الإثنين 12 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. عمر الشريف: فاتن حمامة أكبر موهبة رأيتها!

«ممثل بدرجة سفير عالمى، حقق النجاح داخل مصر وخارجها بفضل براعته وحبه لفنه، كان واجهة مشرفة للعرب فى هوليوود، ورغم شهرته العالمية إلا أن ارتباطه بوطنه مصر جعله أكثر حنينًا إليها وأكثر تصميمًا على تشريفها، ولم يحدث أن ناداه وطنه فى مرة وتخلف عن تلبية النداء، فهو فعلًا لورانس العرب.



وهذا نص الحوار النادر الذى تنفرد «روزاليوسف» بنشره.

 

آمال: أنت فنان مصرى عبرت حدود الوطن العربى وتألقت فى سماء السينما العالمية واستطعت بإخلاصك وفنك أن تحفر لنفسك مكانًا على خريطة الفن العالمى، ورغم ذلك تضاعف إحساسك بالوحدة والغربة، وشعرت أنك كسبت كثيرًا، وخسرت كثيرًا، وخلال رحلتك اكتشفت أن الأصدقاء يلتفون حول نجومية الإنسان حينما يكون فى أوج نجاحه، وينصرفون فى الأزمات؟

عمر الشريف: هذه بالفعل هى الحقيقة كما قلتيها تمامًا، ففى أوروبا وخاصة فرنسا لا يهتم أحد إلا بمصلحته الشخصية ولا يوجد إحساس الصداقة التى هى مجرد حب أو مجرد صداقة كما لدينا، وهذا البرود من طبعهم لدرجة أنهم إذا جاءوا إلى مصر وقابلهم المصريون بالأحضان يغضبون لأنهم لا يحبون هذه المظاهر، أما أنا فإنسان شرقى ومعتاد من صغرى على أننا نظهر كل مشاعرنا على وجوهنا ولا نعرف كيف نخفى مشاعرنا كما يفعلون، وفى بداية تعاملى معهم حاولت أن أتعامل معهم كإنسان شرقى وكنت أظن أننى سأنجح فى إنشاء صداقات حميمة لكن اتضح أننى لن أستطيع لأننى كنت معتادًا على طريقة معاملة مع الناس غير موجودة فى الخارج، ففى الخارج لا صداقة ولا إخلاص ولكن المصلحة هى الكلمة الأولى والدافع الأول فى كل شىء.

 آمال: ومع ذلك للمصالح والمنافع رنين مسموع أقوى من أى مشاعر.

عمر الشريف: نعم الأحاسيس تأتى فى مرتبة متأخرة عندهم، أما عندنا فى مصر فالإحساس هو أهم شىء لدرجة أننا نضحى بمصالحنا فى أوقات كثيرة جدًا من أجل إحساسنا.

آمال: مشوار نجاح أى إنسان ملىء بالعثرات والعراقيل، فما أبرز العراقيل التى واجهت طريق حياتك؟

عمر الشريف: فى البداية، واجهت صعوبة كبيرة جدًا فى الحياة بالخارج، لأن المصريين كانوا مكروهين جدًا فى العالم فدعايتنا كانت سيئة جدًا لأن الكثير من وسائل الإعلام والصحافة فى الخارج بيد اليهود الذين كانوا يشجعون إسرائيل ضد مصر خاصة فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وخلال وقت حرب 67 كانوا يريدون إلغاء كل عقودى فى هوليوود، فحينما قامت الحرب كنت مرتبطًا بعقدين ولم أبدأ تصويرهما فطلب المنتجون إلغاء العقدين فهددتهم باللجوء للقضاء حتى قبلوا استمرارى فى العمل.

آمال: وربما كفاءتك الفنية وإجادتك للغة كانت جواز مرور لعبور هذا الحاجز؟

عمر الشريف: الحقيقة أننى كنت حسن الحظ جدًا فى بدايتى.

آمال: هل تؤمن بالحظ فى حياتك؟

عمر الشريف: طبعًا أؤمن بالحظ جدًا وأؤمن أن كل شىء مكتوب وأن كل ما يحدث لا بد له أن يحدث.

آمال: هل أنت إنسان قدرى؟

عمر الشريف: جدًا وكل حياتى أعيشها بهذه الطريقة، ولا أفعل شيئًا يغير الحياة بل أجعل الحياة هى التى تؤثر فى، وغالبًا هذا أسلوب خاطئ.

