الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

6 أكتوبر 1973 «والصبح إذا تنفس»

فى تمام الساعة  الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973 اندلعت شرارة حرب التحرير المقدسة، وبعد دقائق  قليلة من قطع الإرسال التليفزيونى والإذاعى لتقديم البيان الأول اتجه أكثر من 30 مليون مصرى – هم مجموع السكان وقتها – ليتسمروا أمام شاشات التليفزيون الذى لم يكن قد انتشر حينذاك بالشكل الكافى، خصوصًا خارج القاهرة فى حين التصق الباقون بأجهزة الراديو سواء فى بيوتهم أو عند الجيران فى المدن والريف  على حد سواء منتظرين فى لهفة إعادة قطع الإرسال كل نصف ساعة تقريبا لتقديم الجديد فى أخبار العبور.. ما توحد فيه واتفق عليه المصريون سواء كانوا من فريق التليفزيون أو حزب الراديو أنهم، ومنذ قبل فجر اليوم التالى كانوا ينتظرون بجنون موزعى الصحف الصادرة صباح السابع من أكتوبر والتى تحمل أخبار ما جرى وكان على ضفاف القناة.



من بين كومة هائلة من الصحف والمجلات الصادرة خلال فترة الحرب التى  امتدت لأكثر من شهر، تخيرت «روزاليوسف» بعض المطبوعات الصادرة أثناء الحرب وكأنها آلة زمن تنقلكم وتنقل لكم ما لم  يعشه معظمكم قبل 47 عاما بالتمام والكمال وكيف كانت مصر – من جميع الزوايا وأوجه الحياة الإنسانية – وقت اندلاع الحرب. «الفوتوغراف  المكتوب» الأول الذى نتوقف أمامه هو جريدة الأخبار بتاريخ 7 أكتوبر وكانت - وفى حالة صحفية استثنائية - تحت رئاسة تحرير أربعة من العمالقة هم أحمد الصاوى محمد وحسين فهمى ومحمد زكى عبدالقادر وموسى صبرى، فى حين كان إحسان عبدالقدوس هو رئيس مجلس الإدارة وكان سعر الجريدة هو نفس سعر كل الإصدارات المصرية اليومية خمسة عشر مليما أى قرش ونصف. 

 حمل المانشيت الرئيسى وباللون الأحمر القانى عنوانًا بليغًا واصفًا الحالة وناقلا الصورة باختصار عبقرى:

عبرنا  القناة ورفعنا علم مصر

ثم خمسة عناوين فرعية ببنط أصغر ولون أسود ذاكرة بعض التفاصيل قائلة:

 إسرائيل تعترف بنجاح العبور المصرى وتدفق المدرعات المصرية إلى سيناء 

 استولت قواتنا على معظم الشاطئ الشرقى للقناة.. وتواصل القتال بنجاح 

 قواتنا البحرية تدمر الأهداف الهامة للعدو على ساحل سيناء  الشمالى 

  المقاتلات المصرية  تضرب مواقع العدو وتتصدى لهجوم جوى كبير 

 القوات السورية  تقتحم مواقع العدو وتحرر جبل الشيخ وعدة مراكز بالجولان 

امتلات الصفحة الأولى بقرابة عشرين خبرا كانت جميعا وبلا استثناء واحد عن الحرب ومجرياتها كما ضمت خريطتين مرسومتين باليد الأولى مواقع الاشتباك فى قناة السويس شرقا وغربا والثانية من الجولان حيث تدور رحى المعركة السورية كما نشرت صورة واحدة صغيرة الحجم للرئيس السادات. 

 من أهم ما جاء بالصفحة الأولى نصوص البيانات العسكرية التى لحقت بها الجريدة قبل مثولها للطبع وكانت سبعة بيانات، أولها فى الساعة الثانية وعشرين دقيقة ظهرا وآخرها الساعة 7.35 بمعدل بيان كل خمسين دقيقة تقريبا.

وقد يكون من المهم أن ننقل نص البيان التاريخى الأول والذى جاء فى 40 كلمة فقط تم انتقاؤها  وصياغتها بعناية ويقول «قام العدو فى الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم بمهاجمة قواتنا بمنطقة  الزعفرانة  والسخنة فى خليج السويس بواسطة عدة تشكيلات من قواته الجوية عندما كانت بعض زوارقه البحرية تقترب من الساحل الغربى للخليج وتقوم  قواتنا حاليا بالتصدى للقوات المغيرة».

 بيان البُشرى

كان البيان الذى حمل بشرى العبور بشكل واضح وصريح هو البيان الخامس الصادر الساعة الرابعة وربع عصرا وكان نصه «نجحت قواتنا فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة واستولت على نقط العدو القوية بها ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة، كما قامت القوات المسلحة السورية باقتحام مواقع العدو فى مواجهتها وحققت نجاحا مماثلا فى قطاعات مختلفة».

 أبعاد دبلوماسية

ومن الملاحظ أن طريقة عرض بدء الحرب كانت تراعى الأبعاد الدبلوماسية، حيث تحاشت البيانات الإشارة إلى أن مصر هى البادئة  بالحرب حتى لا تفقد التعاطف الدولى معها وآثرت أن تبدو فى صورة المدافعة عن نفسها والرادة على  هجوم العدو كما يلفت النظر أيضا أن مانشيتات  وبيانات اليوم الأول للحرب - وهى نفس نهج الأيام التالية، قد حرصت أن تبتعد تماما عن المبالغة التى عشناها فى نكسة 1967 حيث قدمت القيادة العسكرية الأخبار بواقعية ومصداقية كاملين مثل رصد حصاد خسائر  الطيران فى اليوم الأول وهى خسارة العدو لإحدى عشرة طائرة مقابل عشرة فقدتها قواتنا الجوية.

