السبت 25 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تفاصيل مباراة طاهر أبو زيد مع الحياة

هناك المئات من تعريفات للنجاح.. لكن التعريف الأقرب إلى الواقع هو إدراك الغاية مَهما كانت العَقبات، وهذا معناه أن النجاح مفهومه واحد، وهو تحقيق الهدف مَهما كانت المعوقات، لكن الغاية قد تختلف من شخص لآخر فقط فى نوعها، فقد تكون عينيّة كالحصول على المال أو معنوية كنَيل الاحترام أو حتى الشعور بالسعادة والرضا.



 

بل ذهب البعضُ إلى تعريف النجاح بأنه مقاومة الصعاب وتجاوُز المشاكل والصبر على المكاره، وبما أن النجاحَ عملية مستمرة باستمرار الحياة؛ فإن العَقبات ستستمر، ومن هنا جاءت فكرة «باب انجح»؛ حيث أشارككم كل أسبوع قصص نجاح من جميع دول العالم أبطالها شخصيات نجحت رُغْمَ المعاناة؛ لتصبح صلبة فى مواجهة المعوقات والحرمان والألم، التى أصبحت فيما بعد ذكريات ووقودًا لمزيد من النجاح، لعلها تكون حافزًا ومثالًا حيّا لكل إنسان يظن أن النجاحَ سهل؛ لنؤكدَ لهم أن النجاح والكفاح وجهان لعُملة واحدة.

 

اليوم، نعرض قصة كفاح مارادونا النيل، الكابتن «طاهر أبوزيد»، من البدارى بصعيد مصر إلى شبرا ثم النادى الأهلى ومنتخب مصر ومقعد الوزارة والبرلمان المصرى.. إلا أننا فضّلنا أن نعرضها كما سَرَدَها، لكى تبقَى روحُ العزيمة والإصرار بين أسطرها.

 

«فى البداية؛ أنا سعيد جدّا أن أكون فى ضيافة «روز اليوسف»، واكتملت سعادتى بأن يكون المحاورُ هو صديقى وتوأمى د.محمد قورة، وأن تكون قصة حياتى ونجاحى أولى القصص التى يعرضها باب «انجح» الذى أعتبره فكرةً ورؤية جديدة خارج الصندوق، تفيد المجتمع المصرى وتكون نقطة إيجابية لتصحيح المسار لكل من يبدأ رحلته فى الحياة ويشعر فى منتصف الطريق أو عند أى عثرة بلحظة يأس، فلعل هذا العمل يكون الطاقة الإيجابية لكل من يحتاج لها.. كل التوفيق لمجلة «روزاليوسف» العريقة فى شكلها ورؤيتها الجديدة.. وإن شاءَ الله تكون إضافة للإعلام المصرى.

 

رُغْمَ أن أسرتى كانت تعيش فى القاهرة؛ فإننى وُلدت فى الصعيد؛ لأن زمان كان من العادات والتقاليد أن السيدة الحامل تذهب إلى أهلها أثناء الوضع لوجود رعاية ودفء أسَرى واهتمام بالغذاء والراحة، وبالتالى الميلاد كان فى مدينة البدارى مسقط رأسى بمحافظة أسيوط فى الأول من أبريل عام 1962، وهو شرفٌ لى لكن نشأتى وثقافتى والمكان اللى أثر فى شخصيتى هو شبرا، محل سكن أسرتى، وحيث قضيت طفولتى، لكن هذا لا يمنع أننى أتكلم باللهجة الصعيدى، عادى جدّا؛ لأن الثلاثة شهور الإجازة الصيفية من المدرسة كنت أقضيها فى الصعيد.