آمال: أعلم أن كل فنان عالمى يوجد وراؤه مخطط لمستقبله الفنى ألم يكن هناك نوع من التخطيط أو عقلية كانت تخطط لنجاحك الفنى؟

عمر الشريف: لم يكن هناك تخطيط بل تركت كل شىء للقدر، فلقد حاولت بقدر إمكانى أن أقوم بأعمال جيدة ثم تركت الجزء الباقى للحظ والقدر.

آمال: النفاذ إلى عالم هوليوود هل يحتاج إلى موهبة خرافية أم خلفية علاقات اجتماعية مساندة أم إجادة لمفردات اللغة التى تخاطب بها جموع المشاهدين فى كل الدنيا؟

عمر الشريف: هى مزيج من كل تلك الأشياء، فلا بد فى الأساس أن يوجد شىء من الموهبة والاستعداد، ثم لا بد من معرفة اللغات للدخول فى السينما العالمية، وأيضًا لا بد من وجود جزء من البخت والحظ والقدر وكل شىء فيدخل فى النجاح مائة سبب لا بد أن تتحقق فى نفس الوقت، وهى طبعًا معادلة صعبة إلى جانب أنه لا بد من وجود امرأة وراء كل رجل عظيم، فالفضل الأصلى فى هذا النجاح لفاتن حمامة.

آمال: كيف شعر بك الجمهور فى الخارج فى بداية إطلالك عليه؟

عمر الشريف: بعد أن عُرض فيلم «لورانس العرب» ونجح نجاحًا باهرًا لم يكن أحد فى هوليوود قد رأى ممثلًا مصريًا من قبل فرأى الجميع فيّ شيئًا جديدًا فحينما ينشأ ممثل أمريكى جديد يعرف الجميع طباعه وعاداته فأراد الجميع التعرف عليّ ومعرفة عاداتى وتقاليدى فهم كانوا يتخيلون المصريين وكأنهم لا يزالون يعيشون فى الصحراء ويركبون الجمال، وبالفعل كانوا يسألوننى عن الجمال وكنت أجيبهم بأننى قبل أن أمثل فى فيلم «لورانس العرب» لم أر جمالًا إلا على علب السجائر الأمريكية.

آمال: لو حاولنا تعريف كلمة النجاح كما عشتها.. ماذا تقول عنها؟

عمر الشريف: أنا لم أشعر بالنجاح إلا بعد عودتى إلى مصر، ورؤيتى لاستقبال الناس وإحساسى بحبهم لى، فلقد جعلنى هذا أفكر فى أننى قد أكون ناجحًا، لكنى لم أشعر فى الخارج بأننى ناجح، فأنا أمثل الأفلام التى تنجح أو تفشل وأعيش حياة عادية لا أفكر فيها إن كنت ناجحًا أم غير ناجح، لكن النجاح الحقيقى شعرت به حينما استقبلنى الناس فى مصر.

آمال: وماذا عن تعريف كلمة غربة؟

عمر الشريف: إحساس بالوحدة وبأننى بعيد عن أهلى وأصحابى وكل من يحبوننى، كما وجدت أن طباعى شرقية وهذا شىء لم أكن أعرفه فى نفسى، وعلمت أننى مصرى حقيقى حينما أقمت لفترة فى الخارج ووجدت أننى لست مستريحًا وشعرت بالغربة فى الخارج وهذا معناه أن لى بلدًا ووطنًا لا بد أن أعيش فيه لكى أكون سعيدًا كبقية الناس.

آمال: إذن ببساطة فأنت اكتشفت نفسك وحقيقة مشاعرك وانتماءك حينما غادرت مصر؟

عمر الشريف: نعم لأننى حينما كنت أعيش فى القاهرة التى ولدت وعشت فيها طوال عمرى كان شيئًا طبيعيًا، لكن حينما سافرت شعرت بنقص وبأننى إنسان ليس فى مكانه فعرفت أن لى مكانى الخاص فى بلدى.

