الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

آباء لا يعرفون الرحمة

مدينة الطالبات ـ 2 ـ

للمَرَّة الأولى، أشعر أننى تحررتُ من كل شىء، لن أخضع لأحد بعد الآن، فالكل تخلّى عنّى عندما احتجتُ إليه، الكل تركنى فريسة لمستقبل غامض.. لأعيش ليالى طويلة يكسوها السوادُ، وأتحمَّل ما لا تستطع أنثى تحمُّله، حتى وصلتُ إلى حافة الضياع عشرات المرّات، لكنّ شيئًا واحدًا كان يدفعنى للمقاومة، وبكل ما أوتيت من قوة؛ هو تلك الصفعة التى تلقيتها قبل 4 سنوات، فرُغْمَ أنها قتلتْ كثيرًا بداخلى؛  فإنها أحيت الكثير والكثير.



الآن أجلسُ فى مطار بيروت، أنتظر الطائرة المتجهة للقاهرة، بعد رحلة دامت أسبوعًا، كتبت لى حياة أخرى، أو بالأصح أحيتنى من موت؛ عشت داخل مقبرته أيامًا وأيامًا، أنتظر مصيرى؛ بين الجنة أو النار.. لكننى وسط كل ذلك، استطعت المقاومة، ولم أستسلم أبدًا، حتى قضى الله أمرًا كان مفعولًا؛ لأجد الدنيا تبتسم لى فجأة، وأدخل أخيرًا فى زمرة سُكّانها السعداء. «مدينة الطالبات» كانت كلمة السّر، رُغْم! أننى التحقت بها وسط عاصفة مخيفة، أفقدتنى توازنى لأسابيع طويلة، حتى استطعت التماسُك رويدًا رويدًا، وبصعوبة شديدة، فلا أنسَى تلك الليلة العصيبة؛ الأولى لى بين فتيات رأيتهن لأول مرّة، وأصبح مطلوبًا منّى أن أغمض عينى بينهن، بعيدًا عن سريرى المتهالك فى منزلنا الصغير، الذى خرجت منه إلى المجهول، متحدية الجميع، بعد تلك الصفعة النارية، التى لاتزال تلهب وجهى كلما تذكرتها. كان والدى يريد أن يبيعنى بثمَن بخس، لرجل يكبرنى بعشرين عامًا، ولِمَ لا؟! وكل بنات قريتى لم يُكملن تعليمهن، وتزوجن بعد الثانوية، الصناعية أو التجارية، اللهم إلا قليلات التحقن بالثانوية العامة، وتمت خطبتهن فور انتهاء موسم الامتحانات، لأبناء أعيان القرية، الذين يريدون الزواج من صاحبة مؤهل عالٍ، كى يتفاخروا بذلك بين أصدقائهم، ليُحَمِّلوا الفتيات الصغيرات عبء الزواج والدراسة معًا، ويتزوجونهن بعد أشهُر قليلة من التحاقهن بالجامعة؛ تحديدًا فى إجازة نصف العام؛ ليمارسوا عليهن جميع أنواع التسلط والتحكم طوال سنواتهن الدراسية، التى غالبًا ما تنتهى بوجود طفل أو اثنين؛ لتتحمل الأمُّ الصغيرة المسئولية مبكرًا، وسط مجتمع لا يهمه أى شىء، سوى السَّتر، والمال طبعًا.

كنت أضرب كفّا بكف، والحزن يعتصرنى،  ومعه الشفقة، عندما أتلقّى خبر خِطبة إحدى زميلاتى فى الثانوية العامة، وأعلم أنها ستدخل بيت الزوجية بعد انتهاء الامتحانات، وكأن الزوج المنتظر قرر أن يُدخلها فى عصمته؛ قبل ظهور نتيجتها، ليُملى عليها الرّغبات التى ستكتبها باستمارة تنسيق الجامعات، لكن حزنى وشفقتى كانا لتفكيرى فيما هو أبعد من ذلك؛ كيف ستؤدى هذه الصَّبية امتحانات كليتها، وفى أحشائها طفل يلهو، كيف ستتحمل أعباء الزوجية والمذاكرة، ومعهما تَحَكُّمات زوجها فى كل شىء؟!