بدايتى الحقيقية عندما كان عمرى 11عامًا فى شبرا، ففى صيف 73 كنت ألعب الكرة فى مدرستى وأيضًا فى شارعنا وفى الشوارع المجاورة مثل أى طفل، وكان أخى الكبير- المرحوم الرائد «حسام أبوزيد»- كان وقتها فى مدرسة «روض الفرج الثانوية العسكرية» وكان يلعب تحت 18 سنة فى نادى كان اسمه نادى الكهرباء بمنطقة المستعمرة فى شبرا عند محطة كهرباء شمال القاهرة، وكان مدرب الفريق الكابتن «شاكر عبادة»، وفى الوقت  نفسه كبير كشافى النادى الأهلى؛ حيث كان «كشاف المواهب» قديمًا قيمة وقامة مثل الكابتن «عبده البقال» كبير كشافى النادى الأهلى، كان فى كل الأندية العريقة أكثر من اسم لديهم رؤية ثاقبة وعندهم حس كروى أقوى من أفضل خبير.

نعود إلى «عم شاكر عبادة» فهو كان مدربًا وموظفًا فى شركة إسكو وكشاف مواهب، وكان- أطال الله فى عمره- موسوعة تدريبية وإنسانية ((حاجة كده من الزمن الجميل))، لديه عفّة نَفس وصدق وتواضع، وكان الوسط الرياضى كله يُقدّر ويُعظم هذا الرجل، رُغم أنه موظف بسيط، وكنت أرى كيف يقدره أكبر المدربين، وكانوا ينادونه دائمًا يا «عم شاكر»، ولم يكن أحد يجرؤ أن يناديه من دون لقب (عم) قبل اسمه إجلالًا واحترامًا.

كان أخى «حسام»- رحمه الله- فى هذا الوقت يبلغ من العمر 17عامًا، وكان «حسام» أكبر منّى بـ6 سنوات ويلعب فى نادى كهرباء شمال القاهرة، وكان معه جيل من الموهوبين، وفى يوم كان عندهم مباراة مع نادى الشمس الذى كان أقوى منهم بكثير وقتها، ولأنها مباراة مهمة طلبت منه حضورها فاصطحبنى معه وأثناء الراحة ما بين الشوطين كان (عم شاكر) مشغولًا بتوجيه الفرقة استعدادًا للشوط الثانى، لكن لفت نظرة طفل صغير (بينطط الكرة) فسأل «مين ده؟!» فقالوا له أننى أخو حسام.

بعدها وعلى مدار عدة أيام كنت أذهب إلى نادى «إسكو» لأنه الأقرب إلى بيتنا؛ لألعب مع أصحابى، وهناك وجدت مسئولًا فى نادى إسكو منبهرًا بمهاراتى وقال «ده لازم يوقّع للنادى»، وقتها كانت تبدو بداية للرحلة ولكن لاحقًا اكتشفت أن ترتيبات الله كانت أجمل بكثير.

 كان مسئول «إسكو» الذى لفتت انتباهَه موهبتى هو الكابتن «عصمت قينون» ومعه «أحمد شرف»- رحمه الله- والد لاعب الأهلى الأسمر «محمد شرف»، كان المسئول عن قطاع الناشئين، أنا أتذكر أيضًا اسم زوجة المرحوم كانت الدكتورة تهانى لاعبة «باسكيت» ممتازة، وقالوا «الواد الصغير ده هايل نمضّيه من غير ما يرجعوا لحد». ووقتها لم يجدوا لا استمارة ولا قلمًا، فأعطونى بعض منتجات شركة إسكو كهدايا، وأتذكر أنها كانت «فوطة» من القطن مرسوم عليها نفرتيتى ومكتوب عليها اسم شركة إسكو، وكانت شيئًا رمزيّا لأفرح بها كطفل.

ذهبتُ إلى المنزل ومعى الهدايا، وفى اليوم التالى وجدت نحو 9 أشخاص لم أكن أعرف هل هم من المدربين فى النادى أمْ من موظفى الشركة، وجدتهم فى صالة الشقة ومنزلنا كان متواضعًا جدّا، مساحته لا تتجاوز 100 متر عبارة عن صالة صغيرة و3 غرف، وكانت أسرتنا متوسطة الحال، ولم نكن نعرف كيف نستضيفهم، وكان والدى وقتها مدير  مدرسة فى دكرنس، وكنا فى فترة الإجازة الصيفية، وكان يتنقل ما بين الصعيد- مسقط رأسه- والبحيرة- مقر عمله- وقتها، ورُغم أنه كان من رجال التعليم وكان الانطباع عند أهل العلم «مفيش حاجة اسمها ابنى يلعب كورة.. كلام فارغ»، لكن لأنه إنسان جميل وسَوى وبسيط ووجد كل هذا الاهتمام من مسئولى شركة إسكو بابنه فانبهر؛ لأن معنى ده إن ابنه موهبة نادرة.. فوافق دون شروط قائلا «طالما أن هذه رغبة طاهر أنا موافق».