آمال: ما أول شىء تلاحظه حينما تأتى إلى مصر؟

عمر الشريف: أول ما ألاحظه فور نزولى من الطائرة أن الناس تفرح وتسعد حينما يروننى وأشعر بسعادتهم واضحة بشكل كبير. آمال: هل اختلفت بدايات غربتك عنها بعد ذلك؟

عمر الشريف: فى السنوات العشر الأولى من سفرى كنت أعيش فى الفنادق ومعى حقائبى باستمرار وأتنقل من بلد لبلد ولم أكن أملك بيتًا أضع فيه ملابسى أو كتبى أو أسطوناتى، أما بعد ذلك لقد استأجرت شقة فى فرنسا وأصبحت مستقرًا، وعينت طباخة متخصصة وعلمتها أمى كيفية عمل الطعام المصرى واستقرت حياتى نسبيًا.

آمال: بصراحة هل كنت تتخيل أن يستقبلك الجمهور المصرى دائمًا كما يحدث فور وصولك؟

عمر الشريف: فى البداية تصورت أن الناس تريد رؤيتى لكن ليس بالدرجة التى تحدث، فأنا رأيت ما لا يمكن أن أتصوره فى حياتى وحب الناس كان بشكل لا يمكن تخيله.

 بوابة مصر فتحت لى طريق العالمية

آمال: مصر كانت جسر وصولك إلى العالمية.. صحيح؟

عمر الشريف: الجمهور العالمى وصنّاع السينما العالمية يعلمون جميعًا أننى مصرى وأن أصلى من مصر وأن بدايتى السينمائية كانت فى مصر، وبدايتى السينمائية المصرية هى التى لها الفضل علىّ بقية حياتى فلو لم يكونوا قد رأونى فى أفلام مصرية لما كانوا قد استعانوا بى فى السينما العالمية.

آمال: إذا عددنا علاماتك المميزة فى السينما العربية ثم العالمية.. فماذا تقول؟

عمر الشريف: أول فيلم قمت بتمثيله يعد بالطبع علامة مهمة جدًا لأنه هو الذى عرف الناس بى ونجح، وكذلك فهو مهم جدًا فى حياتى الشخصية، لأننى قابلت فيه فاتن حمامة وأحببتها وتزوجتها وأنجبنا طارق الذى يعد أهم شىء فى حياتى، وهناك علامات أخرى تتمثل فى الأفلام المصرية التى أثرت فى مستقبلى والتى أحببتها بشدة مثل فيلم «فى بيتنا رجل» و«بداية ونهاية» وهذه هى أهم ثلاثة أفلام فى حياتى الفنية فى مصر، وهناك فيلم «لورانس العرب» الذى يعد أهم علامة فى حياتى، لأننى بدأت به عملى فى السينما العالمية ورشحت للأوسكار واشتهرت بسببه، إنما كان يمكن ألا يحدث تغيير فى حياتى الفنية بعد فيلم «لورانس» لولا فيلم «دكتور زيفاجو»، فهو الذى ثبت مركزى الفنى وبعده أصبحت من النجوم العالميين بالفعل، ولذا فهو يعد من أهم علامات حياتى الفنية، ولكننى قمت بالعمل فى أفلام كثيرة أحبها فيما بعد ورغم ذلك لم تنجح.

آمال: فى تصورك لِمَ لَم تنجح هذه الأفلام؟

عمر الشريف: لا أعلم فأنا عملت مع مخرجين كبار جدًا، ورغم ذلك لم تنجح الأفلام رغم أنه حينما يعمل الممثل مع مخرج ممتاز فهو يمثل أحسن، لأن هو الذى يملك الرؤية البانورامية للعمل والممثل عبارة عن أداة يوجهها المخرج أحسن توجيه.

آمال: لكن كيف استطعت أن تمثل الفنان العربى الشامل فحينما مثلت دور اليوغوسلافى صدقنا جميعًا أنك مكافح يوغوسلافى وفى فيلم «لورانس العرب» كنت مقنعًا بالفعل كشاب عربى، فالقدرة الفنية الأكبر أن يتلون الإنسان بجنسيات مختلفة لكن يجب أن هناك قضية.

عمر الشريف: الحقيقة أننى تربيت على معرفة لغات كثيرة وسافرت فى صغرى إلى بلاد كثيرة فى أوروبا وأمريكا ففى الأصل عندى الاحتكاك من صغرى.