مائة فكرة كانت تدور فى رأسى،  لكنها جعلتنى أحسم مصيرى قبل نهاية امتحاناتى الثانوية؛ لأرفع شعار «لا زواج قبل التخرُّج»، وأتحدى إصرارَ والدى على الخلاص منّى بأى شكل، حتى يخلو له الجَوُّ، ويتفرغ لزوجته الجديدة، التى تزوّجها منذ عام واحد؛ بعد مرور شهرَيْن فقط على رحيل والدتى؛ لينتهى ربيع حياتى،  ويبدأ خريفٌ مخيفٌ، لم يكن يومًا فى حسبانى. وقتها اعتصرنى الألمُ لدرجة أفقدتنى الإحساسَ، أصبح كل شىء بلا قيمة بعد فراق أمّى.. لم يكن لى سواها، ولم يكن لها غيرى، فأنا الثمرة الوحيدة لزواجها بوالدى،  ابنتها الأولى والأخيرة، وصديقتها ومحل أسرارها، وشريكتها فى القهر والخيبة الثقيلة، التى دفعتنا الأقدار لها، بعدما اختارت لها زوجًا أنانيّا، وشهوانيّا، لا يهمه سوى ممارسة رياضته المُفضلة؛ الركض وراء النساء.



ندمتُ بعد وفاتها كثيرًا؛ لقسوتى عليها أحيانًا، عندما كنت أحَمِّلها المسئولية الكاملة عن الحياة القاتلة؛ المليئة بالفضائح والإهانات؛ التى عشناها معًا؛ بسبب اختيارها هذا الزوج الفظ اللعوب؛ ليصبح والدى دون اختيارى.. إلّا أن كُرهى للأخير تضاعَفَ بعد زواجه بأخرى، فلم يعد أمامه غيرى؛ كى يَسبَّه ويهينه لأتفه الأسباب، ويوجعه ويحرمه بسبق الإصرار؛ لأجد نفسى أتحوّل إلى خادمة فى بيتى،  مُجبَرة على تنفيذ كل ما تأمرنى به زوجة أبى، التى تفنّنَتْ فى إهانتى بكل الأساليب، لدرجة أنها ملأت قبضتها بالتراب يومًا، ورَمته على وجهى وسط أكبر شوارع قريتنا؛ ليشاهد الناسُ إهدارَها كرامتى.. فقط لأننى نهرتها بسبب سبّها لى بأمّى،  عندما لحقتنى بعد خروجى من المنزل، عقب شجار طويل معها؛ لرفضها ذهابى إلى مَدرستى،  وإصرارها على بقائى لخدمتها.

«ندَى» هذا اسمى الذى كدتُ أكرهه؛ بسبب نداءات زوجة أبى ليلًا ونهارًا، ونداءاته أيضًا، كانا يعاملاننى بقسوة لم أَرَ مثيلًا لها، ويرهقاننى بطلباتهما التى لا تنتهى.. كانت تشعر بأنها سُلطانة تملك جارية، أمّا هو فنسى أننى ابنته، وتفرّغ فقط للتفكير فى طريقة تُخرجنى من البيت للأبد.. عنّفنى كثيرًا لرفضى الشباب الذين تقدّموا لخِطبتى بعد دخولى المرحلة الثانوية، إلّا أن أمّى كانت تقف بجانبى؛  لتشاركنى فى تحَمُّل إهاناته، وتشد من أزرى،  مجففة دموعى بيديها، أمّا بعد رحيلها؛ فأصبح الضرب المبرحُ عقوبةَ رفضى لأى عريس؛ دون الاستجابة لصرَخاتى ولا توَسُّلاتى،  لأذهب إلى مَدرستى فى اليوم التالى،  بملامح غير ملامحى،  ترسمُها آثارُ الكدمات واللكمات.