المفاجأة؛ أن الذى رفض عرض نادى إسكو كان أخى خالد الذى يكبرنى بـ4 سنوات، فقد كنا أربعة أخوة، كل منا له شخصية مستقلة، ولم يكن والدانا يفرضان علينا رأيهما فى أى شىء، وانعكس ذلك على مشوار كل منا وتحقيقه لأحلامه، فأصبح حسام ضابطا وخالد دكتور ومعتز مهندسًا، إلا أن خالد كان منذ صغره أكثرنا جرأة وكان هو الشخصية الأقوى؛ لأنه كان قارئًا جيدًا وكان سابقًا سنّه، فكنت تجد فى غرفته الصغيرة أكثر من خمسين شريطا لأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالمطلب وهو لا يزال فى الخامسة عشرة من عمره، وكنت تجد لديه كتبًا للعقاد ونجيب محفوظ وغيرهما من كبار الكُتّاب، فقد كان يحب القراءة جدّا، وفى هذا الوقت كان يشجع الزمالك، وكانت عنده رؤية مستقبلية، وكان عارف قيمتى وقيمة موهبتى، فقال لهم «لا معندناش حد يلعب كورة».

ورغم أن كلامه هبط كالصاعقة على الموجودين؛ فإن والدى لم يعترض لكى يفهم سبب رفض خالد، فسأله أحد ممثلى النادى الموجودين عن سبب اعتراضه فقال «هو لسّه فى سادسة ابتدائى وعنده 11 سنة هيروح فين ويلعب فين معندناش حد هيلعب كورة».

سألوا عنّى أين طاهر؟ فأجاب خالد أننى غير موجود، ولكن الحقيقة أنه كان قد وضعنى بداخل الدولاب وقال لى لا تخرج أو تصدر صوتًا.. وظننت أنه يلعب معى ولكن كان له وجهة نظر.

وبالمناسبة؛ أنا كنت فى ابتدائية أصغر بسنة دراسية عن المعتاد؛ لأن والدى يعمل فى التربية والتعليم جعلنى أدرس السنتين الخامسة والسادسة معًا، فكان عندى 11 سنة عام 1973 وكنت فى نهاية المرحلة الابتدائية.

 البداية الحقيقية

المهم؛ أنهم أخذوا واجب الضيافة وانصرفوا خائبى الرجاء، وكأن أخى قد قرأ الغيب، فبَعد هذه الزيارة بأيام قليلة جدّا ذهبت إلى النادى الأهلى لأدخل اختبار عادى حدده «عم شاكر عباده» مدرب فريق أخى حسام الذى لم يضيع وقته بعد أن شاهدنى وسأل عنى اتضح أنه كان قد توجّه فورًا للنادى الأهلى وأخبرهم أنه اكتشف موهبة جديدة وحدد لى موعد اختبار فعلًا مع «عمرو أبوالمجد» الذى كان شابّا صغيرًا وقتها لا يتجاوز الـ 24 عامًا متخرجًا حديثًا، ولأن وقتها لم يكن هناك شىء اسمه مدرسة الكورة أو أكاديمية كان القبول للاختبارات أقل شىء بداية من14 سنه، وأنا كان عمرى11 سنة فقط فلم يكن لى اختبارات، لكن «عم شاكر» كان مُصرّا أنهم يشاهدون مهاراتى وأصَر أكثر على أن يشرف على اختبارى كابتن عمرو شخصيّا، الذى قال لعم شاكر «التدريب شغال طب يخلص التدريب ونشوف الولد»، المهم أنه وافق أن يختبرنى فانتظرنا أن ينهى التدريب وبعد أن قام باختبارى انبهر انبهارًا شديدًا، وهنا عرف أن إصرار عم شاكر لم يكن من فراغ.

