الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة..نجيب محفوظ: الموظف الزائد عن الحاجة يضر العمل!

كانت مصر هى سر نجاحه، فقد وهب حياته لها، واتخذ منها طريقًا للمجد، أغرق نفسه فى مشكلاتها فمنحته الطريق للعالمية، إن جائزة نوبل لتبدو قزمًا لا يُرى بجوار عبقرية هذا الرجل ووطنيته، أو لنقل إنه ليس على «نجيب محفوظ» أن يفخر بجائزة نوبل؛ بل على نوبل أن يفخر بمنح جائزته لنجيب محفوظ.



وهذا نص الحوار الذى تنشره مجلة «روزاليوسف».

 

 مدخل إنسانى لعالم النجيب

آمال: هناك مقولة طبية نصها «إنسان بلا ألم ولا معاناة بلا إبداع» فكيف يرى المفكر والأديب العربى العالمى «نجيب محفوظ» هذه المعادلة؟

نجيب محفوظ: هى لا تخلو من الصحة بدرجة كبيرة؛ لأن الإبداع هو إيجاد شىء لم يكن موجودًا، ولكن كيف يوجد هذا الشىء إذا لم يكن الإنسان يكمل به نقصًا أو يحقق به هدفًا غير موجود أو تطلعات لا يشبعها الواقع، أى أنه لو كان راضيًا رضاءً تامًا وليس لديه أى إحساس بألم أو عقد أو معاناة؛ فلن يبدع أو يعمل لأنه لن يكون لديه أى سبب للإبداع.

آمال: من هذا المنطلق ماذا كانت آلام «نجيب محفوظ» فى صباه؟ وهل ولدت هذه الآلام عقدًا ما؟

نجيب محفوظ: أنا عشت فترة مليئة بالصراعات سواء فى محيط الأسرة أو محيط المجتمع، فلقد فتحت عينى على ثورة ومطاردات ورصاصات تطلق، كذلك فى البيوت فقد كنا نعيش فى مملكة رهيبة كلها أوامر، وأنا كنت أعيش فى حى جميل لكنه كان بالنسبة للأطفال كقرية من قرى رعاة البقر، فأى طفل معرض للإصابة والضرب إذا خرج، فكان كل طفل فى الحى يريد أن يثبت أنه «فتوة» فكان يفتخر بالعدوان، وما أن يجد شخصًا يستطيع أن يظهرعليه فتوته حتى يسارع بالاعتداء عليه، فكان أهلنا يحبسوننا فى البيت، فاستغرقت فترة طويلة قبل أن أخرج للكتاب والمدرسة الأولية لا أستطيع الخروج من المنزل حتى ولو أمام الباب، وكل هذا يترك فى النفس شيئًا من التمرد والعقد ونقد النظام العائلى والاجتماعى وتكون هذا معى وأصبح مادتى فيما بعد.

آمال: أستاذ نجيب محفوظ .. لقد قلت ذات يوم: «إنه حين تموت الأم يفقد الإنسان الفردوس».. فهل رحيل والدتك ترك لديك عقدة ما، وافتقدت هذا الفردوس؟

نجيب محفوظ: الحقيقة إن أمى لو كانت قد ماتت فى فترة من فترات تكوين مراحل إبداعى لكانت نكبتى فوق التصور، لكن من رحمة الله أن والدتى قد ماتت بعد أن جاوزت المائة وكنت أنا اقترب من سن المعاش، فكانت أرحم ما يمكن لرحيل أم، لكنى أفتقدت الفردوس بدون شك.

آمال: الكتابة تحررنا من العذابات، فهل يتحرر نجيب محفوظ من العذاب بالكتابة؟

نجيب محفوظ: أنا أتحرر بالكتابة من عذابات كثيرة، فمثلًا الخوف من الموت، فهناك عشرات القصص القصيرة التى تبنى على فكرة الموت وتنتهى بتحرير الإنسان من عقدة الخوف من الموت.

