الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
أكتوبر ملحمة التناغم بين العسكرية والدبلوماسية

أكتوبر ملحمة التناغم بين العسكرية والدبلوماسية

تستدعى هذه الذكرَى دروسًا كثيرة، على اعتبار أن حرب أكتوبر 73 تُعَد من أهم أحداث القرن الماضى.. كان قرارُ الحرب فى حد ذاته يمثل جسارةً وقرارًا لم يكن سهلاً، بل استدعى إجراءات وسياسات ومناورات سياسية تمهيدًا لهذا اليوم العظيم. كانت القرارات الأممية منذ القرار 242 عام 67 لا تجد استجابة من إسرائيل واعتبرت أن سياسة الأمر الواقع هى التى تسود نتيجة لاحتلالها الأراضى العربية، وكانت الولايات المتحدة تتحدث عن السلام فى المنطقة بشكل عام، ولكنها لم تنادِ بالانسحاب الإسرائيلى من الأراضى العربية!!.



إلى أن اشتدت ذروة حرب الاستنزاف التى دفعت واشنطن إلى تقديم مبادرة عام 70 عُرفت بـ«مبادرة روجرز»، وكانت تنص على وقف إطلاق النار وبداية التفاوض.

استغلت القيادة المصرية هذه المبادرة السياسية عسكريّا؛ حيث تمكنت مصرُ من استكمال بناء دفاعها الجوى.

كانت الدبلوماسية تعمل وفق خطة مدروسة أيضًا لكى تمهد الساحة السياسية إقليميّا ودوليّا لمناصرة الحق فى استرداد الأرض المحتلة.

ولكن كانت حالة الاستقطاب الدولى بين المعسكريْن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى السابق تفرض على الدبلوماسية المصرية واقعًا صعبًا يجعلها حريصة على السَّير فى توازن دقيق بين المعسكريْن.

وكانت واشنطن وموسكو لديهما قناعة خاصة بكل منهما بأن استرداد الأرض بعملية عسكرية أمرٌ غيرُ مرغوب فيه وأن حالة اللا سلم واللا حرب قد تكون هى الأفضل.

كان القرارُ الاستراتيجى بشن الحرب على جبهتَى مصر وسوريا بَعد أن ثبت أن الجهود الدبلوماسية التى كانت مصرُ تشجعها لن تعيد الأرضَ. 

فكان تحريك الموقف أمرًا ضروريّا؛ خصوصًا بَعد أن كان الموقف الأمريكى يَنظر للوضع على ضفتَى القناة كجثة هامدة.

استغلت مصرُ ببراعة مثل هذا الانطباع وانخرطت فى خطة خداع استراتيجى غير مسبوقة لتعظيم مفهوم أن هناك استرخاءً عسكريّا فى الوقت الذى كانت تستعد فيه للحرب.

وتحقق نتيجة لذلك عنصر المفاجأة الذى كان عاملاً حاسمًا فى نجاح عبور القوات وإقامة رءوس جسور فى 6 ساعات.

كان التنسيق الدبلوماسى العسكرى لخدمة الهدف الاستراتيجى، وشكّل هذا قاعدة قوية عربية وإفريقية ودولية مساندة للقرار المصرى بخوض الحرب.

وإذا نظرنا إلى ما يُطلق عليه مثلث السياسة الخارجية، الذى تتشكل أضلاعُه المتساوية من حماية الأمن القومى والآخر حماية المصالح الوطنية وقاعدته هى القوة العسكرية، نجد أن مصرَ وظفت قوتها الشاملة بتخطيط رائع قبل المعركة وخلالها وما بَعدها.

وكان التناغُم بين العسكرية والدبلوماسية عملاً رائعًا امتد حتى وصلنا إلى استرداد طابا 1988م فى مَلحمة وطنية ضمت عناصر القوة الشاملة لمصر.

ستظل حربُ أكتوبر بمثابة إلهام عسكرى سياسى يمكن أن تكون نبراسًا فى إدارة الأزمات حتى يومنا هذا ولسنوات مقبلة.

العمل العسكرى وحده لن يُنهى الأزمات ويجب أن يعقبه عمل سياسى مُضنٍ، كما أن العمل السياسى إذا أردنا أن يحقق أهدافه يجب أن تسانده قوة عسكرية تصل إلى حد ردع الطرف الآخر وتجعله يعيد حساباته قبل محاولة الدخول فى مغامرة عسكرية.

وقد تكون المقاربة المصرية مؤخرًا فى الأزمة الليبية على المحور الغربى تطبيقًا ممتازًا لروح أكتوبر؛ حيث تناغمت قوة الردع مع إعلان القاهرة للوصول إلى وقف إطلاق النار بما يمكن معه بداية محادثات جادة للوصول إلى حل سياسى.

 

*وزير الخارجية الأسبق