الأحد 17 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الإخوان وصناعة الإرهاب العالمى

رغم تعمُّد الغرب بنشر  وثائق صناعة الجماعات الإسلامية فى أفغانستان طيلة سنوات الحرب السوفيتية- الأفغانية، وذلك فى إطار الدعاية لحقيقة أن الغرب بدعمه الإرهابيين فى أفغانستان قد ساهم فى سقوط وتفكيك الاتحاد السوفيتى؛ فإن هنالك فصلًا محذوفًا فى الرواية لا يُذكر كثيرًا فى الصحف والمراجع، عن عقد السبعينيات قبيل الحرب وكيف قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بتوطين الإسلام السياسى فى أفغانستان تمهيدًا للمهمة الجهادية قبل اندلاع الحرب  بسنوات عشر كاملة.



 

وللمفارقة فإن إرهاب السنوات العشر قبل الحرب جرى تنفيذه عبر التنظيم الدولى للإخوان، بالتعاون مع التنظيم الأم فى مصر، إضافة إلى الجناح الأفغانى لتنظيم الإخوان، وذلك بحسب المؤرخ البريطانى مارك كورتيس فى كتابه «التاريخ السرى لتآمر بريطانيا مع الأصوليين».

 توطين الإخوان فى أفغانستان فى السبعينيات

ويسرد الكتاب بالوثائق البريطانية أن المخابرات البريطانية قد رصدت نشاطًا مكثفًا لتنظيم الإخوان فى أفغانستان أوائل السبعينيات؛ حيث صعد ثلاثة شباب من تنظيم الإخوان فرع أفغانستان إلى رئاسة الإسلام السياسى الأفغانى، الأول برهان الدين ربانى الذى درس فى جامعة الأزهر فى القاهرة قبل أن يعود إلى بلاده وينتخب زعيمًا للجماعة الإسلامية فى أفغانستان وهى معقل تنظيم الإخوان فى أفغانستان؛ حيث تستلهم أفكار حسن البنا وسيد قطب كما الحال مع الجماعة الإسلامية الباكستانية، والثانى هو نائبه عبدالرسول سياف، أما الثالث فهو قلب الدين حكمتيار من قومية الباشتون.

وتصف الوثائق البريطانية الموقف السياسى فى أفغانستان وقتذاك، بأن الملك محمد ظاهر شاه ضعيف والبرلمان غير متعاون مع الملك، بالإضافة لوجود سخط شعبى، ما أدى إلى صعود المد الشيوعى فى البلاد المجاورة للاتحاد السوفيتى، وأنه حال نجاح السوفييت فى السيطرة على أفغانستان فإن الطريق مفتوح إلى باكستان فى قلب شبه الجزيرة الهندية وتاليًا إلى قلب شبه الجزيرة العربية.

وعلى  ضوء حرب العصابات التى بدأ الإخوان فى شنها داخل أفغانستان، وتخوف السوفييت من انتقال الإرهاب الإخوانى إلى آسيا الوسطى السوفيتية والجمهوريات المسلمة فى الجنوب السوفيتى، استغلت موسكو سفر الملك إلى روما للعلاج، ودبرت انقلابًا عسكريًا على يد ابن عمه محمد داوود خان، وكان انقلابًا غريبًا فى سلاسته؛ حيث أعلن خان الاستيلاء على السلطة فى 17 يوليو 1973 وخلع الملك وإعلان سقوط النظام الملكى وإعلان النظام الجمهورى وتعيينه رئيسًا للجمهورية الجديدة فى اليوم نفسه.

وكان خان متزوجًا من الأميرة زينب خاتون شقيقة الملك المخلوع، وترأس الوزارة الأفغانية فى عهد الملك ما بين عامى 1953 و1963 ولم يكن على وفاق مع الملك ذى الهوى البريطانى عكس داوود خان ذى الهوى السوفيتى.

 انقلاب شيوعى للتصدى للإخوان

وتشير الوثائق البريطانية إلى أن الضباط الذين قاموا بالانقلاب ونفَّذوا مخطط إعلان الجمهورية كانوا موالين للسوفييت وذوى هوى شيوعى تقدمى، وقد تفهم الرئيس خان مبكرًا أن الإسلاميين هم رأس حربة المشروع الأمريكى لأفغانستان وسارع إلى إطلاق يد الجيش والشرطة لمنع التدهور الأمنى.