آمال: مَن المخرج الذى فهم قدراتك بالكامل ووضعك فى المربع الصحيح الذى أبرزك فيه أحسن إبراز؟

عمر الشريف: هو المخرج «ديفيد لين» فهو الذى يعرف قدراتى أكثر من أى مخرج آخر لأنه هو الذى اختارنى لفيلم لورانس، ولقد استغرق تصوير هذا الفيلم سنتين فتبنانى بالفعل، وبعد ذلك أخرج لى فيلم «دكتور زيفاجو» واستغرقنا فى تصويره عامًا كاملًا فهو يعرفنى ويعرف طاقتى بشكل جيد. وهناك يوسف شاهين الذى عملت معه فى ثلاثة أفلام، وصلاح أبو سيف الذى ارتحت معه جدًا فى فيلم «بداية ونهاية» وأيضًا هناك بركات الذى عملت معه فى فيلم «فى بيتنا رجل».

آمال: هل هناك مخرجون مصريون يمكن أن يكونوا على مستوى عالمى؟

عمر الشريف: هناك الكثير منهم يستطيعون أن يكونوا على مستوى عالمى لكنهم لا يحتكون بالمخرجين الأجانب الكبار، فعيب المخرجين على أيامنا أنهم يجلسون معًا ويكونون شللية ولا يسافرون للخارج بل كل ما يفعلونه هو اللقاء على المقهى يوميًا وترديد نفس الكلام، لكن لا بد للفنان أن يحاول التوسع، فالفن موهبة ثم تعلم ويجب أن يكون التعليم من شخصيات مختلفة وليس من نفس الشخصيات دائمًا.

آمال: هل يثير اهتمامك مَن تقف أمامك من الممثلات لتواصل الأداء ودعمه من أجل الفوز بمباراة تمثيلية لصالح العمل؟

عمر الشريف: من الطبيعى أن يرتفع مستوى الممثل كلما كانت الممثلة التى تقف أمامه ذات قدرات أكبر، وفاتن حمامة هى أهم الممثلات اللاتى عملت معهن، وتعلمت منها كثيرًا، فهى لم تكن مجرد ممثلة تعمل معى بل كانت مدرسة لأننى تعلمت منها الكثير من الأشياء فى التمثيل، وأنا لم أعمل مع ممثلة أفضل من فاتن حمامة حتى فى الخارج وهذه حقيقة بدون أى تحيز فلقد عملت مع ممثلات كثيرات لكن لا توجد أشياء مهمة أقولها عنهن، فهن مجرد زميلات أعمل معهن ولا أراهن بعد انتهاء الفيلم.

آمال: فى تصورك ما هى أهم شروط نجاح فيلم ما؟

عمر الشريف: لو كنت أعرف ما الذى يتسبب فى نجاح الفيلم لكانت كل أفلامى ناجحة، ليس أنا فقط بل كل المنتجين لأنه لا أحد يستطيع معرفة مصير الفيلم قبل تمثيله، ولكن ما يحدث هو أن كل ممثل أو مخرج يحشد كل ما يظن أنه سينجح الفيلم وأهم شىء هو القصة والموضوع فلو لم تكن هناك قصة أو سيناريو فلن يوجد فيلم مهما كان مستوى الممثلين والمخرج.

آمال: متى حصلت على التقدير العالمى لفيلمك؟

عمر الشريف: حصلت عليه بعد فيلم «لورانس العرب» مباشرة فلقد نجح الفيلم جدًا ورشح للأوسكار ورشحت أنا لأوسكار الأدوار الثانوية، ومن بعده حصلت على تقدير الجمهور والمنتجين والنقاد.

آمال: ما هو موقفك من النقاد، أو بمعنى صحيح كيف تقابل النقد والمديح؟

عمر الشريف: أنا أسعد جدًا حينما يمدحنى أى شخص خاصة لو كان ناقدًا ولا يوجد فى الدنيا من يحزن إذا انتقد نقدًا لاذعًا، لكن النقاد يخطئون أيضًا، فلقد قرأت مؤخرًا أحد الموضوعات الفنية فى مجلة مصرية كتب فيه الصحفى كل ما قيل عن الأفلام المشهورة والتى تعد قمم تاريخ السينما ورأيت أشياء غريبة كتبها النقاد، ونفس هؤلاء النقاد لو سئلوا اليوم عما كتبوه وقتها فسيؤكدون أنهم أخطأوا.

آمال: معنى ذلك أن النقاد قد يخطئون فى تقديراتهم؟

عمر الشريف: نعم ولكنهم لا يقصدون، فهم يؤدون عملهم ويقولون رأيهم ومن الممكن أن يكون هذا الرأى غير صحيح لأنه يتحدث فيه عن ذوقه الشخصى.

