الأحد 17 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

التصوُّف طريق المصريين فى حب آل البيت

التّصوُّف هو شق الإحسان فى دين الإسلام، ويعرف بأنه تزكية النفس من الخَبَث، وهو إصلاح القلوب ومعالجة أمراضها، ويهدُف إلى تربية إنسان لا يعرف الحقد ولا الغل ولا الضغينة على غيره.



كما يعُرف التصوُّف بأنه بناء عقيدة الحب: حب الله، حب سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ثم الأولياء والأصفياء والمقربين، حب كل ما أحبه الله ورسوله، والعطف على الخلق، والرفق بهم.

معانٍ كثيرة حملها علم التصوُّف منذ ظهوره فى القرن الرابع الهجرى، وهى المعانى التى فهمها المصريون بفطرتهم النقية فأصبح التصوُّف لدى غالبيتهم منهج حياة حتى وإن لم ينتموا إلى طريقة بعينها، فتراهم يقفون على أبواب مسجد سيدنا الحسين، والسيدة زينب، ومسجد السيدة نفيسة ومساجد آل البيت بكل حب يصلون على النبى ويرددون الدعاء والأذكار، فعرفوا بأنهم أحباب آل البيت.

 

ووفقًا لما أعلنته مشيخة الطرق الصوفية فى كثير من المناسبات، فإنّ أتباع الطرق الصوفية فى مصر  يتخطون 15 مليون صوفى، بخلاف المصريين الذين يحملون الطابع الصوفى دون انضمام إلى طريقة بعينها.

ولأن التّصوُّف طريق الإحسان كان الاهتمام به فى العصور الأولى للتابعين؛ بل يذهب بعض العلماء كالدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية السابق، عضو هيئة كبار العلماء، إلى أن التصوف كان موجودًا منذ عهد النبوة؛ حيث وُجِد فى القرآن والسنة، لكن لم يكن بهذا الاسم، مثل علوم الفقه والتوحيد، ولا يعد بدعة لأن البدعة هى ما خالفت أصلًا من أصول الشريعة، لا ما أيدت الشريعة وخدمت الشريعة، 

وهناك من يرى أن التصوُّف كعلم ظهر بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كغيره من العلوم الإسلامية والعربية كالعقيدة والنحو وغيرهما، لكن كان هناك اختلاف حول سبب تسمية الصوفية، فالبعض يرى أنه نسبة ﻷهل الصفة، والبعض يرى أنه من الصفاء، وآخرون يقولون إنه بسبب لبس الصوف، إلا أنهم اتفقوا على أن التصوُّف هو السلوك الذى يرقى به المسلم إلى مرتبة الإحسان التى عرفها النبى صلى الله عليه وسلم هى أن «تعبدالله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وحقيقة التصوف كما يراها كبار علماء الصوفية هى أنه يُعلِّم المسلم حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته فى الوقت ذاته، لأن الصوفى يتعلم حب آل البيت من الصحابة رضى الله عنهم، كما يتعلم حب الصحابة من آل البيت الذين كانوا يسمون أبناءهم بأسماء كبار الصحابة، ولقد عُرف المصريون بأنهم أصحاب هوى صوفى لحبهم لآل البيت التى تنتشر مساجدهم فى ربوع مصر بل ويحتفل المصريون بميلادهم وذكراهم. 

 مصر الصوفية 

ويرى د.على جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية أن الصوفية نشأت فى مصر على أساس من الوسطية والاعتدال وقد صاحبها إنشاء أول خانقاه فى مصر فى عصر الناصر صلاح الدين الأيوبي، وانتشرت من بعدها الخانقاوات والمدارس الصوفية فى ربوع مصر فعملت على إعداد المريدين والطلاب إعدادًا نفسيًا وتربويًا وأخلاقيًا لمواجهة المخاطر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى كانت تعصف بالمجتمع المسلم بين فترة وأخرى.