آمال: الحياة ثنائيات وفى حديقة الدنيا النهار والليل، والأبيض والأسود والورد والشوك، حدثنى عن ورود حياتك؟

نجيب محفوظ: عرفت الورود فى حياتى الشخصية فى أشياء كثيرة فى أصدقاء كانوا يجمعون بين المنظر والرائحة الجميلة، وعرفتها أيضًا فى أزهار فنية وفى لحظات عاطفية وفى بعض الإنجازات حينما يوفقنى الله فى تحقيقها.

آمال: وهل كانت جائزة نوبل وردة فى حياتك؟

نجيب محفوظ: جائزة نوبل كانت صحبة ورود كاملة وليست وردة واحدة فقط.

آمال: وماذا عن الشوق الموجود على أفرع الورد؟

نجيب محفوظ: الأشواك كثيرة جدًا فى حياتى مثل العشرات فى الصحة وفى مختلف الحياة وظروفها ومسارها وأيضًا بعض الإحباطات وخيبة الأمل فى العلاقات الشخصية وأيضًا فى العلاقات العامة.

آمال: حدثنى أكثر عن أشواك أدمت أقدام نجيب محفوظ على الطريق.

نجيب محفوظ: هذه الأشواك لا يتحمل ذنبها أحد، لكنها نابعة من طبيعة المسيرة الأدبية خاصة فى بدايتها والصعوبات التى يواجهها الأديب والإهمال الذى يلاقيه.

آمال: لكنك جنيت هذه الأشواك ورودًا فى نوبل.

نجيب محفوظ: الحمد لله لقد عوض الله صبرى خيرًا.

آمال: وماذا عن تحديات صادفتها ولم تستطع التعامل معها؟

نجيب محفوظ: نحن فى زمن تقطعت فيه الروابط العائلية، فهناك كثير من أقاربى الذين أحبهم جدًا وكنت أود أن أقوى الروابط العائلية معهم باستمرار لكنى لم أستطع وأصبح كل منا فى جهة.

آمال: ما الشىء الذى يرفضه نجيب محفوظ ويتصدى له دومًا؟

نجيب محفوظ: بكل تأكيد وإصرار وعزيمة الفساد.

النموذج المطلوب فى أيام المحن

آمال: إذا تحدثنا عن كلمتى القدوة والمثل اللتين تعدان من أهم الأشياء فى حياتنا التى من المفروض أن تكون ماثلة أمام شبابنا، فكيف تتحقق هذه الضرورة المنشودة؟

نجيب محفوظ: نحن الآن فى مرحلة بناء عصيبة ولا نستطيع أن نقول إننا فى فترة رخاء أو شبه رخاء، إنما هى فترة عمل وعرق تقتضى مجهودًا كبيرًا منا حتى نخرج من عنق الزجاجة ونبدأ مرحلة انطلاق تنتهى إلى الرخاء، وهذه المرحلة تقتضى من القادة شيئًا من ضبط النفس والانضباط الذاتى فى المعاملة مع الحياة وتقتضى البساطة والميل إلى التقشف، إلى النزاهة والإخلاص فى العمل، إلى التعاطف والتضامن، والنموذج المطلوب الآن واضح جدًا وهو النموذج المطلوب فى أيام المحن من الجدية والبساطة والتقشف والنزاهة ليكون قدوة للشباب.

آمال: إذا توقفنا عند نجيب محفوظ عبد العزيز حينما كنت فى الوظيفة وتمسكت بالتراب الميرى طوال مشوارك، تُرى هل حققت القدوة والمثل؟

نجيب محفوظ: حاولت أن أعمل بضمير وفى حدود مبادئى ما وسعنى ذلك، ولا أعتقد -والله شهيد- أنى عملت عملًا أخجل منه، بل حاولت أن أكون مع ضميرى قدر استطاعتى.