آمال: لكن المفروض أن يرتكز النقد على علم ودراسة وليس على الذوق الشخصى؟

عمر الشريف: لو كتب الناقد فى مجلة معينة عن فيلم ما وانتقده بشدة لكنه أعجب الناس، وتكرر هذا مع كل ما يكتبه فمن المؤكد أن مجلته لن تقبل هذا أبدًا.

آمال: إذن الناقد الحقيقى فى تصورك هو الجمهور؟

عمر الشريف: نعم فنحن نمثل أفلامًا للجمهور، ففن التمثيل غير أى فن آخر لا بد أن يعجب الجمهور فى اللحظة التى يعرض فيها، وأن يتعلم الجمهور منه ولو لم يحدث ذلك فلن يبقى فن ولن يقال بعد عشرات السنوات أننى ممثل جيد.

آمال: عودة إلى النقاد من جديد الذين قالوا إن فيك مأخذًا وهو صوتك وأن رنينه عالٍ ولهجته غير مصرية.

عمر الشريف: هذا جائز لأننى تخرجت من مدرسة إنجليزية وكنت أتكلم خمس لغات من صغرى فطبعًا هناك تداخل اختلاط بين هذه اللغات.

آمال: هل المبالغة فى التمثيل تثرى الدور؟

عمر الشريف: فى بدايتى كنت أبالغ فى التمثيل وأنا أتصور أنه اندماج لكنى اكتشفت فيما بعد أنه خطأ، فالنبرة لا بد أن تخرج بإحساس وليس فقط بالصوت العالي، فمثلًا فى فيلم «بداية ونهاية» ضربت شقيقتى نفيسة التى كانت تقوم بدورها الفنانة سناء جميل على وجهها بقسوة وهذا خطأ لأن الفن ليس كذلك لكن الفن إيحاء.

آمال: وكيف استقبلت هى هذه الضربة؟

عمر الشريف: يكفى أن أقول إن سناء جميل من أفضل الفنانات اللاتى قابلتهن فى حياتى، فقد استقبلت الضربة بثبات أذهلنى وكان تمثيلها جميلًا تستحق عليه كل ثناء.

آمال: ما سرها كفنانة؟

عمر الشريف: التمثيل سر لا تفسير له ولا يحلل، فمن الممكن أن يفسر الناقد الناحية التكتيكية لكن سر الحضور والقبول لا يحلل. آمال: وأسألك عن فنان آخر محبب إلى قلبك وهو فؤاد المهندس؟

عمر الشريف: أنا أعرفه من أيام فيلم «نهر الحب» مع المخرج الراحل عز الدين ذو الفقار، وأحسست أنه شىء جميل ومحترم وفاهم أصول الفن وأرقى فنان كوميدى فهو باختصار ليس بلياتشو يفهم فن الكوميديا جيدًا، وهو أستاذ لا يبالغ ولا يستخدم السخافات بل يعمل بفهم وبتوقيت دقيق، باختصار هو مهندس فى فن الكوميديا ومكانه فى الفن فوق قمة الهرم.

آمال: وماذا عن أعز الناس عبدالحليم حافظ؟

عمر الشريف: فى فترة ما كان هو الصلة الوحيدة بينى وبين مصر فى سنوات الغربة فكان الصديق الوحيد الذى أراه بانتظام، فحينما كان يصل لأوروبا كان الاتصال بى هو أول شىء يفعله، فكان أخى وكان يتطوع للدفاع عنى حينما أهاجم، خاصة أن الهجوم عليّ كان شديدًا فى وقت من الأوقات، وكان يمثل لى شيئًا كبيرًا خاصة أن قيمة الصداقة كانت تمثل لديه شيئًا خطيرًا فكان صديقًا وفيًا وكانت إرادته موظفة فى الفن.

آمال: هل كان استمتاعه بالحياة قليلًا؟

عمر الشريف: نعم كانت الممنوعات فى حياته أكثر من المسموحات، كل شىء كان ممنوعًا عليه، ولم يكن لديه إلا باب واحد فقط هو المفتوح له وهو باب الفن فكان متعته وعذابه وجنته وناره وكل شىء.