بالطبع لا أتذكر ما حدث بالتفصيل بعد ذلك، ولكن ما أتذكره جيدًا أننى كنت فى النصف الثانى من الملعب، أمّا النصف الأول فكان فيه «كوتى» و«شطة»؛ لأن «كوتى» كان بيختبر «شطة» الذى كان وافدًا من السودان لتوّه، وقتها لم يكن متوافرة ملاعب كبيرة، والنادى الأهلى كان فيه ملعب واحد، وبعد الاختبار أصدر عمرو أبوالمجد قراره بأن أقوم بالتوقيع للنادى الأهلى.

عدتُ للمنزل وفى اليوم نفسه جاء لمقابلة والدى «عم جمعة سرحان» إدارى بالنادى الأهلى، وقمت بالتوقيع على الأوراق فى منزلنا أمام والدى وأخى خالد وفى نفس المكان الذى كنت سأوقّع فيه لنادى إسكو قبلها بأيام، لكن إرادة الله ووجهة نظر أخى خالد غيرا مصيرى ومسارى.

لا أتذكر باقى تفاصيل يوم اختبارى الأول بالنادى الأهلى، لكن أتذكر جيدًا أن «عم شاكر» أخذنى من يدى وأعادنى للمنزل؛ لأنى لم أكن أعرف كيف أذهب لميدان التحرير لأستقل مواصلات لمنزلنا، أو كيف أذهب للنادى الأهلى، وبعد أن وقّعت للنادى كانت معاناتى كبيرة فى الذهاب والعودة ما بين النادى والمنزل والمدرسة، كنت أركب أوتوبيس رقم 134من شبرا للتحرير، وكان مزدحمًا بشكل رهيب دائمًا، وكان هناك أوتوبيس أرقَى قليلًا لكن كان أغلى فكان بخمسة «صاغ»، خمسة قروش، يعنى 10 قروش ذهابًا وإيابًا، وكانت تكلفة كبيرة؛ خصوصًا أننا كنا نلعب فترة الناشئين بلا مقابل، وعلى مدار 3 سنوات لم يكن يصرف لنا أى أموال ولا حتى بدل انتقال.

> الجزيرة «رايح جاى»!

 كان جسمى ضئيلًا جدّا ولم أكن أتحمل الوقوف فى الأوتوبيس ساعتين ونصف؛ لأننى سوف أصل للتمرين «خلصان»، فكنت أجلس فى آخر الأوتوبيس أعلى الموتور، وطبعًا كنت (بتلسوع فى الشتاء، لكن فى الصيف كنت بتشوى)، لكن ذلك كان أرحم من الوقوف ساعتين، بخلاف التمرين الذى كان يستغرق ساعتين أيضًا، واستمرت هذه المعاناة سنوات، وكانت الفترات الأصعب أيام الدراسة، كنت أذهب للمدرسة الساعة 8 صباحًا وأخرج الساعة 2ظهرًا وأجرى لألحق بالتمرين الساعة 3 عصرًا، وأنا أحمل حقيبتين؛ حقيبة لكتب المدرسة وحقيبة لملابس التدريب ذاهابًا وإيابًا.

ولأننى كنت ألعب قبل هذه الفترة فى المدرسة أو الشارع من دون مدرب فكنت مَهما أكلت لم يكن يؤدى ذلك لبناء الجسم، فكان ما يُبذل من مجهود فى اللعب مجهود عشوائى إنما مع وجود المدرب ينظم لك التدريبات ويحدد لك ما تأكله ويضع لك معدلات للجرى، كان الموضوع مختلفًا جدّا، وبسبب ضعف جسمى وصغر حجمى كان الجميع يشفق علىّ ولم أكن أستطيع أن أكمل مباراة، فكان يتم تغييرى أو أنزل إلى الملعب قبل نهاية المبارة إذا حدث تغيير.

