السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

20 يناير تسليم أمْ تسَلُّم بايدن فى البيت الأبيض

«أُقسِمُ بأنّنى سأتولّى بكل إخلاص القيامَ بأعباء رئيس الولايات المتحدة وأنّنى سأحافظ على دستور الولايات المتحدة بكل ما أوتيتُ من قوّة.. فليُعنِّى الرَّبُ»..



بهذا القَسَم بدأ الرئيسُ الأمريكى المنتخب «جو بايدن» مهامَّ سُلطته كرئيس للبيت الأبيض وسط إجراءات أمنية مشددة، وانقسامات داخلية لم تواجهها الولايات المتحدة منذ بدايات القرن الماضى.

 

وداخل شوارع العاصمة الحزينة واشنطن، التى تحوّلت إلى ثكنة عسكرية يحيطها 24 ألفًا من الحرس الوطنى (أكثر من عدد الجنود الأمريكيين فى العراق) وعدد قليل من الحضور، فى مقدمتهم الرؤوساء السابقون للبيت الأبيض، «جورج بوش الابن، بيل كلينتون، وباراك أوباما»، بالإضافة إلى نائب الرئيس دونالد ترامب «مايك بنس»، كانت مَظاهر احتفال مقتضبة لم تشهدها البلاد منذ عهد الرئيس الأسبق «فرانكلين روزفيلت»، وكان تنصيب «بايدن» رئيسًا للبلاد ونائبته «كمالا هاريس» إعلانًا عن بداية مَرحلة جديدة للولايات المتحدة تطمس من خلالها أربعة أعوام سابقة لسَلفه «دونالد ترامب» الذى اتجه إلى منتجعه فى فلوريدا قبل ساعات من بداية حفل التنصيب فى تقليد غير معهود فى دولة ترفع الديمقراطية شعارًا لها فى جميع خطواتها.

 تعهدات وقرارات

«روحى مع أمريكا.. علينا أن نوحّد شعبَنا وأمّتَنا».. بهذه الكلمات جاء خطابُ الرئيس جو بايدن، الذى حمل عنوان «أمريكا موحَّدة»، وكان الخطابُ بمثابة رسالة تهدئة لإنهاء حالة الانقسام الداخلى التى بادت سمة عصر ترامب على مدار سنوات حُكمه، فتعهَّد «بايدن» أن يكون رئيسًا لكل الأمريكيين بمن فيهم الملايين التى  لم تنتخبه (74 مليونًا)، كما أكد على العمل لإنهاء مَظاهر التشدد والعنصرية والعنف «أمريكا رائدة للخير والصالح للعالم وسنعمل على محاربة الفيروس والنهوض باقتصادنا»، واختتم «بايدن» رسالته للشعب الأمريكى بالوقوف دقيقة حدادًا على أرواح 400 ألف أمريكى ضحايا فيروس كورونا (أكثر من أعداد ضحايا الأمريكيين فى الحرب العالمية الثانية)، وأضاف: «صوت الشعب الأمريكى سُمع واحتُرم.. تاريخنا مَرَّ بالعديد من الأزمات والانقسامات وسنهزمها».

وبعد ساعات قليلة من تولِّى مَهامَّ منصبه الرئاسى وفى تقليد غير معهود؛ حيث كان من المتبع بداية مَهام الرئيس الجديد للولايات المتحدة فى ثانى أيام التنصيب، أصدر «بايدن» 17 قرارًا تنفيذيّا من شأنها أن تُبطل قرارات اتخذها سَلفُه دونالد ترامب، وكان أولى قراراته تشديد الإجراءات الاحترازية الخاصة بجائحة «كورونا» لمدة 100 يوم فى جميع الأراضى الفيدرالية، وفرض ارتداء الأقنعة فى المبانى الحكومية والمواصلات العامّة، كذلك السعى لتمرير مقترح لإنفاق بقيمة 1,9 تريليون دولار من أجل تسريع توزيع لقاحات الوقاية من فيروس «كورونا» مع تقديم معونات اقتصادية لملايين الأمريكيين المتضررين من الجائحة.