آمال: هل كنت تشعر بمعاناته على المستوى الإنسانى الخاص؟

- عمر الشريف: كنت أراه يتعذب ويعانى لكن قوته كانت فى ضعفه، وكان شجاعًا لم تهن عليه نفسه فأحبه كل الناس.

 المسرح أساس التمثيل وليس السينما

آمال: رغم عملك بالسينما إلا أنك متيم بالمسرح وتراه هو الأساس؟

عمر الشريف: المسرح أساس التمثيل وأنا لم أمثل على المسرح لكثرة عملى بالسينما لأننى كنت أريد أن أصنع مركزًا لنفسى وأيضًا كنت أريد أن أكسب «فلوس» من أجل ابنى ووالدتى والتزاماتى، ولكنى أتمنى أن أعمل بالمسرح، إننى مصاب ببعض الملل من السينما وأريد أن أقوم بعمل جديد يرضينى من الناحية الفنية، وأحسن ما فى المسرح أن الجمهور يكون مع الممثل وأمامه ويحكم عليه فى لحظتها، أما فى السينما فنقوم بالتمثيل أمام كاميرا صامتة، لكن الممثل يحب رؤية إحساس الجمهور سواء كان ضحكًا أو بكاءً أو تصفيقًا فأنا أحن للصدى المباشر من جمهور المسرح ولكنى أريد أن أفعل ذلك للجمهور العربى.

آمال: هل أثريت من الفن؟

عمر الشريف: أنا كسبت الكثير من الأموال لكنى أضعتها لدرجة أننى لا أستطيع اليوم أن أعتزل التمثيل وأعيش بقية حياتى بلا عمل، وكنت أتمنى أننى حينما أصل لسن الخمسين لا أكون ملزمًا بالعمل، ولكنى عشت فى غربة وحينما بدأت أكسب كنت أكسب مبالغ طائلة فلم أكن أشعر أننى كسبتها بصعوبة لذلك كنت أنفقها بسهولة جدًا لأنه فى التمثيل السينمائى خاصة حينما يكون الممثل نجمًا يشعر أن العائد أكبر من تعبه بكثير جدًا ومن يحدث له هذا لا يستطيع أن يمسك يده فينفق كثيرًا بلا حساب.

آمال: ومن الذى يختار لك الفيلم الذى تمثله بعد أن أصبحت نجمًا فى السينما العالمية؟

عمر الشريف: أولًا تعرض عليّ السيناريوهات فأقرأها ثم أسأل عن المخرج والممثلين وإذا كان مخرج الفيلم من المخرجين الأوائل فى العالم لا أرفض أبدًا مهما كان الدور ومهما كانت قصة الفيلم اعتمادًا على سمعته فحينما يكون المخرج جيدًا غالبًا ما يكون الفيلم جيدًا حتى لو لم ينجح الفيلم فعلى الأقل سيكون مستواه الفنى جيدًا، لكن لو لم يكن المخرج جيدًا فمن المستحيل أن ينجح الفيلم.

آمال: إذا لخصنا عمر الشريف كتأريخ أو كسيرة ذاتية هل بالفعل حياتك عبارة عن مقعد فى طائرة وغرفة فى فندق ولوكيشن تصوير ممتد لشهور.

عمر الشريف: وأزيدك من الشعر بيتًا.. ووحيد وأتمنى أن أعيش حياة طبيعية فأرى أصحابى وأزورهم وأشعر أننى إنسان عادى، فحتى الآن لم أشعر أننى إنسان عادى وأرى حولى الناس لديهم أولاد وأحفاد وأنا أحتاج لهذه الأحاسيس. وأحيانًا أختبئ من الشعور بالوحدة والضيق بممارسة لعبة البريدج وركوب الخيل.

آمال: هل حياتك موزعة بالفعل بين ثلاثة عشاق السينما والخيل والبريدج؟

عمر الشريف: نعم فأنا أمثل فيلمًا كل عام يستغرق أربعة أشهر وبقية العام أسافر للعب مباريات البريدج وأملك اسطبلًا أربى فيه الخيل وأشارك بها فى سباق الخيل بفرنسا.

آمال: هل تسبب الفن فى تكثيف وحدتك؟

عمر الشريف: نعم لقد تسبب الفن فى شعورى بالوحدة لدرجة أننى أشعر فى بعض الأحيان أنه كان من الأفضل ألا أمثل فيلم «لورانس العرب» الذى تسبب فى شهرتى العالمية وكنت بقيت فى مصر ورغم أن المجد والشهرة كانا سيقلان إلا أن هذا لم يكن مهمًا فى مقابل أن أحيا حياة حقيقية.

