السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
حكايات 1900(2): متحف باسم حاكم فرنسا في السيدة زينب

حكايات 1900(2): متحف باسم حاكم فرنسا في السيدة زينب

لطالما كان لفرنسا دور بارز فى الحياة الثقافية والعلمية فى مصر، خاصةً قبل 200 عام من الآن، مع بداية الحملة الفرنسية على مصر والتى لم تستمر أكثر من 3 سنوات، وعلى الرّغم من قصر هذه الفترة مقارنة بالاحتلال الإنجليزى الذى استمر 70 عامًا، إلا أن آثار الوجود الفرنسى المتعلقة بالثقافة والعلوم ما زالت حاضرة.. لكن هل كنت تعلم أنَّه كان هناك متحف يحمل اسم نابليون بونابرت أشهر حُكام فرنسا وقائد الحملة على مصر؟



 المتحف ومحتوياته

بحسب ما جاء فى الوثائق القديمة والتى استندت إليها بعض الصحف قبل ما يزيد على 80 عامًا.. يقوم متحف بونابرت فى منزل إبراهيم السنّارى بالسيدة زينب.. وإبراهيم السنّارى هو رجل نوبى كان يعمل حارس عقارات فى القاهرة.. ساعدته الظروف على الظهور، وظلَّ يرتقى من درجة إلى أخرى، حتى أصبح فى عهد مراد باشا من رجال الحكم البارزين.

وشيَّد السنّارى ذلك المنزل الذى يعدّ من أبدع المنازل الأثرية الباقية من ذلك العهد.. وعندما دخل الفرنسيون مصر مع نابليون بونابرت، فرَ إبراهيم السنّارى مع المماليك وأقام العُلماء الفرنسيون فى منزله، وكانوا يعقدون فيه اجتماعاتهم ويجمعون فيه الآثار والمخطوطات التى يعثرون عليها فى مباحثهم.

كانت الحكومة المصريّة فى عهد الملك فؤاد سمحت للراحل شارل جلياردو بك بجعل منزل السنّارى متحفًا يضم مجموعة الآثار التى حصل عليها ذلك العالِم، والتى يرجع عهدها إلى نابليون، ومحمد على باشا مؤسس مصر الحديثة.

ورسمت لنا المصادر والوثائق التى تعود لعام 1933 صورة للمتحف آنذاك كالتالى:

أول ما يقع عليه نظر الزائر.. شرفة فى الدور الأول، تطلّ على الحوُش، إذّ وُضعت بها بعض التماثيل، بينها تمثال لمحمد على باشا، وآخر لنجله إبراهيم باشا، وثالث لسليمان باشا الفرنساوى.

 متحف يفتقد للنظام والترتيب

لم  يراعِ  مُنشئ  المتحف الاهتمام بالمظاهر، ولم يهتم بترتيب تلك النوادر بصورة مُغرية تجذب الزائرين، بل إنه وضعها فى متحفه بلا نظام، وربما يعود السبب فى ذلك إلى أنّ جلياردو بك كان يقوم بكل ذلك بمفرده دون أى مساعدة، فضلًا عن أنه لم يكن من الأغنياء، وكان ينفق من أمواله.

فى متحف نابليون بونابرت دهاليز ضيقة، تؤدى إلى غُرف واسعة مملوءة جميعها بالآثار والأوراق والرسوم والتماثيل والكُتب والخرائط القديمة.

فى تلك الدهاليز مجموعة من الأوانى الخزفيّة التى يرجع تاريخها إلى عصور الفراعنة والعصر الرومانى والإغريقى،  ومجموعة الصور والرسوم التى تُزيّن جدران منزل السنّارى وتتكدس فى خزائن هى بلا شك من أغنى المجموعات التى من نوعها فى مصر.

هناك النُسَخ الأصليّة لكثير من الكتب القيّمة التى وضعها العلماء الفرنسيون عن مصر وآثارها وتاريخها وجغرافيتها، وبجانبها صور  طبق الأصل لتلك النُسَخ، بحيث إنَّ الراغب فى الاطلاع على كل ما قِيل وكُتب عن مصر منذ الاحتلال الفرنسى يمكنه أن يجد فى مكتبة جلياردو ما يريده.

كان مؤسس المتحف لا يسمح للغرباء بالاطلاع على تلك الوثائق والكُتب النادرة.. وضمّت مكتبة المتحف بين جوانبها كُتبًا ومؤلفات ومخطوطات تتعلّق بتاريخ مصر الداخلى والخارجى وعلاقتها بالدول الأوروبية والأقطار الشرقية.

تلك المطبوعات أو المخطوطات آلت إلى جلياردو بك عن طريق والده الذى كان يعمل طبيبًا فى الجيش المصرى ورافق إبراهيم باشا إلى سوريا ولبنان.

إنَّ هذا الطبيب العالِم، جمع مجموعة من الكُتب والمخطوطات الخاصة بتاريخ الأقطار العربية، خاصًة تاريخ لبنان وطوائفه والأرض المقدسة، وعاصمة الأمويين، والأتراك فى الأناضول، والأكراد والجركس، والدروز والوهابيين.

 أوسع مرجع فى المباحث التاريخية 

كما جاء بالوثائق التى تتحدَّث عن المتحف.. فإن تلك المجموعة من المُقتنيات والمخطوطات تُعد أوسع مرجع فى المباحث التاريخية الخاصة بمصر والبلدان المجاورة وعلاقتها بعضها ببعض.

فى المتحف الذى يحمل اسم أشهر حاكم فرنسى،  توجد غرفة خاصة بالآثار والرسوم والتماثيل والوثائق المتعلقة ببعض الحُكّام المصريين.

يضم المتحف أيضًا (فى ذلك الزمن) وثائق خطّية وأوراق دُوِنت فيها أسماء جميع الجنود الفرنسيين الذين تخلفوا عن الحملة الفرنسية وبقوا فى مصر بعد أن اعتنقوا الإسلام واتخذوا لأنفسهم أسماء عربية، ولا تزال أسرهم موجودة إلى الآن فى مصر، وقد يجهل بعضها أصلها الفرنسى.

ومن بين خرائط المتحف أيضًا، خطوط رسمها عُلماء الحملة الفرنسية بأيديهم، فى عهد بونابرت حين كانوا يضعون خريطة للقاهرة وضواحيها.

وهناك أوراق عربية وفرنسية وتركية وإغريقية تتعلق كل منها بعصر من عصور التاريخ فى مصر، لا يعلم أحد كيف عثر عليها جلياردو وحملها إلى متحفه.

يُذكر أنَّ جلياردو بك أقام بالمنزل فى المدة من عام 1917 إلى 1926.. وقد أُغلق المتحف عقب وفاته، ثم تم إخلاؤه عام 1933، وشغل «مركز الحرف الأثرية» التابع لهيئة الآثار المصريّة هذا المنزل منذ ستينيات القرن الماضى.

تعرّض المنزل لأضرار بالغة على مر الزمن، وخاصًة عام  1992 بسبب زلزال أكتوبر، وفى عام 1996 قرر المجلس الأعلى للآثار بالتعاون مع البعثة الفرنسية البدء فى ترميم المنزل. وفى أغسطس من عام 2016، طلب الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية، تسليم منزل السنارى للمكتبة.

وعملت المكتبة على تجهيزه وتحويله إلى منفذ ثقافى فى حى السيدة زينب، لنشر الوعى الثقافى والعلمى فى الأحياء المحيطة به، وهو الآن بيت «العلوم والثقافة والفنون».