تحملتُ، رُغْمَ تعنُّتهما، ورغبتهما المُلحّة فى زواجى بأى ثمَن، والتى بذلا من أجلها كل موجع وبشع، يكفى أنها عندما كانت ترانى أمسك كتابًا، تغرّق أرضية المنزل بالمياه، وتطالبنى بمسحه كاملًا، وهى تسبُّنى بأبشع الألفاظ، وتعايرنى بيُتمى ومذاكرتى،  وكأن طموحى وصمَة عار، بينما اكتفى أبى بقطع المال عنّى طوال عامى الأخير فى الثانوية، لأجد نفسى مضطرة لبيع قرط أمّى وخاتمها.. كم كان هذا مؤلمًا على قلبى،  بعتهما؛ وكأننى أتخلى عن روحى،  لكن أمّى لن تحزن على ذلك بالتأكيد، لقد نفّذت وصيتَها الموجعة!

لن أنسَى قصة القرط والخاتم ما حييت، فقبل وفاتها بأيام معدودة، فوجئتُ بها تُخرجهما من بين صدرها؛ لأراهما للمَرّة الأولى، ثم اقتربتْ منّى وحدّثتنى هامسة، كأنها تفشى سرّا حربيّا، قالت إن والدى لا يعلم شيئًا عن هذا الذهب، الذى ورثته من أمّها، وظلت تخفيه طوال عقدَيْن من الزمن؛ لإبعاده عن جشع الرجُل صاحب النزوات.

يومها بكيتُ بحُرقة لا تختلف عن دموعى يوم رحيلها، شعرتُ بأنها تفصح عن سرّها بمرارة، وكأن إحساسَها باقتراب الموت يحاصرها، ويدفعها لوداعى قبل الموعد حتى تطمئن علىّ.. وبالفعل تركتنى أموت ألف مرّة من دونها؛ وأنا على قيد الحياة، فبعد أسبوع واحد، كانت المفاجأة المميتة، التى لم أحىَ بعدها، فرُغم أننى لاأزال أتنَفّس؛ فإن جسدى أصبح بلا روح. تأكدتُ يومَ العزاء أننى سأواجه العالمَ بمفردى،  فلم يحضر أحدٌ من أهل أمّى،  الذين قاطعوها منذ سنوات طويلة بعدما تحدتهم جميعًا؛ وهربتْ من الفيوم- مسقط رأسها- إلى الشرقية، وتحديدًا مركز منيا القمح، حتى تتزوّج والدى، الذى رفضته عائلتها بشكل قاطع؛ لأن سُمعته كانت تسبقه منذ شبابه، «عاطل وجاهل يمتهن صيد النساء، ويعيش على عَرَقهن».. هذه هى الأوصاف التى قيلت فى والدى؛ عندما سأل عنه جَّدى لأمّى فى قريته، وللأمانة لم يكذب من وصْفه بذلك، والدليل أننى منذ أن وعيت على الدنيا، لم يمر عامٌ واحدٌ دون أن تحدث كارثة تكاد تعصف ببيتنا؛ سَبَبُها امرأة رافقها فى طريق الحرام، كفى ما قلت، الله حليم سَتّار.

لم تفارقنى دموعى ليلة واحدة، منذ رحيل أمّى؛ جَنّتى على الأرض، وجدت نفسى فى جحيم، وحاصرتنى النارُ من كل جانب، عشت ليالى فوق سطح منزلى، كانت فى ظاهرها عقابًا لى على أشياء لم أقترفها؛ يوقعه والدى علىّ حتى يختلى بزوجته الجديدة فى الأسفل؛ لأسمع ضحكاتها الرقيعة وكلماتها المبتذلة، ويتسارع جريان دمعى،  ويزداد معه نحيبى،  لكننى كنت أفيق سريعًا، وأمسك بكتابى المَدرسى،  علّه يخرجنى من هذا المستنقع الذى رُمِيتُ فيه بلا اختيار.