ونشأ صراع إقليمى بين أفغانستان الموالية للسوفييت وباكستان الموالية لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث فتح خان بتحريض من موسكو ملف الأزمة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، وأن منطقة باشتونستان أو مناطق الباشتون فى باكستان هى أرض أفغانية تقع فى شمال باكستان ولها امتداد فى جنوب أفغانستان، وعلى ضوء المطالب الأفغانية- السوفيتية عام 1973، تحرك الزعيم الباكستانى ذو الفقار على بوتو رئيس الوزراء والزعيم التاريخى لحزب الشعب وقرر فتح باب التعاون مع لندن وواشنطن فى دعم الإرهاب الإخوانى داخل أفغانستان.

 ثورات إخوانية بترتيب أمريكى

بحلول عام 1975 وقبل أربع سنوات كاملة من بدء الحرب السوفيتية- الأفغانية، كان التنظيم الدولى للإخوان يدير عمليات تدريب الإسلاميين بمدينة بيشاور الباكستانية وإدخالهم داخل أفغانستان للقيام بعمليات إرهابية، فيما يطلق عليه ثورة يوليو 1975 التى دعمتها حكومات بريطانيا وأمريكا.

وعكس المتعارف عليه، فإن إدارة الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون ومن بعدها إدارة الرئيس جيرالد فورد قد سعيتا إلى تفعيل لعبة صناعة حزام من الإسلام السياسى بوجه السوفييت فى أفغانستان، وذلك قبل مجىء إدارة جيمى كارتر، وللمفارقة فإن إدارة فورد التى دبرت ثورة 1975 الإخوانية الإسلامية فى أفغانستان كانت تضم، إلى جانب هنرى كيسنجر وزيرًا للخارجية، كلًا من دونالد رامسفيلد وزيرًا للدفاع، وديك تشينى كبير موظفى البيت الأبيض، وجورج بوش الأب مديرًا للمخابرات المركزية، وهى الأسماء التى عادت للبيت الأبيض مع جورج بوش الابن وقادت الغزو الأمريكى لأفغانستان بحجة ضرب الجماعات الإسلامية التى سبق لنفس تلك الأسماء أن زرعتها فى أفغانستان قبل ثلاثين عامًا من أحداث 11 سبتمبر 2001، علمًا بأن إدارات الرؤساء جيمى كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش الأب قد أكملوا اللعبة الأفغانية حتى بعد سقوط الاتحاد السوفيتى.

وكذلك فى بريطانيا شاركت النخبة من الحزبين الكبيرين فى لعبة أفغانستان، سواء وزارة جيمس كالاهان (1976 – 1979) من حزب العمال ووزارة هارولد ويلسون (1974 – 1976) من العمال، بالإضافة إلى وزارة إدوارد هيث (1970 – 1974) من حزب المحافظين قبل أن تتولى مارجريت تاتشر الوزارة وتعاصر سقوط الاتحاد السوفيتى، ولم تكن ألمانيا الغربية أحد أهم معاقل الإسلام السياسى فى أوروبا غائبة عن اللعبة ذاتها فى سنوات المستشار هلموت شميت والمستشار هلموت كول.

النخبة الشيوعية الحاكمة فى أفغانستان لم تستطع الحفاظ على الوحدة السياسية، وسرعان ما بدأت الاقتتال الداخلى وعلى ضوء ضعف الرئيس خان، دعمت موسكو ثورة ملونة فى أفغانستان، وشارك ضباط شيوعيون من الجيش فى أعمال العنف؛ حيث اقتحموا القصر الجمهورى وأعدموا الرئيس خان وزوجته وعددًا من وزرائه.

القائد العسكرى عبد القادر دكروال ترأس الدولة الأفغانية ما بين يومى 28/30 إبريل 1978 قبل أن ينصب السوفييت نور محمد تراقى رئيسًا ليكمل السياسة الاشتراكية العنيفة وينتج نظامًا أشد انحيازًا للسوفييت عن الرئيس خان.