وهنا تتجلى حكمة المدرب إذا آمن بقدرات اللاعب، وهو ما حدث من كابتن عمرو أبوالمجد الذى كان فى موقف لا يُحسد عليه، فهو مؤمن بمهاراتى ويريد أن يحافظ على وجودى وفى الوقت نفسه يعرف أن هذه ليست مرحلتى للاشتراك فى فرق النادى، فأنا عمرى 11 سنة وألعب فى مسابقة تحت 13 سنة ويجب أن أنتظر 3 سنوات على الأقل للاشتراك رسميّا فى الفريق، فماذا يفعل؟

فترجم إصراره على استمرارى بشتّى الطرُق إلى أن أصبح يستفيد بى باللعب لمدة نصف ساعة من أى مباراة، وكان النادى الأهلى فى عصره الذهبى وبدأ المدرب «كوتى» يتابع فرق الناشئين بين عامَى 1973 و1974 وبدأ بمتابعة فريقنا الذى كان قد اشتهر باسم فريق «طاهر والكردى»، وعندما جاء لمشاهدتنا كان الفريق قد نضج كرويّا فى طريقة لعبه.. وكنت بالطبع قد نضجت أيضًا فى طريقة اللعب والشخصية، لكن للأسف كان حجمى لايزال يمثل لى مشكلة، ففى الوقت الذى بدأ الناس فى ترديد اسمى وبدأت النضج والنجومية الحقيقية بعد عامين أو ثلاثة عندما كنت كابتن فرقة الـ14عامًا، التى انضم لها «محمد حشيش» و«علاء بيومى» و«أسامة عباس» و«إبراهيم عزت»، ورُغم أن هؤلاء كانوا فى مثل سنّى لكن أنا كنت أسبقهم بسنتين مع الأهلى مع الأكبر منّى الذين صعدوا فى هذا الوقت لفريق الـ16سنة وأنا وصلت14سنة (لاحظ كنت بادئ 11 سنة)، وهو ما أعطانى ثقة مبكرة، فقد كنت الأقدم فى الفريق ولدى خبرة قبلهم بسنتين، وكنت كابتن الفرقة والأكثر نجومية فى سن صغيرة، وهو ما ساعدنى فيما هو قادم، بعدها بعامين لقيت نفسى مع نجوم الزمن، أفضل جيل فى الأهلى.. جيل السبعينيات، جيل «كوتى»، وهم «مصطفى عبده والخطيب، وصفوت وطاهر الشيخ وشطة ومختار وشريف عبدالمنعم وأحمد عبدالباقى وحازم خالد وفتحى مبروك ومصطفى يونس»، تخيل وأنت طفل صغير أن كل هؤلاء أكبر منك بسبع أو عشر سنوات تلعب معهم مباريات فى الفريق الأول ومباريات مهمة.

ومع الطموح والإصرار والجهد والتعب، كانت فكرة (الأسرة) فى النادى الأهلى ولم يكن هناك صراعات أو (نفسنة)، كانوا فرحين بشكل حقيقى بأى ناشئ يصعد للفريق الأول رغم أن هذا يشكل تهديدًا للكبار لكن لم يكن هناك أثر سلبى أو تفكير بهذا الشكل، فإن تكون ابن النادى كان ذلك يعطينا قوة للعب من دون خوف من اللعب مع الكبار وعلى شاشة التليفزيون باسم النادى الأهلى أمام 40 أو50 مليون مصرى وقتها يشاهدونك وأنت تلعب على القناة الأولى والثانية يوم الجمعة ومعظم الأوقات، كانت رحلة صعبة وبُذل فيها مجهود كبير جدّا.

المشوار لم يكن كله أضواء نجومية.. ما لا يعرفه البعض بالنسبة للرياضيين؛ خصوصًا لاعبى كرة القدم أن اللاعب عندما يتعرض للابتعاد نتيجة إصابة أو نتيجة منافسة فى المستوى (لو مفيش إصرار ويقين وثقة بالنفس أنت فى شهرين تلاتة هتلاقى نفسك مش موجود خالص).

معركتى مع الإصابات!

