الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الدراما التاريخية تعود للمنافسة!

فى تاريخنا العربى والمصرى الكثير, ورُغْمَ النجاح الذى تحقق بعرض هذه الأعمال؛ فإن إنتاجها قد توقّف مع نهاية التسعينيات، قيل وقتها إن سبب التوقف يتعلق بقطاعَى الإنتاج، والتوزيع؛ خصوصًا أن تلك الأعمال تتطلب تمويلًا كبيرًا لبناء الديكورات والملابس والقصور وتوفير الجَوّ العام لملاءَمة ذلك العصر، وهذا ما قد لا يتمكن المنتجون من التصدى له وحدهم، ولا سيما أن الدولة كانت عضوًا رئيسيّا فى إنتاج هذه الأعمال فى الماضى.



 لكن كل هذه المبررات، التى تم تبنّيها لسنوات طويلة، نُسفت العام الماضى بمجرد عرض المسلسل التاريخى (ممالك النار) من بطولة «خالد النبوى»، الذى يتناول الحقبة الأخيرة لدولة المماليك، وسقوطها على يد العثمانيين، ولعل النجاح المدوّى الذى حققه هذا العمل كان سببًا مباشرًا لعودة صُناع الدراما للإعلان عن ثلاثة أعمال درامية جديدة سيتم إنتاجها خلال العام المقبل ينتمى كلٌّ منها لعصر تاريخى مختلف.

> 3 عصور مختلفة

من ضمْن المشروعات التاريخية المنتظرة خلال العام المقبل مسلسل (المَلك) من بطولة «عمرو يوسف»، وهو العمل الذى يتناول تاريخ مصر الفرعونى، وتحديدًا قصة الملك «أحمس» قاهر الهكسوس، والمأخوذة عن رواية «كفاح طيبة» للأديب العالمى «نجيب محفوظ».

وقد أعلن المُخرج «حسين المنباوى» عن بدء التحضيرات للعمل ليلحق بموسم رمضان المقبل؛ حيث يعمل حاليًا على الثلاثى «محمد، وخالد، وشيرين دياب» على كتابة السيناريو والحوار للعمل، ويقوم «يوسف» بدوره على التدريب على أساليب الحرب الفرعونية؛ حيث كانت الأساليب قديمًا تعتمد على الرماح، والعربات الحربية، والخيول، والكثير من المجهود البدنى.

وللمرّة الثانية على التوالى بَعد (ممالك النار) تتناول الدراما التاريخية فترة حُكم المماليك لمصر، ولكن تلك المرّة منذ بداية توليهم حُكم البلاد مرورًا بالمشاكل، وتقبُّل المصريين لهم وحتى سقوطهم على يد الغزو العثمانى. 

حيث أعلن المنتج «ممدوح سبع» عن بدء التحضير لمسلسله الجديد المأخوذ عن رواية للأديبة الدكتورة «ريم بسيونى» بعنوان (أولاد الناس.. ثلاثية المماليك)؛ حيث قال إن العمل منقسم لثلاث قصص كل قصة منها تحمل مرحلة معَينة فى تاريخ الحُكم المملوكى لمصر، على أن يتم تقديم الرواية فى ثلاثة أجزاء منفصلة، أولها بدأ التحضير له بالفعل.

مضيفًا، إنه تحمَّس لإنتاج العمل نظرًا لأهميته، التى تُبرز الوجه الحقيقى للحقبة التاريخية المهمة لمصر تحت حُكم المماليك، بالإضافة إلى توضيح محاولات الأتراك لتشويه التاريخ المصرى. وقال «سبع» إنهم خلال الأسبوعيْن المقبليْن سوف يتم اختيار الأسماء التى تم التعاقد معها لكتابة سيناريو، وحوار العمل، بينما سيتم الإعلان عن الأسماء المرشحة للإخراج والبطولة خلال الشهر المقبل على أقصى تقدير.

ورُغم إعلانه من قبل عن تقديم المسلسل للمنافسة العام المقبل؛ فإنه قال إن إنتاج عمل تاريخى يتطلب الكثير من الجهد والتحضيرات التى يجب أن تتم بشكل مهنى وتأخذ وقتًا أطول من أى عمل آخر، لذلك قرّر أن يتم تقديم العمل فى عام 2022م ليظهر بشكل مشرف لتاريخ مصر.

ومن جانب آخر لاتزال المشكلات تلاحق مسلسل (سيف الله.. خالد بن الوليد)، فبّعد اعتذار «عمرو يوسف» عن تقديمه، وتعاقُد «ياسر جلال» عليه، نُشرت أخبارٌ تفيد باعتذاره أيضًا عنه، رُغم حماسه الكبير للشخصية، وذلك؛ بسبب ضيق الوقت أمامه لبدء التصوير للحاق بالعرض فى شهر رمضان المقبل.

وقد أعلنت شركة «سينرجى» المنتجة للعمل، عن بدء تحضيرها للمسلسل مع تأجيل عرضه لما بَعد الموسم الرمضانى، مؤكدين أن «جلال» قد بدأ بالفعل فى الاستعداد للدور، وإجراء تدريبات ركوب الخيل والمحاربة بالسيف وغيرها من متطلبات الشخصية الإسلامية المحاربة.