الباحث الأمريكى روبرت دريفوس فى كتابه لعبة الشيطان، يوضح أنه عقب ثورة إبريل الأفغانية، تواصلت إدارة جيمى كارتر الأمريكية مع تنظيم الإخوان داخل أفغانستان من أجل تنظيم ثورة عارمة واضطرابات شعبية عنيفة استخدمت الاغتيالات، وقد تم التواصل عبر لجنة القوميات داخل البيت الأبيض وهى المعنية بإثارة الفتن والقلاقل بين الأقليات الإثنية فى الدول المستهدفة، وبحسب الوثائق الأمريكية التى استعرضها الباحث فإن الإخوان صنعوا ثورة شعبية عنيفة عام 1978 عقب ثورة إبريل ثم ثورة أخرى فى يوليو 1979 لتصبح ثالث ثورة يقوم بها الإسلاميون بزعامة الإخوان فى أفغانستان فى أقل من خمس سنوات بتكليف أمريكى خالص.

وعلى ضوء فشل الشيوعيين الموالين للسوفييت فى التصدى للإسلاميين الموالين للأمريكان، اندلع الصراع بين النخبة الشيوعية الحاكمة مرة أخرى، وفى 14 سبتمبر 1979 نفذ حفيظ الله أمين انقلابًا جديدًا وتمت تصفية الرئيس نور محمد تراقى، ولكن الاتحاد السوفيتى كان قد ابتلع الطعم الأمريكى وفى 27 ديسمبر 1979 تدفقت القوات السوفيتية على الأراضى الأفغانية وجرت اشتباكات عدة فكانت موسكو تفضل بابراك كرمال رئيسًا لأفغانستان، وهكذا تمت تصفية حفيظ الله أمين فى الساعات الأولى من الغزو السوفيتى وتنصيب كرمال رئيسًا لأفغانستان.

طيلة سنوات عشر؛ كان الغرب ينصب المصيدة للسوفييت فى أفغانستان، عبر توطين الإسلام السياسى بمجهودات تنظيم الإخوان من أجل صناعة صدام أيديولوجى ودموى ما بين الشيوعية والإسلام، وعلى ضوء الخلافات المصرية -السوفيتية والتخوف السعودى من المد الشيوعى فإن مصر والسعودية بحلول عام 1979 قد وافقتا على الانضمام للمجهودات الغربية فى تحويل أفغانستان إلى مصيدة إسلامية للمد الشيوعى والاتحاد السوفيتى.

 الإخوان العمود الفقرى لإرهاب أفغانستان

إن المثقفين المصريين يحاولون دائمًا إخفاء الدور الإخوانى فى صناعة الجهاد الأفغانى، رغم أن جميع التنظيمات الإسلامية الأفغانية كانت إخوانية وتدرس مناهج حسن البنا وسيد قطب، وكان التنظيم الدولى للإخوان هو ضابط الاتصال ما بين حكومات الغرب فى واشنطن ولندن غيرها من جهة وبين التنظيمات المحلية للإخوان فى مصر والعالم العربى لنقلهم إلى أفغانستان.

الباحث الأفغانى «أميد مرزبان» Omid Marzban استغل سقوط نظام طالبان عام 2001 وتحرُّر الحركة البحثية فى بلاده من قبضة الإرهاب وانطلق فى بحث مطول عن منبع «الأصولية الإسلامية» التى ضربت أفغانستان، وفى ورقة بحثية بعنوان «قلب الدين حكمتيار: من محارب مقدس إلى إرهابى مطلوب»، والمنشورة فى 21 سبتمبر 2006 عبر «مؤسسة جيمس ستون العالمية للأبحاث» الأمريكية he Jamestown Foundation، يكشف بعد لقاءات مع عشرات المصادر الأجنبية وحتى الإسلاميين الموجودين فى أفغانستان أن جميع المصريين الذين شاركوا فى حرب أفغانستان منذ السبعينيات وحتى عام 2001 كانوا ينتمون لتنظيم الإخوان، ودخلوا أفغانستان بترتيبات من الإخوان سواء التنظيم المحلى المصرى أو الدولى، وأنهم شاركوا مع حزب حكمتيار لأنه الذراع الحزبية الأفغانية لتنظيم الإخوان، وأنه حتى المصريين الذين انتموا إلى تنظيمات إسلامية أخرى مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد كانوا فى الأساس ينتمون إلى تنظيم الإخوان، وأن تلك التنظيمات المسلحة تنتمى إلى فكر الإخوان وأن الجماعات الإسلامية المسلحة ما هى إلا أجنحة مسلحة لتنظيم الإخوان الذى يريد الحفاظ على صورته فى الدول العربية والمسلمة باعتباره فصيلاً سياسيًا وحزبيًا ووطنيًا لا يملك جناحًا مسلحًا يرفع السلاح على الجيوش الوطنية.