آمال: ألم يحدث أن تلقيت كارت توصية لشخص قريب أو شىء من هذا القبيل؟

نجيب محفوظ: بل حدث كثيرًا، ولكن هناك بعض الأشياء كانت تحدث ولا تؤذى، فمثلًا جاءنى رجل وترجانى وقال لى إن لديه ابنة فى القوى العاملة وطلب منى أن نطلبها فى وزارة الثقافة، فسألت وكيل وزارة الثقافة إن كان هذا ممكنًا فأكد لى أنه من الممكن طلبها وأن هناك أماكن خالية تسمح بتعيينها، ولكنى أرفضها الآن لأن وزارة الثقافة لا يجب أن يدخلها إلا من يجب أن يعمل بها ومن تواكب إمكانياته ومواهبه وميوله وزارة الثقافة ومن يصبح قيمة مضافة إلى هذا الموقع وليس من يكون والده صديقًا لنجيب محفوظ. آمال: المفكر العربى الكبير نجيب محفوظ، هناك دعوة نصها الاستفادة من كل خبرة مصرية فى حل مشاكلها، بدلًا من أن تهجر الخبرات أرض مصر إلى أماكن جغرافية بعيدة كبلاد المهجر تكثف فيه كل مواهبها لتحقيق شىء لذاتها وللبلد الآخر، أليس من المفترض أن نستفيد من كل هذه الخبرات، ما المطلوب من كل خبرة مصرية فى تصورك؟

نجيب محفوظ: المطلوب واضح وهو أن تكون الخدمة فى سبيل التنمية والنهضة المصرية، لكن هناك واقع يجب أن نحترمه، بمعنى أنه لا يجوز أن أحتفظ بخبرة بلا عمل، ففى هذه الحالة من الخير لها ولوطننا وللآخرين أن تمارس خبرتها فى مكان آخر، فالمسألة هى مدى احتياجنا إلى الخبرات، فلا يجوز أن يكون لى مجال نشاط مفتقر إلى الخبرة؛ فى حين أن هذه الخبرة تعمل بالخارج، بل يجب أن يكون لدىَّ كفايتى أولًا وبعد ذلك يمكن للخبرات الزائدة أن تذهب شرقًا وغربًا، حتى لا تتعطل ولكى تؤدى خدمة إن لم يكن لوطنها فلأوطان أخرى صديقة ولكى تكون واجهة مشرفة لنا، فنحن نستفيد من المهاجرين والخبرات المهاجرة أكثر من قناة السويس والبترول.

آمال: إذن يمكن تلخيص ما قلته فى ثلاث نقاط بخصوص الخبرات، أولها توظيف الخبرات فى مكانها الصحيح بحيث أن تنجز وتضيف لبلادنا، وثانيها اختيار ما تحتاجه مصر من هذه الخبرات ثم ما يزيد على الحاجة نشجعه على الهجرة، وثالثها تعود هذه الطيور المهاجرة إلى مصر إذا احتاجتها يومًا ما.

نجيب محفوظ: ليس ذلك فقط بل إذا احتجنا لها وهى بالخارج لا تضن علينا بمجهودها، كما حدث من بعض المهاجرين الذين أعطوا خبراتهم وآراءهم لمصر حين احتاجتهم وهم بالخارج.

آمال: عندنا أمل وهو أن شبابنا يكون متطهرًا من التطرف على أى شاكلة، فكيف نصل إلى هذا النموذج؟ ومسئولية مَن مِن الأجهزة؟ أم هى مسئولية المفكرين ودعوتهم باعتبار أن المفكرين لا يقفون عند حدودهم الجسمية بل إن نظرتهم تكون شمولية؟ نجيب محفوظ: اسمحى لى أن أقرأ معكِ بعض السطور التى كتبتها فى مقال بعنوان «ما بين الصورة والأصل» تأكيدًا على كلامك: غير بعيد عن الصواب أن نقول إن الفلسفة التى تصدر عن مجتمع ما فى زمن ما إنما تحمل سماته العامة وما يجيش فى صدره من إيجابيات وسلبيات فتكون تبعًا لذلك متفائلًا أو متشائمًا، سمحًا أو متعصبًا، معتدلًا أو متطرفًا، رقيقًا مهذبًا أو شرسًا عنيفًا ولذلك فعندما تجابهنا رؤية فظة قاسية لا عهد لنا بها، لا يكفى أن نتصدى لها بالزجر والتأديب وإن يكن ذلك لا مفر منه، ولا يكفى أن ننبرى لها بالمناقشة والموعظة والنقد وإن يكن ذلك ضرورة لا غنى عنها، أما الواجب فهو أن ننظر فى أعماقنا، أعماق مجتمعنا وأعماق أنفسنا أن ننقب عن سلبياته ونقاط تسيبه واستهتاره، عن قيمه الأخلاقية وما تتعرض له من ابتذال، عن مقوماته الأساسية من حرية وعدالة وحقوق إنسانية وما تلقى من هوان، عن روح التضامن بين أبنائه وما تعانى من هزال ولا مبالاة، عما يوفر لشبابه من علم وعمل وأمل وكرامة، عن القدوة الحسنة التى يلتزم بها قادته أمامه، هذا ما يجب أن نجد فى البحث عنه لنعرفه ثم لنقومه، لننهض بالحياة إلى مستوى يليق بها، وعند ذلك يتغير الوجدان وترق ردة الأفعال ويمكن أن تطمح إلى فلسفة جديدة تتوافق صحتها مع صحة المجتمع الجديد.