فى عام 1980حدثت لى إصابة فى مكان حساس جدّا أسفل عظمة البطن اسمها «عضمة العانة»، بسببها توقفت عن اللعب موسمًا كاملًا للعلاج، وكان موسم عام 80، وكانت تصفيات كأس العالم للناشئين فى عام 1981 هى بطولة إفريقيا، ومنها الوصول لكأس العالم، وكانت فترة حرجة جدّا، وهى المرحلة المفصلية فى تاريخى وفى صناعة مشوارى كطاهر أبوزيد، فالإصابة أبعدتنى عن الفريق الأول، ونتيجة الابتعاد فقدت مكانى فى الفريق؛ لأنه كان واضحًا أن العلاج سوف يستغرق وقتًا طويلًا، وسافرت لندن وكان معى ثابت البطل فى نفس الرحلة؛ حيث كان مصابًا فى الركبة، وعُدنا من رحلة العلاج لنبدأ رحلة كفاح لنستعيد مكانتنا وأماكننا بالفريق.

أخذت30 قرصًا خلال 30 يومًا، وبعد اليوم الثلاثين كنت مستعدّا للعودة للعب مرّة أخرى، والتجربة عوّدتنى فى النادى بالثقة الشديدة جدّا فى المنظومة نفسها؛ لأن رئيس نادى فى هذا الوقت كان مثل والدى وليس رئيس نادى، الروح نفسها بالنسبة للاعيبين الكبار والمدربين مثل «كوتى» و«حسام شعبان» كانوا (محتضننى)، إنما أنا فى النهاية أمام 30 لاعبًا كلهم نجوم كبار لو لم أصنع لنفسى مكانًا بالمهارات والتميز لن يستطيع أحد أن يساعدنى ويفرض وجودى.

لكن، كانت تحدث أشياء خارج إرادتى وإرادة النادى تصرفات إدراية كانت (بتحصل حاجات فى السكة كده إدارية تضايقك مش من الملعب)، مثلًا فى سفرية لندن كنت لاعبًا صغيرًا وكان معى لاعب كبير مثل «ثابت البطل» ومعروف أنه طبقًا للوائح الداخلية الخاصة بالمكافآت عندما يتم تعويض لاعب كبير طبيعى يكون التعويض كبيرًا وطبيعى أيضًا أن يكون تعويض الناشئ أقل منه، فهذا شىء منطقى، إنما لم أفهم أن يتم التفرقة فى مصروف السفر فى سفرية علاج المرض لا يعرف لاعبًا كبيرًا ولاعبًا صغيرًا، كلاهما أصيب من أجل النادى، وكلاهما يلتزم النادى بعلاجه بنفس الدرجة والاهتمام، ولكن كان وراء هذه التصرفات شخص معين فى النادى، وطبعًا معروف من هو، ومعروف مواقفى معه، فأحيانًا ربنا يضع فى طريقك عقابات، وعليك إمّا أنك تحتفظ بشخصيتك وإمّا أن تتنازل، وهذا يعنى تعطيل النجاح.

 موقف آخر أذكره كنت ألعب فى فريق شركة «حسن علام» فى دورى الشركات، وكانوا فى الماتشات يتباهون أن عندهم فلان وفلان، وفريق حسن علام كان يضم كل نجوم فريق المصرى ومنهم «مسعد نور» و«إينو» و«مسعد السقا» و«شيرين أبو النور»، المهم ذهبت لألعب فى دورى شركات فى الإسكندرية ولم يكن لدينا أى التزامات فى النادى الأهلى (يادوب هنبدأ تدريب فترة الإعداد)، ثم وصلنى أن فلان قال لا لازم ترجع، قلت (إزاى ده فى بطولة)، وبدأ يضايقنى فلم أعره انتباهًا وكمّلت هناك، مما أثار استغراب الجميع وقتها وسألونى (بيقولك النادى الأهلى وأنت بتقوله لا؟؟ أنت بتفكر إزاى؟)، والحقيقة أننى لم أقل للنادى الأهلى لا، أنا قلت لا لهذه الشخصية، فلم يكن هناك ضرورة للإسراع بالمعسكر، فهو معسكر إعداد يمكن تأجيله أسبوعًا أو عشرة أيام، لكن الاستدعاء لأنه عرف أنى ألعب ولم أجلس فى منزلى؛ لأن الهدف كان تجميدى من اللعب.

