد كبير، حيث تم إكمال الإنعاش القلبى الرئوى بالكامل داخل الملعب لمدة 20 دقيقة كاملة ولم يستعجلَوا نقله للمستشفى، وهو درس لكل طبيب أن يحاول بكل قوته ومهما كانت الحالة مستحيلة والأجهزة غير كافية، فقد ينقذ إنسانًا من الموت.

قمة الإنسانية كانت من زملاء اللاعب، حيث التفوا حوله فى دائرة تحجب عنه الكاميرات مراعاة لمشاعر أسرته حتى لا يروه وهو فى هذه الحالة، كما أن مخرج المباراة لم يعد لقطة السقوط مراعاة أيضًا لمشاعر أسرة اللاعب والمشاهدين، أما الاتحاد الأوروبى فقرر تعليق المباراة لحين الاطمئنان على اللاعب فى المستشفى، وظل جمهور الفريقين منتظرًا فى الملعب أكثر من ساعة لم يغادروا المدرجات، للاطمئنان على حياة اللاعب، وعندما تم إعلان أنه بخير وسيتم استكمال المباراة صفق الجمهور كله للاعب وللفريق الطبى، ساعتان جسدتا معانى الإنسانية لدى زملاء اللاعب ومنافسيه والجمهور والجهاز الطبى والمشرفين على البطولة.

مشهد آخر رائع، حيث تبدأ معظم المباريات بتضامن اللاعبين ضد العنصرية وتوجيه رسالة للمتعصبين نحن ضدكم وسنواجهكم، كرة القدم ليست لعبة فقط، ورغم المتعصبين والمهووسين وهم موجودون فى كل الملاعب، فإن لها وجهها النبيل ورسالتها الإنسانية فهل يعرفها ويتعلمها المتعصبون فى بلدنا وأصحاب برامج الفتنة الرياضية؟!