آمال: وقفة ما بين سطور هذا المقال، ونشرحه شرحًا مفصلًا…

نجيب محفوظ: لابد من التربية فى البيت وفى المدرسة وفى كل أجهزة الإعلام، لكن التربية وحدها لا تكفى، بل لابُد من القدوة وقد تكلمنا عنها، ولابُد من تحسين ظروف الحياة كلها وإضفاء القيم الرفيعة عليها، كل هذا مجتمعًا لا يدع للتطرف أو للانحراف إلا للمرضى الذين لا يخلو منهم أى مجتمع، ولكن لا يمكن أن يتمثل فى تيار قوى، لكن فى كل مجتمع يوجد مرضى وهذه أمور علاجها سهل، إنما المجتمع الصحى ينشأ فيه شاب صحى سليم.

آمال: إذا تحدثنا عن شباب «نجيب محفوظ عبد العزيز» وكيف تكوّن وجدانك؟

نجيب محفوظ: كان من حظى أن تقوم ثورة 1919 وسنى لم تتعد سبع سنوات، فنشأت فى ظل جو يفيض بالوطنية والتضحية والفداء والمبادئ الرقيقة، ثم شهدت نتائج الثورة فى الحياة الاقتصادية أخرجت بنك مصر، وفى الفكر أخرجت طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد والمازنى، وفى جو الفكر والفلسفة الذى أوجدته، وكل هذا كان تربية خارج البيت، وفى الوقت نفسه كان فى المدارس تربية فكرية وفنية ورياضية وكنا نجد عناية فائقة حيث كان عدد التلاميذ فى الفصل مناسبًا، فلم يكن يزيد على عشرين تلميذًا، وكانت العلاقة بين المدرس والتلميذ واضحة، ودخلنا الجامعة وهى مثالية وكان عدد المدرسين فى أى قسم أكبر من عدد الطلبة فكان القسم الذى يضم عشرة من الطلاب يقوم بالتدريس فيه عشرون أستاذًا فكانت الظروف حسنة جدًا.

آمال: يبقى الانتماء وتبقى الوطنية، فهل حدثت فروق كبيرة فى مفهوم الانتماء الوطني عند شباب هذا الجيل عن جيلكم؟

نجيب محفوظ: نعم حدثت فروق كثيرة، فجيلنا تربى تربية وطنية ولم يكن يعرف، غير مصر، وكانت قضيتها غالبة عليه حيث كان يريد الحصول على الاستقلال لها فى الداخل والخارج ولا يكاد يفكر فى غير ذلك، أما الشباب بعدنا فلقد توزعته آراء أخرى تنافس الوطنية فى قلب الشاب، فدخلت العقائد والآراء الحديثة فى القلوب بحكم اتصالنا بالعالم وبحكم متطلبات الحياة الحديثة فأصبح الشباب ينتمى إلى مصر وإلى العقيدة الفلانية وقد يكون بينهما تناقض وتضارب، فلم تعد هناك الوطنية الخالصة التى كانت موجودة فى الماضى، وهذا لا يعنى أن الشاب أصبح ضد الوطن أو قليل الوطنية، بل يعنى أن الوطنية لم تعد شغله الشاغل الوحيد بل أصبحت الوطنية تصل للشاب من خلال مفهوم أشمل من المبدأ أو العقيدة.