كانت هذه نوعية من العقبات التى كانت تواجهنى فى الطريق على مستوى الكرة، بعد ذلك اخترت لنفسى أن أعَبّر عن رأيى فتجاوز الأمر كونى لاعب كرة قدم، فكنت أعَبّر عن رأيى فى انتخابات النادى بصفتى عضو جمعية عمومية بشكل معلن ليس فيه أى نوع من أنواع المواراة.

كنا فى المواجهات الإفريقية فى بداية الثمانينيات نشهد حربًا وليست منافسة على مباراة كرة قدم، وما كان يحدث خارج مصر فى القارة الإفريقية لم يكن صراعًا كرويّا معظمه لم يكن مذاعًا أو مسجلًا، إحنا فى إفريقيا تعبنا تحديدًا فى مباريات تونس والجزائر والمغرب كان فيه عنف شديد جدّا، وفى واحدة من مبارايات 86 أخدت سن جزمة دى كانت بداية إصابة جسيمة فى العضلة الأمامية، وأكملت اللعب إلى أن بدأت أشعر بالألم الشديد، وتكرر الألم فى العضلة نفسها لمدة 4 سنوات، لكن أنا كنت باستمرار أصر أن أعالج بعنف وليس بعلاج عادى، وأقوم بعمل جلسات التقوية والتمرينات تحت المياه.

 علاقتى بالمدربين

كان هناك طابور من المدربين لهم أكبر الأثر فى حياتى وأذكرهم بكل خير، منهم «عمرو أبوالمجد» و«السايس» و«المفتى إبراهيم»، هؤلاء الثلاثة تحديدًا كانوا فى مرحلة تدريبى فى سن من 11 سنة إلى 17سنة، وطبعًا «فتحى نصير» فى أول اختيار لى للمشاركة فى منتخب الناشئين قبل فترة «هانى مصطفى»، وأنا كنت أصغر واحد فى المنتخب، وأذكر أنه تم استبعادى قبل رحلة كأس العالم للناشئين بشهرين، بسبب أن مدرب الفريق وقتها كابتن «هانى مصطفى» أثناء معسكر فى محافظة مطروح كان حادّا جدّا على الفرقة، وكان فى منتهَى القسوة، فرفضت القسوة على اللاعبين وما يشبه الإهانة واصطدمت به وقتها بشدة، رغم أنى اكتشفت بعد ذلك أن كابتن «هانى مصطفى» أطيب إنسان فى الدنيا، لكن وقتها أنا رفضت كلامه بهذا الشكل فتم ترحيلى من المعسكر، وسافرت وكنت غاضبًا وحزينًا أنى لن أشارك وتضامن معى أكثر من نصف الفريق وكانوا مستعدين للتمرد والعودة معى للقاهرة ومغادرة المعسكر، لكن أنا رفضت وقلت لهم (أنا ممكن أرجع المنتخب تانى إنما أنتوا لا)، وجلست فى منزلى شهرًا ونصف الشهر، وسافر المنتخب إلى ألمانيا وأقاموا معسكر تدريب وعادوا والقرار سارى باستبعادى، ولكن قبل كأس العالم بأسبوع حدث تدخُّل وقتها، وعدت لصفوف الفريق وسافرت معهم وحصلت على لقب هداف فى كأس العالم للناشئين بأربعة أهداف منها هدفان فى مباراة إسبانيا وهدف فى مباراة ألمانيا وهدف من ضربة جزاء فى مباراة إنجلترا.