كنت أرتمى على الكُتُب طوال الليل، وأنام مع شروق الشمس، ولو كُتِبَ لى قضاء ليلتى على السطح، أكتفى بضوء المصباح الصغير، المجاور لعشّة الدجاج، متحمّلة لدغات باعوض الزراعات، فلا مَفَرّ لى سوى التفوُّق، ولا مُنقذ إلّا تحقق حلمى،  الالتحاق بكلية الإعلام.. سأكون مذيعة قادرة على فضح قسوة المجتمع، هذا ما كنت أقوله لنفسى حتى أصبّرها على أوجاع تلك الأيام السوداء، التى ستنتهى حتمًا فور دخولى الكلية، وانتقالى للقاهرة، تاركة ورائى أبى وزوجته، وقريتى بالكامل.

لكن كيف يحدث ذلك؟ ومدرسو قريتنا لا يشرحون إلّا فتات المواد فى المَدرسة، ويبذلون جهدًا عظيمًا؛ كى لا نفقَه شيئًا من شرحهم داخل الفصول، حتى نُجبَرَ على الذهاب لهم فى مراكز دروسهم الخصوصية.. وأنتم تعلمون أننى لا أملك سوى قيمة قرط وخاتم أمّى،  فقط خمسة آلاف جنيه، ولا أحصل على قرش من والدى،  الذى لم يسألنى يومًا عن سر قطعة الملابس التى أشتريها كل شهريْن أو ثلاثة.



لم يَقُل لى ذات مرّة: من أين لكِ هذا؟! كنت أسأل نفسى: ألهذه الدرجة لا تهمه ابنته، وهو يعلم أن شباب القرية يتهافتون على وصالها؟ رأيتهم كثيرًا وهم يثقبون جسدى بنظراتهم؛ كلما مررتُ هنا أو هناك، ويلقون بأرقام هواتفهم فى أوراق صغيرة أمامى،  ويتبعوننى إذا وجدونى أسير فى حارة خالية من البَشر.

لم ينشغل أحدٌ بسر أموالى،  إلا أن والدى قال لى يومًا: «كفاية سَلف من صحباتك»، ولم أكترث بالرد عليه، ببساطة لأننى رأيته يجد مبررّا أمام نفسه لهذه الأموال؛ كى يريح ضميره، المَيّت فى الأصل.. لكننى تصرفت بحكمة فى كل جنيه، وحرمت نفسى من قطعة الشوكولاتة التى كنت أتمناها كلما مررت على البقال، وبالطبع لم ألجأ للدروس الخصوصية، فما باليَد حيلة.

لم يكن أمامى سوى الانكفاء على الكتاب المَدرسى، وبالكاد أنفقتُ ألف جنيه فقط طوال عامى الثالث الثانوى،  ما بين ملابس وأدوات مَدرسية، وللأمانة استعنت ببعض الكتب الخارجية، ولو أننى اشتريتها من بائع الكتب القديمة، الذى يقبع فى كُشك صغير بمدخل القرية، حتى جاء الامتحان، ولم يكتب الله أن أُهَان.

انتهت الامتحانات بسلام، كنت أحفظ بلا فهم، اللهم إلا بعض الأجزاء فى التاريخ والفلسفة، ولحُسن الحَظ أصابنى الشغف بالإنجليزية منذ صغرى،  فأبليت فى امتحانها بلاءً حَسَنًا، إلا أننى جلست على كومة من اللهب حتى ظهرت النتيجة، فلم يتركنى والدى وزوجته لحالى،  وسرعان ما تحولت العَلقات الساخنة؛ التى أُعاقبُ بها على رفضى العرسان، إلى ضرب يكاد يفضى للموت، لكننى قاومت حتى النفَس الأخير، بل وجدت نفسى أواجههما بسَوءاتهما، ولا أبالى بصفعاتهما المؤلمة، ولا حديثهما الفج، باتت أذناى من طين وعجين، حتى جاءت اللحظة الفاصلة.