آمال: هل نستطيع القول: إن الفردية تسللت إلى وجدان الشاب فلم يعد إحساسه بالوطن شموليًا بل أصبح يركز فى نفسه…

نجيب محفوظ: هو لم يركز فى نفسه بل يركز فى مبدأ آخر لا يتفق دائمًا أو قد يتناقض فى بعض جوانبه مع الوطنية، وعلى أى حال فإن الإنسان المشغول بشىء واحد ليس كالإنسان الذى يشغل بأكثر من شىء يتوزع اهتمامه عليها كلها.

آمال: إذن فالمطلوب هو التركيز على مصر فى وجدان الشباب، فكيف نعزز الانتماء والوطنية؟

نجيب محفوظ: دائمًا ما يكون الاعتماد هنا على شيئين هما التربية وعلى مصر نفسها، أما التربية فهى تصب الناشئ فى قالب وتنشئ بينه وبين وطنه علاقات الحب، أما واجب مصر فهى كلما وفرت لبنيها الكرامة والعزة والحياة المناسبة فسيحبونها وستتغلب الوطنية على أى شىء آخر.

آمال: وسنستأصل أى أفكار دخيلة؟..

نجيب محفوظ: فعلًا لأن هذه الأفكار الدخيلة يلجأون إليها على اعتبار أنها تحقق لهم ما يريدونه وما قلته أنا الآن، ولكن إذا حققت مصر ذلك وحدها فسيستغنون عن أى شىء آخر.

 الروتين مطلوب أحيانًا

آمال: أستاذنا الكبير نجيب محفوظ، لعلك من الداعين إلى قيام ثورة على الروتين، وبالتأكيد فالروتين هو أحد المآخذ الموجودة فى كل مكاتبنا ومستشريه فى السلم الوظيفى الخاص بنا، فما هى عيوب الروتين؟

نجيب محفوظ: الروتين فى الأصل يعنى القواعد والتعليمات وهو أشبه بمجموعة من القوانين الإدارية، ولا يمكن أن نتصور سير أى جهاز من الأجهزة بدون روتين أى بدون نظام.

آمال: إذن فالروتين مطلوب.

نجيب محفوظ: الروتين المطلوب هو النظام، لكن لماذا نشكو من الروتين إذن إذا كان هو النظام؟ نحن نشكو منه لعدة أسباب، أولها أنه فى كثير من الأحيان نجده قديمًا مصابًا بالبلى لأنه وضع منذ زمن طويل جدًا، وتغيرت الدنيا والمعاملات فى حين بقى هذا النظام على ما هو عليه.. المفروض أن يتجدد مع الحياة ومع نشاطها وإيقاعها باستمرار، ومن العيوب الأخرى للروتين هو فى الإنسان وليس فى النظام وذلك عند مستوى التنفيذ، والواقع أننا قبل أن نفكر فى تغيير الروتين يجب أن نعلم ما هى العيوب الناتجة من الروتين نفسه، وما هى العيوب الناتجة من مُنَفذَ الروتين وهذا مهم جدًا حتى نجده بناء على تشخيص سليم، فمثلًا إذا تصورنا نظامًا ماليًا معينًا فى الصرف أو التوريد أو أى شىء فسنجد فيه تعقيدًا يمثل خمسين بالمائة والخمسين بالمائة الأخرى تأتى من كسل القائم عليه، فمرة لا يكون موجودًا أو يدعى الانشغال حتى يتهرب من عمله، ولهذا فإن تصحيحنا يجب أن يشمل الموظف والنظام وإلا فسنأتى بنظام جديد يتعامل معه الموظف كما يتعامل مع النظام الجديد دون أن نشعر بأى تقدم، لأن الأساس هو الإنسان، فالروتين يمكن توظيفه بمحو تعقيداته ومسايرته للزمن ومراقبة المنفذ له التى تعد من الأمور التى يجب معالجتها كأكبر عيب وأكبر تعقيد وعلى أنها روح ما يسمى بالروتين.