الدرس الذى تعلمته هو الإصرار، لم أرتكن إلى قرار استبعادى وأستسلم للأمر الواقع، فرغم حزنى ألا ألعب مباريات كنت أتمرن وهم فى ألمانيا بيستعدوا بلعب مباريات وديّة، فلعبوا حوالى 6 أو 7 مبارايات استعدادًا للبطولة، ولا أتذكر من توسّط لعودتى، فكان فى اتحاد الكرة أهلاوية كثيرون مثل «أحمد سقراط ومدكور ومحمد لطيف» لكن الأهم إنها إرادة الله ونقطة تحوُّل أخرى فى حياتى شعرت أنى لو استسلمت ولم أستمر فى التدريب مع نفسى، وجاء قرار عودتى للمنتخب فى آخر لحظة والسفر للعب كأس العالم للناشئين كنت سأخسر كثيرًا وسوف يظهر تأخر مستواى بسبب عدم التدريب فى الملعب، فأراد الله أن أتحول من لاعب محروم من المشاركة فى كأس العالم نتيجة موقف للدفاع عن زملائى ككابتن الفريق إلى هداف فى البطولة.

المفارقة الأكبر أن أثناء لعب مباراة ألمانيا فى كأس العالم للشباب يوم 6 اكتوبر 1981، تزامَن ذلك مع لحظة مقتل السادات فلم نشعر بأى نوع من أنواع التكريم أو الفرحة، عندما مات السادات دخلنا على إحباط ولعبنا مباراة إنجلترا بعد الوفاة بيومين، وعرفت بعد ذلك أن فى نفس اللحظة بالضبط وأنا أحرز الهدف الثانى فى ألمانيا كان الرئيس السادات بيضّرب بالرصاص، وحصل أزمة رهيبة جدّا فى الفريق وتوقفت مسيرة انتصاراتنا فى البطولة وكانت لحظات كلها يأس وحداد وطوارئ.

 أنا والجوهرى!

تجربتى مع الجوهرى كان فيها اختبار صعب جدّا، بداية الصدام كانت ونحن نحرز كأس مصر عام 1989 كان فى تجمّع للمنتخب وكان تجمّعًا عاديّا من دون ارتباط بمباراة أو من أجل بطولة، وكنت قد قضيت شهورًا فى العلاج بعد عملية جراحية خطيرة فى العضلة الأمامية، أضف لذلك ضغط المبارايات، ووصلت لمرحلة أحتاج إلى الراحة يومين، لكنه حول الأمر إلى محاولة منّى للهروب من معسكر المنتخب والتخلى عن دورى الوطنى، رغم أنه تجمع عادى ولا يوجد أى مواجهة مصيرية أو ودية حتى، لكنه حوّل القضية للإعلام لما يملكه فى هذا الوقت من قوة، فتناول الجميع الموضوع من زاوية التهرب من معسكر المنتخب وتحمّل المسئولية.

وعشت معاناة كبيرة إلى أن ذهبت للمشاركة فى البطولة العربية مع النادى الأهلى فى الرياض، وكان مشاركًا فيها نادى الهلال وفريقان عربيان، وحصلت على لقب هداف البطولة، وعندما عدت كانت عودتى للمنتخب قد أصبحت أمرًا واقعًا رغمًا عن الجوهرى، ولم ينس الموقف القديم، حتى جاء كأس العالم 90، وكان له قراران عبرت فيهما عن رأيى، وأنا أعتبر هذا أمرًا طبيعيّا، كان القرار الأول هو توقف الدورى المصرى ليستعد المنتخب لكأس العالم، والثانى الانسحاب من بطولة كأس الأمم الإفريقية فى الجزائر عام1990، وأرسل منتخب الرديف وذهب معه ثابت البطل وحمادة صدقى فقط والمدرب هانى مصطفى وخسرنا الثلاث مباريات، وعبّرت عن رأيى كأى مصرى وكنجم كرة، أن القرارين كانا أسوأ قرارين فى التاريخ، بل اعتبرتهما جريمة فى حق الكرة المصرية، فكان تعبيرى عن رأيى سببًا دفع «الجوهرى» ليكون أكثر شراسة فى إبعادى عن كأس العالم.

 ومع ذلك يشاء الله أن ألعب كأس العالم لأصبح وقتها اللاعب المصرى الوحيد الذى مَثّل مصر فى كأس العالم للناشئين وفى الأوليمبياد وفى كأس العالم للكبار، يعنى الوحيد الذى شارك فى هذه الثلاثية.

 (يتبع)..