‏Gulbuddin Hekmatyar: From Holy Warrior to Wanted Terrorist ولقد استقبلت رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر فى داوننج ستريت الزعيم الأفغانى حكمتيار استقبال الأبطال وذلك عام 1980، ووجهت الزعيمة التاريخية لحزب المحافظين البريطانيين الإعلام الدولى بعدم وصف الإسلاميين الأفغان بـ «المتمردين»، ولكن «المجاهدين» وصرحت فى مناسبة أخرى أنهم «محاربون حقيقيون فى سبيل الحرية.. إن قلوب العالم الحر معكم».

حكمتيار الإخوانى الزعيم المفضل لتاتشر كان يسلخ الأفغان أحياء وهو أول من طبق القاعدة الإخوانية الشهيرة بتصفية الإسلاميين غير المتعاونين معه أو الذين يعارضون زعامته، وللمفارقة فإن الكاتب الأمريكى بيتر بيرجن Peter Bergen فى كتابه «الحرب المقدسة: العالم السرى لأسامة بن لادن» Holy War, Inc.: Inside the Secret World of Bin Laden أن حكمتيار وبعض القادة الإسلاميين فى الحرب ضد السوفييت قد حصلوا على دعم مادى من الرئيس العراقى صدام حسين والزعيم الليبى معمر القذافى، وذلك رغبة من كل الزعيمين فى إيجاد نفوذ داخل الحرب الأفغانية وجلب بعض المقاتلين الإسلاميين لجيوشهم وقت الحاجة.

 عزام الإخوانى الأب الروحى للمجاهدين

ولم يكن إخوان مصر هم القوة الضاربة للإسلام السياسى الأفغانى المدعوم من الغرب فحسب، ولكن تنظيم الإخوان فى فلسطين قدم عبد الله عزام الأب الروحى للأفغان العرب أو أبوالجهاد الأفغانى، وهو رجل دين وُلد فى جنين الفلسطينية عام 1941، درس فى جامعة الأزهر وحصد الماجستير والدكتوراه ثم عمل فى سوريا والأردن والسعودية قبل الانتقال إلى باكستان بترتيبات أمريكية، وقد انتسب منذ صغره لتنظيم الإخوان ودرس حتى اليوم الأخير من عمره كتب وأفكار حسن البنا وسيد قطب لتلاميذه وأشهرهم أسامة بن لادن، ولما بدأ الغرب فى استخدام بيشاور الباكستانية عام 1979 كنقطة انطلاق للإرهابيين العرب إلى داخل أفغانستان، ترأس عزام مكتبًا خاصًا له لاستقبال المساعدات الغربية وتوزيعها داخل أفغانستان على الجماعات الإسلامية ولاحقًا دخل أفغانستان وأصبح لقبه «أمير مكتب خدمات المجاهدين فى أفغانستان» باعتباره ضابط الاتصال بين المخابرات الأمريكية والبريطانية من جهة وجميع الجماعات الإسلامية فى أفغانستان من جهة أخرى.

ولقد ساهمت أفكار عزام فى تأسيس حركة حماس الفلسطينية، وعقب بدء انسحاب السوفييت من أفغانستان، بدأ عزام فى جمع المقاتلين ذوى الخبرات القتالية المكثفة من أجل العودة إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة والانضمام إلى حركة حماس؛ حيث كان عزام بمثابة مرشدهم الأعلى رغم وجوده فى بيشاور، ولكن فى 24 نوفمبر 1989 تم اغتياله مع ابنيه محمد وإبراهيم؛ حيث كان نَقْل المقاتلين العرب من أفغانستان إلى فلسطين إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى وقتذاك خطًا أحمر أمريكيًا، لذا تمت تصفية العميل الإخوانى عقب انتهاء المهمة فى أفغانستان، وإن ظل عزام حتى اليوم هو الأب الروحى للإسلام السياسى الفلسطينى والأب الروحى لحركة حماس، ويعتبر أحمد ياسين المؤسس الفعلى للحركة من أهم مؤيدى أفكار عزام.