وثانى أمر تنفيذى كان وقف انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية، وتولى د.«أنتونى فاوتشى» مَهام حضور اجتماعات المنظمة كرئيس لوفد الولايات المتحدة، كما وقَّعَ «بايدن» على أمر تنفيذى يُعيد بلادَه إلى اتفاقية باريس المناخية، وقال بايدن للصحفيين فى المكتب البيضاوى «سنكافح التغيُّر المناخى كما لم نفعل هنا من قبل».

كما وقَّع «بايدن» مرسومًا ينص على رفع قيود السَّفر التى فرضتها إدارة سَلفه على بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، هذا بالإضافة إلى أمر بتعليق بناء جدار على الحدود مع المكسيك، الذى خَصص البنتاجون أكثر من 3 مليارات دولار لإنشائه، وذلك بناءً على طلب الرئيس السابق دونالد ترامب.

وبموجب سُلطاته؛ فإن هذه الأوامر تدخل حيّز التنفيذ فور إقرارها، ولا تتم مراجعتها من قِبَل الكونجرس.

من جانبه، صادَقَ مجلسُ الشيوخ الأمريكى، على أول تعيينات فى حكومة بايدن؛ حيث أقر المجلسُ بالموافقة على تعيين «أفريل هاينز» مديرة للاستخبارات الوطنية (DNI)، ويتحرك «بايدن» ومجلس الشيوخ بسرعة لإقرار التعيينات الرئيسية فى إدارته، مع توقّع التصويت قريبًا على تثبيت مرشحيه لتولى حقيبتَى الدفاع والخارجية.

 البيت الأبيض يعود لمؤتمراته

وبعد أربع سنوات من التخبط فى الإعلان عن القرارات الرئاسية أو توضيح وجهة نظر السياسة الأمريكية، وبعد أن كان موقع «تويتر» هو منصة الإعلان عن القرارات «الترامبية»، واقتصرت المؤتمرات الصحفية داخل البيت الأبيض لتوضيح هذه القرارات، بصورة لم تكن ناجحة إلى حد كبير، أعلنت متحدثة البيت الأبيض «جين ساكى» عن أول المؤتمرات الصحفية للبيت الأبيض للإعلان عن أچندة الرئيس الجديد فى أول أيامه داخل المكتب البيضاوى، والإجابة على جميع الأسئلة الصحفية دون إقصاء وكالة أو جهة إعلامية محددة.

وأهم ما استعرضته «ساكى» أولى خطوات الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالأچندة الخارجية؛ حيث أوضحت أن أول اتصال مع مسئول أجنبى سيكون مع رئيس الوزراء الكندى، «جاستن ترودو»، مشيرة إلى أن الاتصال سيتضمن مباحثات حول العلاقات «الأمريكية- الكندية»، ومناقشة قرار «بايدن» بتعليق بناء خط أنابيب النفط «كيستون إكس إل» بين البلدين، الذى كان يوجد قلق حول تأثيره على انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى، وكان «بايدن» وَعَدَ بوقف هذا المشروع فى إطار الوعود التى أطلقها فى حملته الانتخابية لمكافحة التغيُّر المناخى.

وفيما يتعلق بالاتفاق النووى مع إيران، أوضحت «ساكى» أن إدارة بايدن تتوقع بالتأكيد أن يكون هذا جزءًا من المناقشة مع شركائها الأجانب وحلفاء واشنطن، موضحة أن الرئيس أكد أن من خلال دبلوماسية المتابعة، ينبغى على الولايات المتحدة أن تسعى إلى إطالة القيود النووية على إيران وتعزيزها ومعالجة القضايا الأخرى ذات الأهمية، وأنه يجب أن تستأنف إيران الامتثال للقيود النووية الكبيرة بموجب الاتفاق من أجل المضى قُدُمًا.

وفيما يتعلق بعدم إشارة «بايدن» إلى «ترامب» فى خطاب التنصيب، ومحاكمة الرئيس السابق، أوضحت «ساكى» أن خطاب بايدن من المفترض أن يكون استشرافيّا، وأنه «لم يكن من المفترض أن ننظر إلى الوراء فى الماضى»، أمّا فيما يتعلق بالمحاكمة الوشيكة لـ دونالد ترامب؛ فقالت إن الأمر متروك لمجلس الشيوخ. 