آمال: إذن فأنت نادم على هذا الانتشار العريض وهذه الثروة التى كسبتها وخسرتها.

عمر الشريف: لا أقول نادم بل فى بعض الأوقات أفكر فى أنه قد يكون من الأفضل إن لم يحدث ما حدث.

آمال: هل أعطيت للفن أكثر أم أخذت منه أكثر؟

عمر الشريف: من الناحية المادية فلقد أخذت من الفن الكثير، لكن من ناحية الإحساسات المهمة بالنسبة للإنسان فلم يعطنى شيئًا. آمال: واليوم هل هناك مراجعة بين عمر الشريف وبين ذاته على أساس الرغبة فى تصحيح مسيرة عمره؟

عمر الشريف: أنا لا أراجع شيئًا لكنى أريد أن أغير طريقة حياتى خاصة من الناحية الإنسانية ولا بد من تغيير حياتى من الناحية الفنية حتى أغيره إنسانيًا، ولو عملت كثيرًا وفى أفلام كبيرة كالسابق فلن تتغير حياتى، ولكى تتغير لا بد أن أقلل من أعمالى وأعيش فى بيت ثابت وليس فى الفنادق وأسافر حينما أحب أن أسافر وليس للعمل وحينما أحب زيارة مصر ورؤية أصحابى آتى فورًا ولا أرتبط بعمل يمنعنى عن زيارة مصر. 

آمال: هل كنت مُصيرًا فى حياتك أم مُخيرًا؟

عمر الشريف: كنت مُصيرًا بنسبة مائة بالمائة فأنا كنت أعمل باستمرار، وأسافر كل بلد تبعًا لتصوير الأفلام فيها وكل فيلم يصور فى مكان معين بلا منزل ولا أحد أعرفه فأصل لبلد معينة أقيم فيها ثلاثة أو أربعة أشهر ثم أسافر وأكون قد كونت أصحابًا مع من أعمل معهم لكن بعد انتهاء تصوير الفيلم تنقطع صلتى بهم ويختفون من حياتى.

آمال: لو كنت مخيرًا فى حياتك فماذا كنت ستختار؟

عمر الشريف: لا يوجد أى شخص مخير فى حياته، لذلك فأنا لا أندم، فما حدث كان لا بد أن يحدث فى الوقت الذى حدث فيه تمامًا، ويمكن لو نفس العروض التى عرضت عليّ قد جاءت بعدها بساعة واحدة لكان كل شىء قد تغير، لكن فى الثانية التى تأتى فيها أنفعل انفعالًا معينًا وأندفع لتنفيذ هذه المسيرة لكن الإرادة تتغير من ثانية لثانية أو من ساعة لساعة فإرادتى الآن مثلًا إرادة معينة لكن بعد ساعة واحدة قد تكون مختلفة.

آمال: هذه هى طبيعة الفنان فهو إنسان مزاجى ومتقلب وليس لإرادته تدخل كبير فى حياته ويترك نفسه لأحاسيسه تدفعه إلى أى مكان جغرافى على خريطة الدنيا.

عمر الشريف: هذه بالفعل هى حقيقة الفنان، وقد تكون هذه هى طبيعة كل الناس لكن الفنان هو المعروف للجميع.

آمال: وهل جاءت لحظة فى حياة عمر الشريف عاشها باختياره وليس كمُصير ومستريح فيها كإنسان؟

عمر الشريف: طبعًا جاءت لحظات كثيرة لكنى لا أحب التفكير فيما حدث فى الماضى ولا أفكر فى شىء سيحدث غدًا فأنا أعيش فى اللحظة التى أعيشها الآن فقط.

آمال: ما هو أكثر مكان تحب الإقامة فيه باختيارك ورغبتك؟

عمر الشريف: فى مصر فأنا أحب مصر وكل أصدقائى فى مصر وليس لى أصدقاء خارج مصر وعلى رأسهم صديقا الطفولة صالح سليم وأحمد رمزى.