آمال: يقول الدكتور زكى نجيب محمود إننا شعب لا نحب العمل، فهل لهذه الظاهرة تفسير عندك؟

نجيب محفوظ: الحقيقة أنه لا يوجد أى شخص يحب العمل بالفطرة، لكن العمل خُلُق وحُبه يأتى بالتربية وبالنظام وبروح العمل، ولا يمكن أن نقول إننا لا نحب العمل بالفطرة فى حين أننا نحن بناة الأهرام التى تحتاج لمثابرة غير طبيعية.

آمال: فى ظنى أن التكدس الوظيفى سبب كثرة خريجى الجامعات أحد أهم المشكلات نتيجة إصرار العائلات المصرية على إلحاق أولادها بالجامعات وبالتالى تتدفق أعداد هائلة تتخرج سنويًا مما يؤدى إلى حدوث التكدس الوظيفى.

نجيب محفوظ: لا شك فى هذا.

آمال: اسمح لى بلوم بسيط، أليس هذا دور المفكرين الذين عليهم أن يطرحوا قيمًا تسود فى المجتمع، وأهمها الالتحاق بالمعاهد الفنية المتوسطة؟

نجيب محفوظ: فعلًا هذا دور المفكرين ودور الموجهين ودور الحكام أيضًا، فهذا الموضوع طالما تناولته فى مقالاتى التى كنت أكتبها بجريدة الأهرام، فالواقع أن نظرتنا يجب أن تتغير، فدور المفكرين هنا هو عمل الدعاية التى تحتاج لزمن قد يطول، لكن حينما تلح علينا الأمور كما هى الآن فهى تحتاج للتنفيذ، فمثلًا يجب أن تكون لدينا مدارس يدخلها كل طفل لمحو الأمية ومن أجل التربية الوطنية والتعليم الأولى، بعد ذلك يجب أن يتوجه هذا الطفل بعد المرحلة الأولى إلى المهن والحرف التى تمنحه عملًا فى الحياة ومن يستمرون فى التعليم إلى الجامعة يكونون قلة مختارة وهى الفئة التى تحتاجها البلد فى مختلف التخصصات بلا زيادة، وهذا يأتى بالتنظيم وليس بالدعاية، فلو قمنا مثلًا بتحديد عدد الملتحقين بالثانوية العامة وأعلنا أننا لا نحتاج لغيرهم على أن يتجه الباقون إلى المعاهد، وأؤكد أن من سيتجهون للمعاهد سيشعرون بالحزن فى البداية، لكن فيما بعد سيدركون أنهم كسبوا أكثر حينما التحقوا بالمعاهد، وعلينا أن نحدد عدد الأطباء والمهندسين والمحامين والكيميائيين وغيرها من التخصصات التى نحتاجها سنويًا ولا يصح أن يتجه أكثر منهم للجامعة وأن يكون أمام الباقين المعاهد الفنية المتخصصة التى نحتاجها بشدة والتى لا يوجد أحد عمل بها ولم يربح ربحًا جيدًا أكثر من أى خريج فى الجامعة.