ويُذكر أن رئيسة مجلس النواب «نانسى بيلوتسى» بصدد تقديم مُذكرة لمجلس الشيوخ للمطالبة بمحاكمة ترامب، على خلفية اقتحام مبنى الكونجرس فى 6 يناير الجارى.

 مفارقات «ترامب»

«سأعود بطريقة أو بأخرى».. كانت هذه هى خطبة وداع ترامب التى ألقاها قبل أن يستقل طائرته من قاعدة أندروز الجوية بولاية ماريلاند إلى منتجعه فى فلوريدا قبل ساعات من حفل تنصيب بايدن.

وشدد «ترامب» فى كلمة ألقاها أمام حشد من أنصاره أن إدارته لم تكن عادية وتمكنت خلال سنوات حُكمها الأربع من تحقيق كثير من الأهداف.

وتطرَّقَ «ترامب» إلى نجاحات إدارته، بما فيها إعادة تشكيل القوات المسلحة، والإصلاح الضريبى الذى وصفه بأنه «الأكبر فى التاريخ»، وأضاف: «آمل ألا يرفعوا ضرائبكم، لكن إذا حصل ذلك؛ فإننى سبق أن حذرتكم!».

وتباهَى الرئيس الأمريكى السابق فى خطابه بأنه أول رئيس أمريكى يخرج من البيت الأبيض من دون أن يخوض «أى حروب جديدة منذ عقود».

وفى محاولة لإظهار صورة «ملائكية» لأنصاره، لم يتطرّق «ترامب» فى خطابه للمشكلات التى أدت إلى انقسام المجتمع الأمريكى بصورة كبيرة، كما لم يوضح أن ولايته لم تكن سلمية إلى هذا الحد، فقد اتسم حُكمه بمغامرات سياسية وعسكرية كان يمكن أن تتسبب فى حرب فى أكثر من مناسبة، كما لم يخلُ السّجل العسكرى فترة ولاية الرئيس الجمهورى دونالد ترامب من عمليات عسكرية محدودة؛ حيث خاض مغامرتين من هذا النوع، الأولى فى 7 أبريل 2017، حين أطلقت القوات الأمريكية بأمر منه 59 صاروخًا مُجنحًا من طراز توماهوك على مطار الشعيرات العسكرى فى محافظة حمص، وعملية عسكرية أخرى مشتركة مع بلاده وفرنسا وبريطانيا فى شن هجمات جوية ضد أهداف فى سوريا بزعم أنها على صلة بإنتاج أسلحة كيميائية.

وفى المجال السياسى؛ انقلب «ترامب» على حلفاء واشنطن الأزليين، وطالبهم بامتيازات اقتصادية، وبأن يدفعوا مقابل الحماية الأمريكية، وخاطب هؤلاء باستعلاء وأثار غضب الكثيرين منهم.

كما عمل على رفع درجة التوتر مع الصين إلى مستوى غير مسبوق، وتحرَّش بها فى بحر الصين الجنوبى، بل واتهمها بالمسئولية عن تفشى جائحة «كورونا».

ورُغم خروجه من البيت الأبيض بصورة غير اعتيادية؛ فإنه ينتوى عدم البُعد كثيرًا عن السياسة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية،التى أوضحت أن «ترامب» يستعد لتشكيل حزب سياسى جديد فى أعقاب خروجه من البيت الأبيض، بعد خلافات مع قادة حزبه الجمهورى.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة قريبة من الرئيس السابق أوضحت أن ترامب ينوى تسمية حزبه السياسى الجديد بـ«حزب باتريوت».

وتأتى تلك الخطوة على خلفية شقاقات فى الحزب الجمهورى، فى أعقاب أحداث 6 يناير واقتحام أنصار ترامب مبنى الكونجرس، بواقعة هزّت صورة الولايات المتحدة كأكبر ديمقراطية فى العالم.