 صناعة الغرب لأسامة بن لادن

الكاتب البريطانى سيمون ريف Simon Reeve كشف فى كتابه The New Jackals: Ramzi Yousef, Osama bin Laden and the future of terrorism الصادر عام 1998 أن أسامة بن لادن أثناء الحرب السوفيتية- الأفغانية كان على اتصال بالمخابرات الأمريكية وباعتباره رجل أعمال وممولاً للجماعات الإسلامية كان يطلب من واشنطن السلاح المطلوب ويدفع ثمنه مع الحصول على خصومات غير مسبوقة لصالح دعم أمريكا للإسلاميين، بل رتّبت بريطانيا زيارة لابن لادن إلى لندن؛ حيث ألقى خطابات إسلامية فى «ريجنت بارك»، وهو متنزه ملكى يقع ضمن منطقة وستمنستر وكامدن، فى مدينة لندن.

وكان الغرض من الزيارة بجانب التنسيق مع الوزارة والمخابرات البريطانية هو جمع التبرعات من الجاليات العربية والمسلمة فى بريطانيا والتنسيق مع التنظيم الدولى للإخوان فى العاصمة البريطانية على تجنيد شباب الجاليات المسلمة للسفر إلى أفغانستان.

وفى باكستان، حاول الرئيس ضياء الحق السيطرة على الدعم الغربى للمقاتلين فى أفغانستان، وطلب أن تسيطر باكستان على ممرات توريد السلاح للإخوان وأتباعهم والحاصل أن ثلث السلاح الذى حصلت عليه باكستان فى سنوات الحرب قد قامت ببيعه فى السوق السوداء وحصدت ثمنه أضعافًا.

 الأمريكان حاربوا بجانب الإسلاميين على الأرض

ورغم رؤية ضياء الحق بأن الدعم يجب أن يمر بموافقته؛ فإن القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية دخلت أفغانستان من باكستان، وعملت بجانب الإسلام السياسى الأفغانى ضد السوفييت، وذلك عبر ارتداء الزى الأفغانى للإرهابيين والاندساس بينهم، أو العمل كمستشارين عسكريين للجماعات الإرهابية، وذلك وفقًا للكاتب الأمريكى جورج كريل George Crile فى كتابه Charlie Wilson.s War حرب تشارلى ويلسون.

ويلاحظ أن الأسلوب نفسه قد استخدمه الغرب فى سنوات الربيع العربى، ولكن بشكل علنى؛ حيث لم تخف بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وحتى فرنسا وألمانيا وإيطاليا أن لديها مستشارين عسكريين وبعض القوات الخاصة فى «دول الربيع العربى»، سواء سوريا وليبيا أو اليمن والعراق وتونس.

كما أن لعبة «أخونة وأسلمة» المعارضة المدنية قد جرت أيضًا فى أفغانستان قبل أن تجرى فى دول الربيع العربى؛ حيث سعى الإخوان بدعم غربى فى إجهاض أى أمل فى قيام حكم مدنى فى أفغانستان يمكن أن يشكل استقلالًا لصناعة قرار هذا البلد الذى أرادته الولايات المتحدة منذ أواخر ستينيات القرن العشرين مفرزة إخوانية إسلامية تنفجر دومًا بوجه روسيا ثم الصين إن أمكن.

ورغم الخلافات الأمريكية -الإيرانية العلنية، فإن إيران الخمينية قد دعمت الجناح الشيعى من الإسلام السياسى داخل أفغانستان، ولم تكن قناة جنيف المفتوحة للتنسيق بين الثورة الإسلامية والبيت الأبيض بعيدة عن هذا الدعم الإيرانى للمخطط الأمريكى لتركيع الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان.

وكررت بريطانيا ما فعلته فى حرب اليمن حينما اعتمدت على شركات المرتزقة والجيوش الخاصة ضد الجيش المصرى وما فعلته فى كينيا فى خمسينيات القرن العشرين، ودعمت شركات المرتزقة للعمل فى أفغانستان عبر ارتداء الزى الإسلامى والأفغانى والادعاء بأن هؤلاء المرتزقة المحترفين هم مجرد مسلمين أوروبيين متطوعين فى صفوف الجهاد الأفغانى رغم حقيقة أن هؤلاء المرتزقة لم يفقهوا كلمة واحدة فى دين الإسلام وإن انتحلوا صفة المسلمين للعمل بحرية فى أفغانستان فى صفوف الجماعات الإرهابية.