آمال: ما الذى يلفت نظرك غير الروتين من سلبيات مجتمعنا؟

نجيب محفوظ: المتابعة، فنحن متأخرون جدًا فى المتابعة، فستجدين لدينا مشروعات نقرأ عنها فى الجرائد بشكل يومى، ولو وضعنا ذلك فى نوتة وتابعناه سنجد أن ما يكتب هذا لو تم تنفيذه بحق لأنشأ بلدًا غير البلد، فأين يذهب كل هذا؟ وهل هو مجرد كلام أم مشاريع حقيقية؟ فإذا تحدثنا عن النظافة فسنجد أننا نسمع عنها الكثير، لكن الحقيقة أن النظافة لا تحتاج إلى شىء غير المتابعة والاهتمام، فلا يوجد أى نقص فى اليد العاملة، وأيضًا من الأشياء الكبيرة جدًا التى تنقصنا ما يسمى بالحزم الإدارى والمقصود به أن يراقب الرؤساء تنفيذ القوانين وما يجب أن يكون من معاملة ما بين موظفيهم وبين الناس، وأن يقضوا على الانحراف بلا رحمة، إنما ترك الأمور على علاتها بهذا التسيب يجعلنا لا نعلم إلى أين ستنتهى بنا الأمور، فالمسألة تحتاج لجهد وعمل وشعور بالمسئولية ويجب أن تعرف المراكز الرئاسية طبيعة عملها والعاملين تحت يديها، فنحن لدينا قوة مهدرة بلا سبب، ففى كل مكان يقابلنا النقص والكسل وكأنه لا توجد رقابة، ولا يوجد من يخاف من أى شىء، فلا إحساس بالمسئولية ولا إحساس بنتائج القيام بالعمل كما يجب ولا خوف من القانون أو من حراس القانون. إضافة إلى ذلك فيجب أن يدرك المسئولون أن ثباتهم فى أماكنهم يعتمد اعتمادًا كليًا على تنفيذ واجباتهم فستتغير المسألة، لكن لو استعرضنا حياتنا سنجد القليل جدًا من الجزاءات التى وقعت على مسئولين بسبب معاناة الجماهير، أو السلبيات التى يعانون منها فمن النادر أن يعاقب مسئول على معاناة مواطن، بل من الممكن أن يدخل الأمر إلى المحاكم وسرعان ما ينسى، فلا يوجد الحسم الذى يجعل كل منا يشعر بحقيقة الواجب وبأن الخروج عنه فيه خطورة حقيقية، والفترة التى نمر بها حاليًا تحتاج لكل شدة ولأقصى درجات الحزم، وأن نفضل القسوة بكل معانيها على الرحمة التى تنتهى بالتسيب.

آمال: هل هناك أمل فى أن تتغير عاداتنا السيئة؟

نجيب محفوظ: طبعًا هناك أمل ولكن بالطريقة التى ذكرتها سابقًا فللأس ف الشديد كلما أتخذنا قرارًا تنظيميًا ووضعنا إجراءات عقابية له نجد أن هذا القرار عمره قصير كعمر الزهور، فيطبق لفترة لكن سرعان ما يختفى المكلف بالتنفيذ ويهدأ الموضوع ويعود الأمر إلى سابقه وكأن مخالفة القانون هى الأصل.

آمال: إذن المطلوب هو استمرارية تنفيذ العقاب؟.

نجيب محفوظ: طبعًا، فالحكاية تستلزم منا أن نحترم أنفسنا، فنحن فى دولة محترمة، والدولة المحترمة يجب أن تكون كلمتها مسموعة، ويجب أن نلتزم نحن بالقانون ولو تهاونا به فنحن نتهاون فى كرامتنا الشخصية وبهيبة الدولة، ويجب على الدولة الحفاظ على كرامتها بتنفيذ قراراتها لأن الدولة يجب أن تكون مهابة وهذا فى صالح الشعب وفى صالح الكادحين ومن يعانون ليل نهار، ويجب أن يستمر تنفيذ القرارات على الدوام على أن يعاقب منتهكوه.

 الصحافة المثالية

آمال: وما اقتراحاتك لصحافة مثالية؟

نجيب محفوظ: الصحافة مهمتها الأولى أن تكون واسطة بين قارئها وبين العالم، فتعرفه بما يدور حوله وتقدم له الحقائق بقدر الإمكان حتى يكون تفكيره سليمًا وتكون نظرته للأشياء سليمة وتربيه تربية صحيحة، فلا داعى أن يجد القارئ مثلًا كل يوم خريطة جديدة فى الجرائد تقول إنه تمت زراعة ملايين الأفدنة، فهذه الأحلام البعيدة أصبحت أشياء أشبه بالخيالات والوعود التى لا تتحقق، ولكن ما يهمنى أن أجد من يشرح لى الصعوبات التى نواجهها وما تتخذه البلاد لمواجهة هذه الصعوبات حتى لو كانت أشياء بطيئة وصغيرة لكنها الحقيقة التى تتطلب منا الصبر والكثير من العمل، لذا فيجب أن تتحدث معنا الصحافة كأناس راشدين بدلًا من أن تقدم لنا أشياء أشبه بالمخدرات.

آمال: لكن الدراسات السيكولوجية تؤكد أن طرح الأمل مطلوب فى وقت المعاناة.

