الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
نهاية الخلافة العثمانية الإسلامية بعد 600 سنة حكم

نهاية الخلافة العثمانية الإسلامية بعد 600 سنة حكم

أكتب هذا المقال يوم الثلاثاء الموافق 10 نوفمبر، وكان لا بُدَّ أن أتأنَّى طويلا قبل أن أبدأ فى تخيل كلماتى، وأن أعد كل طقوس الكتابة، خيرَ إعداد، القهوة، ورائحة البخور، والهدوء الذى يفضح دَبّة النملة، والسكون الذى يحرك الشجن والشغف. 



فكلماتى عن رجُل فى ذكرى الرحيل، وُلد فى 19 مايو 1881 ومات فى 10 نوفمبر 1938، حياته قصيرة - 57 سنة - ولكنه رفض أن يستسلم لمرض فى كبده، قبل أن يمنح بلده تركيا، قُبلة الحياة، يُخَلصها من الكابوس البشع المرعب خنق أنفاسَ الحرية طويلا، وأعاقَ النهضة والتقدّم والتحديث. 

كم أحببتُ.. هذا الرجُل وسيم الملامح، صلب الإرادة، شجاع الفكر، قائد فكرى، زعيم وطنى أحبّه وقدره حتى مَنْ على النقيض من أفكاره.

إنه «مصطفى كمال أتاتورك»، واحد من القلائل الذين تنجبهم البشرية؛ لكى يُغَيّروا مسارَ حضارات، ويعدلوا المقاييس المقلوبة؛ ليكون قدوة، ونموذجًا، على مَرّ الأجيال.

أدرك «مصطفى كمال أتاتورك»، أن بناء تركيا الحديثة، يبدأ حتميّا بالقضاء النهائى على خلافة «آل عثمان»، التى تورث الحُكم السياسى، بشرعية دينية، للخليفة باعتباره «ظِلّ الله على الأرض»، وفعلًا، ودون مهادنة، ودون الإمساك بالعصا من المنتصف، ودون اتخاذ مواقف رخوة، متأرجحة، ودون سياسات مرتعشة، متناقضة، بدأ «أتاتورك»، حربه الضارية، على نظام الخلافة.

كان «أتاتورك»، يؤمن بأن اختلاط الدين، بالسياسة، وقوانين المجتمع، أشبه بالخلايا السّرَطانية، التى تتكاثر، وتنتشر، وتغزو، منذ لحظة، اختراقها للجسد. وبالتالى، فإنها تستلزم الاستئصال، والقَطع، والحَرق، من الجذور، 

وفى كل مكان، دون هوادة. 

انتصر «أتاتورك»، فى معركته الحضارية، على «خلفاء الله فى الأرض»، وسلاطين الدولة العثمانية، والإمبراطورية الإسلامية العثمانية، الممتدة، فى  كل الاتجاهات، وكانت تركيا هى مركزها، لمدة أكثر من 600 سنة؛ حيث أسَّسها  عثمان الأول، سنة 1299. 

تم إعلان الجمهورية التركية الحديثة، ودستورها العلمانى، فى 29 أكتوبر 1923. وتوالت الإنجازات الأتاتوركية، مثل وضع قوانين مدنية؛ لتنظيم وحُكم المجتمع، وإلغاء المؤسَّسات الدينية، وإلغاء المحاكم الشرعية، وإحلال الأبجدية اللاتينية، محل الأبجدية العربية، وإقرار المساواة بين المرأة والرجل، وتغيير قوانين الأحوال الشخصية فى الزواج والطلاق والميراث، من أحكام دينية، إلى أحكام مدنية. 

إن تركيا، منذ رئاسة، «رجب طيب إردوغان»، للحكومة فى سنة 2003 ثم رئاسته للجمهورية، فى 2014، وهى تشهد تناميًا، للتيار الإسلامى، وتهديدًا للحُكم العلمانى الذى يحميه الجيش، منذ «أتاتورك»، الذى جعله الحارس الأمين وخط الدفاع الأساسى، عن علمانية تركيا. 

يقول «إردوغان»، أنه لن يمس الدولة العلمانية؛ لأن حزب العدالة والتنمية، الذى ينتمى إليه، حزب «مدنى»، ولكن بمرجعية «إسلامية» سُنّية. 

كيف تجتمع العلمانية، مع المرجعية الدينية!؟ إنه تناقُض، يصف جميع الأحزاب، والتيارات، «الدينية»، التى لا تفصح عن حقيقتها، حتى يأتى الموعد المناسب، لأن تستولى على الحُكم. 

لقد كان مع حزب العدالة والتنمية، أن سمعت تركيا، مرّة أخرى، كلمات مثل المرجعية الإسلامية، ومثل الحجاب فريضة، ومثل ضرورة تعديل الدستور العلمانى. 

فى بلادنا؛ حيث يحظر الدستور، قيام الأحزاب الدينية، فإن حزبًا مثل حزب النور، أعلن أنه، لا ينتهك الدستور؛ لأنه حزب مدنى، بمرجعية إسلامية. وأحزاب دينية مماثلة، تخدعنا بأنها ستترك السياسة، وتكتفى بالعمل الدعوى، حتى لا يتم حظرها. مَنْ قال، إن العمل الدعوى، من قِبَل دين مُعَيّن، وطائفية مُعَينة، ومذهبية مُعَينة، ليس عملا «سياسيّا»؟؛ بل إنه أكثر خطورة،- فى رأيى - من العمل السياسى المباشر؛ لأن النشاط الدعوى، يمهد العقول، ويهيئ الأفكار؛ لكى تكون مستعدة، للحُكم الدينى. أن أى اعتقاد، 

أو فكرة، أو مبدأ، حين يظل ساكنًا، فى قلب الفرد، فلا غُبار عليه، حتى ولو كان أكثر المبادئ، شرّا، وإيذاءً للناس. لكن حينما، يمتد الاعتقاد، أو الفكرة، أو المبدأ، من قلب الفرد، إلى الجماعة، يتحول إلى عمل سياسى؛ لأنه يهدف إلى التأثير فى الآخرين. وإلا، ما كان خرج من القلب. والتأثير فى الآخرين، هو «لبّ» العمل السياسى. وبالتالى، تكون الأحزاب، والتيارات الدينية، التى تتوجه إلى العمل الدعوى، أحزابًا سياسية، وتيارات سياسية، من الدرجة الأولى. 

يوم الثلاثاء الماضى 10 نوفمبر، احتفلت تركيا مثل كل عام، بذكرى مُخَلصها، وزعيمها «أتاتورك»، مؤسِّس الجمهورية التركية الحديثة. 

جميع المسئولين فى مؤسّسات الدولة، الحكومة والمعارضة والجيش، والشعب التركى بكل طبقاته، وأطيافه، وشرائحه، وفئاته، وانتماءاته، وأعماره، يحتفلون بيوم 10 نوفمبر، من كل أنحاء تركيا، يزورون ضريحه فى «أنيت كابر»، يضعون باقات الورود، بعبير الشكر والعرفان بالجميل.

واستطاع «أتاتورك»، أن يصبح قدوة للكثيرين من رواد التغيير، نذكر منهم «رضا بهلوى» فى ايران، «نهرو» فى الهند، «الحبيب بورقيبة» فى تونس، و«هدى شعراوى» التى قالت فى المؤتمر النسائى الدولى عام 1935، إن «أتاتورك» هو مُلهمها. حتى فى العالم الإسلامى، نجدهم يحترمون «أتاتورك» العلمانى؛ لأنه كان يحارب التدخل الاستعمارى، وطرُقه فى الاستغلال والهيمنة والتفرقة.>