 قاعدة عسكرية إخوانية فى أسكتلندا

وخصصت بريطانيا قاعدة عسكرية فى أسكتلندا لاستقبال العناصر الإخوانية من أجل تدريبهم عسكريًا بشكل احترافى على يد خبراء فى الجيش البريطانى وتكلفت المخابرات البريطانية بإدخال هؤلاء الإرهابيين بجوازات سفر مزورة وتأشيرات سياحية. كما عمل الغرب على تعليم هؤلاء الإرهابيين اللغة الإنجليزية بشكل احترافى حتى يظهروا بشكل راقٍ فى التعامل مع كاميرا الإعلام الدولى.

ولم تكتف أمريكا بالتعاون مع الإخوان فى أفغانستان؛ ولكن بحلول عام 1984 قرّرت واشنطن أن تحذو حذو بريطانيا فى العمل السرى الإرهابى داخل الجمهوريات السوفيتية المسلمة أو الجنوب السوفيتى المسلم، وكان حكمتيار وإخوان أفغانستان حاضرين مع التنظيم الدولى والمصرى للإخوان، بالإضافة إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية أو الفرع الباكستانى لتنظيم الإخوان، وصاغت المخابرات الأمريكية برئاسة ويليام كيس مشروع «تمديد الأصولية الإسلامية داخل آسيا الوسطى السوفيتية» عبر طباعة كتب حسن البنا وسيد قطب باللغة الأوزبكية ونشرها فى أوزبكستان والعمل على نشر تلك الأفكار فى طاجيكستان، وذلك تنفيذًا لتوصيات اجتماع جرى أواخر السبعينيات فى البيت الأبيض برئاسة والتر مونديال نائب الرئيس الأمريكى وقتذاك يرى صياغة أدبيات الإسلام السياسى حتى تصبح الشيوعية فكرة مضادة لما أسمّاه «القومية الإسلامية» والدين الإسلامى. وكما هو معروف لمن تابع الملف الأفغانى، فإن الحرب السوفيتية- الأفغانية التى بدأت فى 24 ديسمبر 1979 قد انتهت فى 15 فبراير 1989 بهزيمة السوفييت أمام الإسلام السياسى الممول والمسلح والمدرب على يد بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الغربية، وهى الهزيمة التى ساهمت فى انهيار الاتحاد السوفييتى، وأنه فى الطريق إلى الهزيمة خرج الرئيس بابراك كرمال من السلطة عام 1986، ونصبت موسكو الرئيس حاج محمد چمكنی ما بين عامى 1986 و1987، ثم الرئيس محمد نجيب الله عام 1987 حتى عام 1992، حينما نجح الإسلاميون فى السيطرة على الرئاسة الأفغانية أخيرًا، ولكن ظلوا يتقاتلون على الكعكة الأفغانية، فشهد عام 1992 تنصيب الرئيس عبدالرحيم هاتف لمدة 12 يومًا ثم الرئيس صبغة الله مجددى لمدة 61 يومًا قبل أن تستقر السلطة بيد الرئيس برهان الدين ربانى فى العام ذاته.

 إرهاب أفغانستان يهدد العالم حتى اليوم

 ولكن مع استمرار القتال بين الفصائل الإخوانية تحت مسمى الفصائل الإسلامية، صنع الغرب وباكستان تنظيم طالبان ودخل العاصمة الأفغانية كابول عام 1996 وإعلان الملا محمد عمر نفسه أميرًا لأفغانستان إلى أن احتلها الأمريكان عام 2001.

وحتى نعرف ثقل الجريمة الغربية بحق أفغانستان وكيف شارك تنظيم الإخوان فى تلك الجريمة؛ فإن الساحة الأفغانية حتى نهاية عام 2020 لا تزال تضم إرهابيين إسلاميين تدربوا على يد بريطانيا وأمريكا وألمانيا فى سنوات الاتحاد السوفيتى، والأخطر أنه حتى اليوم يتم اكتشاف مخازن للسلاح الغربى الذى ذهب إلى أيدى الإرهاب فى سنوات الحرب السوفيتية- الأفغانية، ويتم اكتشاف المخازن أسفل الأرض كعادة الإسلاميين فى حفر الخنادق والأنفاق؛ أى أنه وحتى بعد انتهاء الحرب بثلاثين عامًا لا يزال العالم يعانى أمنيًا من السلاح الغربى الذى ذهب إلى يد هؤلاء المجرمين فى أفغانستان، وحتى اليوم لا تزال أفغانستان تضم أكبر سوق سوداء للسلاح الأمريكى والبريطانى وبيعه لجميع المنظمات الإرهابية حول العالم.