نجيب محفوظ: نعم ولكن قبل أن تمنحنى الصحف هذا الأمل يجب ألا تجعله أملًا خياليًا بل أمل على الواقع، فيجب أن تعرفنا بواقعنا وحدود الجهود التى تبذل للتغلب عليه لكى نعرف ما لنا وما علينا ولكى يكون حلمنا نابعًا من الواقع وليس حلمًا كالأوهام.

 كلمات النجيب .. محفوظة

آمال: ماذا تحب من أنواع الفن؟

نجيب محفوظ: أنا أحب الفن بكل أنواعه ودرجاته، وأحب تذوق كل ما على المائدة الفنية.

آمال: ما هى فلسفتك فى الحياة؟ 

نجيب محفوظ: فلسفتى هى التى قلتها الآن وهى أن أتذوق كل ما على مائدة الحياة.

آمال: الأمل الذى يختبئ بداخلك؟

نجيب محفوظ: أتمنى أولًا أن أرى مصر وقد انتصرت على كل متاعبها وأصبحت كالوردة الناضرة ولأن عمرى لا يسمح لى برؤيتها وقد وصلت إلى ذلك فأنا أتمنى فقط ولو أراها تسير فى هذا الطريق.

آمال: وما هى متاعب مصر؟ 

نجيب محفوظ: الانتصار على عدوها حربًا وسلمًا، والانتصار على أزمتها الاقتصادية والانتصار على التخلف.

آمال: أمل حياتك الشخصية؟

نجيب محفوظ: أتمنى أن أرى أولادى وقد بلغوا آمالهم.

آمال: رسالة توجهها لشباب مصر..

نجيب محفوظ: بعيدًا عن توجيه أى توصية أو موعظة، كل ما أطلبه من أى شاب أن يكون مستقلًا فى تفكيره محترمًا لعقله وضميره فلا يقبل إلا ما يقتنع به عقله ويرضى عنه ضميره، ولا يسمح أبدًا لأى غزو بأن يهز هذا الاستقلال، لأن الشاب المحترم لا يهزم ولا يتأثر تأثيرًا سلبيًا أعمى، ولا يغسل مخه، وإنما كرامته دائمًا فى أن يكون هو هو، وأن يخضع لعقله وضميره.

آمال: وماذا تقول للموظف المصرى؟ 

نجيب محفوظ: أعانك الله على ما أنت فيه، وساعدك على أداء واجبك بالنزاهة المطلوبة.

آمال: لسائق فى هيئة النقل العام.

نجيب محفوظ: سامحك الله.

آمال: لطالب يدرس فى الجامعة؟

نجيب محفوظ: العلم نور، ونحن فى عصر العلم، ولا سيادة فوق سيادة العلم.

آمال: وكلمة للأم المصرية. 

نجيب محفوظ: الأم آخر مخلوق يحتاج لموعظة أو نصيحة لأنها تفعل الخير من غير تعليم، ولكن أقول للمسئولين علموا الأمهات. آمال: وكلمة للمدرس المصرى. 

نجيب محفوظ: أقول له إنهم قالوا «كاد المعلم أن يكون رسولًا» فكن إن استطعت رسولًا.

آمال: ماذا تقول لمفكرى مصر؟.

نجيب محفوظ: إن مصر فى حاجة إلى تفكيرهم، وإنها هى التى ربتهم وأنفقت عليهم وبلغت بهم المكانة الممتازة فى العلم، وإن الواجب عليهم أن يردوا الجميل بأن يضعوا فكرهم وخبرتهم فى خدمة وطنهم حتى يخرج من نطاق الدول النامية إلى الدول المتطورة ويمضى فى سبيله بإذن الله.

آمال: من أنت فى كلمات؟

نجيب محفوظ: أنا إنسان عادى وكاتب طموح وعاشق للفن وعاشق لمصر التى تربيت فيها ونشأت على ترابها ورضعت من لبنها وشربت من نيلها وبذلت ما أملك من جهد فى سبيل بلدى وفنى، وأتمنى من الله أن يجازينى على ذلك.

آمال: وما هى الرسالة التى توجهها لنفسك؟ 

نجيب محفوظ: أقول لنفسى: اطلب العلم من المهد إلى اللحد، وكذلك العمل فى سبيل الله والوطن.