فى صفحاتها الداخلية أكملت جريدة الأخبار رصد تفاصيل الحرب التى حصلت عليها، فنجد عشرات الأخبار والتحليلات السريعة عن المعارك الجوية والبحرية والبرية كما كانت هناك متابعة سريعة ومتميزة للموقف الدولى مثل  دعوة أمريكا إلى الوقف الفورى لإطلاق النار وردود أفعال  ملوك العرب ورؤسائهم ودعوة  مجلس الأمن إلى جلسة طارئة لبحث الموقف فى الشرق الأوسط وتهديد الرئيس  النيجيرى بقطع العلاقات مع إسرائيل إذا لم تتوقف  عن عدوانها على مصر والدول العربية.

فى الصفحة الثانية تطالعنا رسالة  الكاتب الكبير الراحل أحمد رجب فى 2/1كلمة والتى يقول فيها «أخويا فى الميدان: أختى وأختك والأب والزوجة والطفل الرضيع كلنا ثقة.. ثقة.. ثقة كلنا فى حمايتك، كلنا ظهرك القوى المشدود.. الله معك، الله معك، الله أكبر».

امتلأت الصحيفة بعشرات الإعلانات الصغيرة  والمتوسطة التى كانت معدة للنشر قبل اندلاع الحرب نختار منها ذلك المنشور فى الصفحة الأخيرة عن مجلة «روزاليوسف» التى تصادف أن يوم صدورها وافق أول أيام الحرب فهى بذلك لم تلحق فى هذا العدد بأى أخبار عن الحرب وتأجل لقاء قرائها مع تحليلاتها العسكرية  والسياسية والدبلوماسية إلى العدد الثانى الصادر فى 14 أكتوبر، يقول نص الإعلان «اليوم فى روزاليوسف: «البركان الهادئ قد ينفجر فى أى لحظة. تغطية شاملة للموقف فى الجبهة الشرقية والدوائر السياسية العربية والدولية».

وهو نبوءة صادقة باندلاع الحرب الوشيك الذى تحقق بالفعل وهو ما يُحسب كنصر سياسى وصحفى كبير للمجلة التى كان يرأس تحريرها فى ذلك الوقت الكاتب الصحفى الكبير عبدالرحمن الشرقاوي. 

 كان من الطبيعى أن تخلو الجريدة من أى صور فوتوغرافية من مواقع الحرب، حيث لم تبدأ الصور فى الوصول- سواء للأخبار أو غيرها – سوى بدءا من اليوم التالي، ولكن كانت هناك صورة أرشيفية واحدة احتلت نصف الثلث العلوى من الصفحة الأخيرة لجندى شاب يحمل مدفعه الرشاش من أحد المواقع العسكرية. 

 حرب الصور

 من جريدة الأخبار إلى مجلة آخر ساعة فى أول عدد لها فى أعقاب  الحرب وهو الصادر يوم الأربعاء العاشر من أكتوبر وهو اليوم الخامس للحرب، أى أن المجلة كان لديها الفرصة والوقت الكافيين  لتغطية  أحداث الحرب طوال أربعة ايام كاملة هى التى سبقت دخولها إلى المطبعة بعد ظهر الثلاثاء وقد حمل الغلاف الذى جمع ألوان الأحمر والأسود والأخضر عنوانا واحدا مختصرا هو «قواتنا وأعلامنا فوق سيناء» بينما احتلت نحو 90% من مساحة الغلاف صورة  لمقاتل مصرى يحمل بيده نظارة مكبرة وهو يحدق فى ثبات وتحد نحو هدف لا نراه. 

 كان رئيس التحرير فى ذلك الوقت هو الكاتب الصحفى أنيس منصور  الذى كتب المقال الافتتاحى على صفحة واحدة بعنوان «من أرضنا.. إلى أرضنا».. وقد قدمت المجلة «ملزمة» عن الحرب من سبع صفحات منها صفحة لمقال رئيس التحرير بينما احتلت الصور الصفحات الست المتبقية كانت واحدة فقط منها للرئيس السادات وقد جلس بجواره المشير أحمد إسماعيل، وكان وقتها برتبة الفريق أول وظهر واقفا بالقرب  منهما الفريق سعد الدين الشاذلي. 

 كانت أولى الصور الناقلة لأحداث الحرب تمثل أكثر من ثلاثة  أرباع الصفحة وتمثل تبة عالية من تبات خط بارليف شرق القناة وقد اعتلاها ثلاثة من الجنود المصريين حمل أوسطهم العلم المصرى مرفرفا على رمال سيناء لأول مرة منذ ست سنوات،  كما كانت هناك إشارة مكتوبة أن مجموعة الصور قد التقطها المصور الصحفى الشهير مكرم  جاد الكريم.

تنقلت بقية  الصور بين أماكن وأحداث مختلفة من أرض المعركة. فهناك صور لعملية العبور وأخرى لمدرعات ومدافع تطلق نيرانها تجاه العدو أو لطائرات إسرائيلية متهاوية أو محترقة ومدمرة على الأرض مع شرح من سطور قلائل لكل من هذه اللقطات التاريخية التى اشتملت أيضا على صور لقواتنا السورية فى الجولان.