وأوضح أن الصوفية فى مصر بعيدة عن الغلو، وتتميز بالاعتـدال وتنأى عن الشطط، فقد كانت الطرق الصوفية المصرية يجمعها طابع خاص هو العناية بالجانب العلمى والخلقى، ومع ما كان للتصوف فى مصر من حياة روحية خاصة، فقد كان له تأثيره الخاص على العديد من مظاهر الحياة المحيطة به، وكان ذلك داعيًا إلى الاعتماد عليه فى الدعوة إلى الله ورسوله، وهو ما ساعد الصوفية بقوة فى تشكيل الهوية الدينية الوسطية فى مصر، وكان سبيلها فى ذلك بساطة العرض الذى تقوم به وسهولة الانضواء تحت لوائها فى ظل التحديات التى تعرضت لها مصر خلال الفترات المختلفة؛ حيث كانت التكايا والزوايا والخانقاوات ملاذًا آمنًا للمظلومين والفقراء والضعفاء، وغدت تلك المراكز نبراسًا دينيًا حضاريًا يتخرج فيه المسلم العامل بكتاب الله وسنة رسوله ليجاهد فى سبيل وطنه ودينه، ومن ثم شكَّلت الصوفية جل الحالة الدينية فى مصر التى اتسمت بالبُعد عن الغلو والتشدُّد.

أضاف أن التصوف ارتبط بحب آل البيت وإقامة الموالد وحلقات الذكر، ما ساعد فى جذب المريدين إلى محبة المساجد وآل البيت، وهو الأمر الذى أسهم فى بلورة الإسلام الوسطى وتشكيل الهوية الدينية، وهذه المحبة لا يشترك فيها الصوفية فقط؛ بل إن المسلمين جميعًا -سنة وشيعة- يشتركون فى محبتهم لآل البيت رضى الله عنهم، مشيرا إلى أن التصوُّف بسند متصل يعود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل التصوف هم أهل إصلاح وإصلاحنا منطلق من نبينا صلى الله عليه وسلم. 

 الصوفية والتشيُّع 

وعلى الرغم من المحاولات السلفية فى اعتبار التصوف نوعًا من التشيع، باعتبار أن الصوفى يذهب إلى مساجد ومقابر آل البيت كسيدنا الحسين،وهو ما يفعله الشيعة، إلا أن المصريين فطنوا إلى هذا الخلط الكاذب، وتمسكوا بتصوفهم وحبهم لآل البيت دون تشيُّع أو إفراط، لدرجة أن التصوف أصبح سمة مصرية.

ولذلك أكد د. على جمعة مفتى الجمهورية السابق وشيخ الطريقة الصديقية إن اتهام التصوف بنشر التشيُّع عكس الواقع، وأن الشيعة ليس بهم صوفية، وأن  التصوف العائق الحقيقى لنشر التشيع؛ حيث إن الشيعة يحاولون الدخول إلى قلوب المسلمين من خلال حب آل البيت، والصوفية سنة يحبون آل البيت، فلا يجد التشيع من تجاههم بابًا.

كما يوضح الشيخ علاء أبو العزايم شيخ الطريقة العزمية أنه من الأخطاء التى يحاول السلفية ترويجها عن التصوف فى مصر أن الشعب المصرى تشيع أثناء الدولة الفاطمية التى عذبتهم بالحديد والنار، وأن الصوفية وطرقها هى امتداد لتلك الدولة الفاطمية، مؤكدًا أن هذا محض افتراء، فصلاح الدين الأيوبى عندما حول الشعب المصرى من شيعة لسنة اعتمد على الصوفية فى ذلك ولم يعتمد على السلفية، فكيف بمن قاموا بتحويل الشيعة لسنة أن يتحولوا هم أنفسهم من سنة لشيعة؟.

أضاف أن المصريين فى تصوفهم يزيدون فى حب آل البيت وهذا ليس غلوًا، فإذا كنا نحب الرسول صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن نحب آل البيت ومن لا يحب الرسول فلا بُد وأن يكره آل البيت.. والغلو يقال عندما يصل الحب لحد التعبد، فمن يذهبون لسيدنا الحسين صوفية لم نسمع أحد يقول حسين أكبر، بل يحبون سيدنا الحسين زيادة فى حب الرسول صلى الله عليه وسلم.