> أسباب الغياب

هناك العديد من الأسباب التى جعلت الدراما التاريخية تتوقف إنتاجيّا فى مصر؛ حيث إنها من أصعب أنواع الدراما؛ لأنها تعيد إحياء عصور مرّت منذ قرون عديدة. وهذا يتطلب جهدًا مضاعفًا من كل صناع العمل، وعلى رأسهم الإنتاج الذى يتكلف أضعاف ميزانية المسلسل الاجتماعى العادى؛ حيث قال المنتج «ممدوح شاهين»: «ازدهار الدراما التاريخية فى فترة التسعينيات كان أمرًا طبيعيّا؛ لأن العمل التاريخى يحتاج لميزانية ضخمة مثل قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى، ومدينة الإنتاج الإعلامى، وشركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، وغيرها من أجهزة الإنتاج الحكومى، التى تملك العديد من الاستوديوهات والديكورات والملابس والإكسسوارات التى يمكنها تقديم عمل ناجح بها».

وأضاف قائلًا: «كانت أجهزة الدولة تنتج ويتم توزيعها وعرضها على التليفزيون المصرى، ولكن المنتج الخاص لا يمكنه تحمُّل التكاليف الباهظة للمسلسل وحده؛ خصوصًا مع وجود منافسة قوية من الدراما السورية، التى تحتكر السوق الخليجية كلها تقريبًا». 

بينما قال «ممدوح سبع» منتج مسلسل «ثلاثية المماليك»: «الأمرُ لا يتوقف على الإنتاج فقط، فهو عنصر مهم من عناصر الصناعة، والعمل الجيد يفرض نفسَه بكل عناصره وليس بكثرة الأموال التى تم صرفها عليه، فنحن كانت لنا الصدارة ولكن ليس الإنتاج هو السبب الوحيد فى تراجُعنا، فالذين يقولون إن دولة ما نجحت فى تصدير أعمالها التاريخية بسبب الإنفاق عليها فقط مخطئون؛ لأننا لسنا فى سباق مَن منا سيدفع أموالًا أكثر من الآخر، ولكن الإنتاج هو توظيف الإنفاق فى مكانه الصحيح. ونجاح العمل يعتمد على الإنتاج والقصة والرؤية التى يتناولها والتمثيل والإخراج والديكورات وغيرها من العناصرالتى يجب أن تكتمل ليخرج عملًا ناجحًا سواء كان تاريخيّا أو غير تاريخى».

ومن جانبه، يقول «محمد سليمان عبدالمالك» مؤلف (ممالك النار):« كاتب المسلسل التاريخى يجب أن يكون واعيًا للمجهود المضاعَف الذى سيبذله، فبناءُ الشخصيات الدرامية وتحويلها للحم ودم فى العموم أمرٌ صعبٌ، وفكرة تحويل شخصيات تاريخية لواقع يراه المشاهدون ويتفاعلون معه يتطلب أن يكون المؤلف مدركًا للحقبة التاريخية التى يكتب عنها، وأن يقوم بالاطلاع على كتُب ومَراجع كثيرة ليرسم ملامح تلك الفترة بدقة».

وعن تراجُع إنتاج الدراما التاريخية خلال السنوات الماضية قال: «كان هناك استسهال من المنتجين لتقديم أعمال اجتماعية خفيفة مُعللين موقفهم بأن الجمهور يقبل على النوعية الاجتماعية ويرفض التاريخية، وتلك الأسطورة تم تدميرها فور عرض مسلسل (ممالك النار) العام الماضى، فصناع الدراما كانوا يحاولون فى وقت من الأوقات تحويل الدراما التاريخية لتكون دراما خاصة بالنخبة والمثقفين، بينما قررنا نحن فى (ممالك النار) أن يتم تقديم العمل بشكل يصل لكل الناس ومن دون تعقيدات، فالعمل الجيد الذى تكتمل عناصره كلها من إنتاج وتصوير وديكور وتمثيل وكتابة وإخراج، لا بُد أن ينجح ويطلبه الجمهور».

أمّا الناقدة «ماجدة موريس» فأضافت رأيها فى النهاية قائلة: «إن الدراما المصرية كانت تتصدر الأعمال التاريخية فى الوطن العربى، والسبب الرئيسى فى توقفها هو توقف قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى والقطاعات الحكومية عن إنتاجها، ففى نهاية التسعينيات من القرن الماضى قام الجيش السورى بدعم الدراما التاريخية هناك بميزانيات ومعدات ضخمة، ما جعل المنافسة صعبة والمقارنة بين المصرية والسورية أصعب، حتى إنه آخر عمل تاريخى كان ينتجه التليفزيون المصرى عن شخصية «عمرو بن العاص» بينما قامت سوريا فى العام نفسه بتقديم عمل عن الشخصية نفسها ونجح نجاحًا مبهرًا».

وأضافت «موريس» قائلة: «ما زاد الأزمة تفاقمًا هو دخول دول الخليج للإنتاج التاريخى، وتقديم أعمال قد لا يوافق عليها الأزهر هنا مثل مسلسل شخصية «عمر بن الخطاب» وغيره، ولكن رُغم ما حدث من فجوة فى إنتاج تلك التيمة فى الدراما المصرية؛ فإننا عُدنا بقوة للمنافسة على الساحة، فالتاريخ ملىء بالأحداث والشخصيات التى يجب الانتقاء منها وعرضها للجمهور مع اختيار القصص التى تلائم وضعنا الحالى، وأنا سعيدة بالتحضير لعمل فرعونى لأننا الأجدر بتناوُل تاريخنا الملىء بالمجد».>