 فاتن حمامة فنانة مصرية بسمات عالمية

آمال: فى تصورك لو أتيح لفاتن حمامة طريق العالمية هل كانت ستتوج بسيدة الشاشة؟

عمر الشريف: طبعًا فهى أكبر موهبة رأيتها فى حياتى لكن من مميزاتها أنها مصرية وعربية خالصة تشعر بالمرأة المصرية والعربية إحساسًا صادقًا جدًا بدون تفكير لدرجة أنها كانت تعدل فى الحوار حتى يلائم مستوى الشخصية التى ستقوله بشكل مثير، وهذا من أسباب نجاحها وكان يمكن لها أن تكون ممثلة عالمية لكن كان يجب أن تسافر وتحتك بالفنانين العالميين وتقيم كثيرًا خارج مصر وهذا لم يكن ممكنًا من الناحية العملية، والحقيقة إنها لم تحب أبدًا أن تكون عالمية فهى تحب بلدها وتحب أن تقوم بالتمثيل للمرأة التى تعيش فى البيئة المصرية المختلفة عن البيئة الأجنبية، وتريد معالجة وضع المرأة العربية.

آمال: هل ابنك طارق يراك بما فيه الكفاية، بمعنى أنه وسط زحام الشهرة العالمية، هل هناك مكان فى وقتك وقلبك لابنك طارق؟

عمر الشريف: الحقيقة أن أكبر مكان فى قلبى يشغله طارق، لكن وقتى ليس فيه قدر كاف لطارق، ففى السنوات الأولى حينما خرجت من مصر كنت أقوم بعمل ثلاثة أو أربعة أفلام فى السنة ولم أكن أراه كثيرًا لأنه كان فى مدرسة داخلية وكنت أراه فى الشهر مرة واحدة أو مرتين وهذا قليل جدًا.

آمال: ما هى بصمات عمر الشريف على طارق؟

عمر الشريف: كل من جلس مع طارق لمدة عشر دقائق فقط أكد أنه صورة طبق الأصل من عمر الشريف لكنه أكثر وسامة، فأنا أرى أنه يشبه والدته أكثر منى لكن فى طريقة كلامه وفى جلسته ومشيته يشبهنى تمامًا وأيضًا فى طباعه فهو أقرب لى من والدته رغم أنه كان يعيش معها أكثر منى فأنا كنت مشغولًا ولا أراه كثيرًا بسبب السفر الدائم.

آمال: هل مال ابنك طارق فى وقت من الأوقات إلى الفن؟

عمر الشريف: طارق أحب الإذاعة بشكل غير عادى وعمل كمنتج فى الإذاعة الكندية ودائمًا يقول إن الإذاعة مريحة للخيال وقد تعلم فى إنجلترا والتحق بكلية الحقوق وكان يريد بالفعل أن يعمل فى السينما وكانت وجهة نظرى كصديق أن السينما مرحلة تأتى بعد الدراسة.

آمال: ولكنى أتذكر أنه عمل فى السينما بالفعل.

عمر الشريف: فعلًا لقد عمل معى وهو صغير فى فيلم «دكتور زيفاجو» وعمل كمساعد مخرج فى أربعة أفلام، ولكنه لا يحب فن التمثيل نفسه بمعاناته واحتراقه بل يحب شهرته وبريقه.

آمال: لِمَ قلت كلمة احتراق على التمثيل؟

عمر الشريف: لأن السينما احتراق فى اختيار الدور وتحت لمبات البلاتوه، واحتراق من كلمات النقاد لكنه احتراق يسعد الفنان.

آمال: هل تعتقد أن الاعتزال له سن معينة؟

عمر الشريف: ليست له سن معينة، إلا إذا كان النجم قد أصيب بالملل من العمل، فمثلًا صوفيا لورين فى عز مجدها وشهرتها فضلت حياتها الأسرية على الفن وكان فى إمكانها أن تستمر.

آمال: بعد كل هذا المشوار الحافل ما هى فلسفتك فى الحياة؟

عمر الشريف: لا أستطيع تكوين جملة بمعنى الحياة، فالحياة ليست جملة واحدة، ولا يمكن أن يصنع الإنسان من إحساسه جملًا إلا إذا كان مؤلفًا يريد الكتابة أما أنا فلا أستطيع.

آمال: من أنت فى كلمات؟

عمر الشريف: لا أستطيع أن أصف نفسى، لأنى أؤمن بأن أى شخص يعرف نفسه يصاب بالملل من حياته.