الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
أين «أراخنة» الكنيسة؟

أين «أراخنة» الكنيسة؟

أرخن كلمة يونانية تعنى حاكم، قائد، رئيس، ثم نقلت إلى اللغة القبطية، وهى تُشير فى المصطلحات الكنسية إلى الرجل العَلمانى المُتقدِّم بين شعب الكنيسة، فالأراخنة مواطنون لهم مراكز روحية واجتماعية تؤهلهم لخدمة الكنيسة، وهم أشخاص من غير رجال الدين لهم وضعهم فى المجتمع بسبب وظائفهم ومكانتهم فى الدولة أو ثرائهم، مما يمكنهم من تقديم خدمات للكنيسة وأبنائها، وفى الماضى كان الأراخنة يتمتعون بعلاقات قوية مع الحكام، وكان الباباوات يستعينون بهم كوسطاء بينهم وبين الولاة استغلالًا لنفوذهم الذى استمدوه بسبب ثرائهم أو قربهم ممن يتولون السلطة، وكانوا يتدخلون لحل المشاكل التى تواجه البطاركة، ويقدمون المال الذى تحتاجه الكنيسة.



وفى العصر الحديث؛ وإن خف استخدام هذه الكلمة مع صعود وانتشار كلمة العلمانيين إلا أنها مازالت موجودة، حتى إن البابا تواضروس استخدمها فى عظته بعد صلاة عيد الغطاس متحدثًا عن وباء كورونا وما حصده من أرواح، قائلًا: «نحن فى أيام انتشر هذا الوباء وتأثيره علينا فى كل مكان ليس فى الكنيسة فقط، وتحاول البلاد التقليل من التجمعات لتقليل العدوى وتفرض شروط صحة وإجراءات كثيرة، ورغم ذلك رحل عن عالمنا عدد من الآباء الكهنة ومن أخواتنا الشمامسة ومن الأراخنة»، كما استخدمها أيضًا فى نعيه لرجل الأعمال الراحل ثروت باسيلى واصفًا إياه بأنه «علامة وأرخن فاضل فى تاريخ كنيستنا المعاصر».

الأراخنة كان لهم دور كبير فى العصور المختلفة، وتزخر الكتب التى تؤرخ للكنيسة بالعديد من أسمائهم، وتُشير إلى ما فعلوه وما ضحوا به من أجل الأقباط والعقيدة، وفى العصر الحديث ومع تطور علاقة الكنيسة والعلمانيين تم إنشاء المجلس الملى عام 1874 وكان يضم دائمًا فى تشكيله أشخاصًا من النخبة القبطية بعد انتخابهم، وهذا المجلس كان له دور مهم فى الحياة الكنسية، حيث كان يختص بالأمور الإدارية والإشراف على الأوقاف القبطية، وكان صاحب فكرة إقامته بطرس باشا غالى، حيث استطاع استصدار أمر من الخديو إسماعيل بإنشائه، وعلى مر السنوات كان للمجلس حضور قوى بسبب الشخصيات التى كانت أعضاء به، وحتى بعد أن تقلصت مهامه عقب ثورة يوليو 1952، وخاصة فيما يخص إشرافه على الأوقاف القبطية، ظل أعضاؤه يمثلون جسرًا بين الكنيسة والحكومة فى الفترات التى لم تكن بها اتصالات مباشرة بين البابا والحكام، ومنذ وجود المجلس تباينت علاقات أعضائه مع البطاركة، فقد كان هناك باباوات يحاولون تقليص نفوذ أعضاء المجلس داخل الكنيسة، وفى المقابل كان هناك بطاركة آخرون حرصوا على إقامة علاقات طيبة بهم، بل إن البابا المتنيح شنودة الثالث كان حريصًا على وضع قائمة تضم عددًا من المقربين منه لخوض الانتخابات ثم رسامتهم شمامسة لضمان ولائهم وعدم معارضتهم كما حدث مع باباوات سابقين.

حاليًا المجلس شبه متوقف عن العمل منذ أحد عشر عامًا، حيث انتهت مدته عام 2011 وبعدها تنيح البابا شنودة ومن وقتها لم تجر انتخابات جديدة وظل معطلاً حتى الآن، وهناك مطالبات من العلمانيين الأقباط بضرورة إنهاء هذا الوضع وعودته مرة أخرى إلى نشاطه، ولكن بعد إجراء تعديلات على قانونه ولائحته التى لم تعد مناسبة للعصر بدءًا من اسمه، إذ لا يليق أن يطلق كلمة ملى على مجلس كنسى ونحن نبحث عن المواطنة الكاملة، كما أن التعديلات المطلوبة تُتِيح مزيدًا من مشاركة العلمانيين فى إدارة أمور الكنيسة بعيدًا عن الجوانب الروحية والعقائدية، ولعل الكنيسة الآن فى أحوج الأوقات إلى وجود مجلس علمانى قوى يمثل فيه أراخنة الأقباط بالمفهوم الحديث، وأن يضم فى عضويته ليس فقط رجال أعمال ووزراء ومستشارين ومحامين وقضاة وأصحاب نفوذ، ولكن أيضًا مفكرين وكتاب وإعلاميين وغيرهم ممن يستطيعون المشاركة فى وضع خطط تطوير وتحديث الكنيسة، والدفاع عنها وعن البابا فى مواجهة من يهاجمونه ويتجاوزون فى حقه ويتمسكون بالانغلاق والجمود، ويمكنهم من خلال اتصالاتهم وعلاقاتهم التدخل وحل الأزمات التى تواجه الكنيسة والأديرة مع بعض المسئولين.

هؤلاء الأراخنة يمكن أن يكونوا أفضل سلاح للكنيسة والبابا إذا تم تعديل لائحة المجلس بحيث تضمن أكبر مشاركة ممكنة سواء فى المجالس الملية بكل أبرشية أو فى المجلس الملى العام، ولكن حتى يتم ذلك والذى نأمل أن يكون قريبًا، يظل السؤال قائمًا فى ظل ما يواجه الكنيسة من تحديات وعواصف ضارية.. أين أراخنة الكنيسة؟