الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الأرقام الصعبة فى قلاع الصناعة المصرية

احتل قطاع الصناعة مرحلة متقدمة فى أولويات الدولة، من حيث الاهتمام بالاقتصاد القومى، لتعظيم مساهمته فى الناتج المحلى، وتفعيل دوره بشكل أكبر فى خلق فرص عمل، وبيئة استثمارية جاذبة، تحقق أهداف الدولة وخطط التنمية المستدامة، وشهدت السنوات الأخيرة إعادة هيكلة بشكل واضح لقلاع الصناعة المصرية. 



يساهم قطاع الصناعة بنسبة 17 % من الناتج المحلى الإجمالى، بالإضافة إلى ارتباطه مع العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، كما يعد أحد دعائم تحقيق الاستقرار الاجتماعى، إذ نفذت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتنسيق مع وزارة التجارة والصناعة العديد من المشروعات الصناعية العملاقة، منها تنفيذ مدينة الأثاث بدمياط، بجانب إنشاء 13 منطقة صناعية فى 12 محافظة فى مختلف أنحاء الجمهورية .

ويجرى حاليًا تنفيذ الاختبارات التجريبية لهذه المناطق، لتكون جاهزة للافتتاح فى شهر أكتوبر لتنفيذ أنشطة صناعية مختلفة، وجار إنشاء 3 مناطق صناعية بمدن الصف وبنها وميت غمر.

فى السياق نفسه، تم الانتهاء من مجمع مصانع الشركة الوطنية المصرية للتطوير والتنمية الصناعية بالروبيكى، والتى تعد صرحًا جديدًا فى صناعة الغزل والنسيج فى مصر لتوفير مجمع متكامل؛ يتوافر به كل الخدمات والمرافق، ووفقًا لأعلى المعايير والمواصفات العالمية.

ويعد مجمع الروبيكى نموذجًا يساهم مع المدن الصناعية الجديدة، والتى تم إنشاؤها فى مختلف أنحاء الجمهورية، لدفع عجلة الإنتاج وتطوير وتوسعة قاعدة الصناعة المصرية، وتوطين التكنولوجيا الحديثة.

وتهدف المجمعات والمدن الصناعية تقديم منتج مصرى  يمكن تصديره للأسواق الخارجية بأسعار تنافسية، حيث تم التنسيق الكامل مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لتنفيذ مجمع صناعى يشمل جميع مراحل صناعة الغزل والنسيج، والتى تبدأ بعد الانتهاء من مرحلة حلج القطن وصولًا للمنتج النهائى، وتم تنفيذ المشروع فى هذا الموقع ليكون على مقربة من مدينة بدر والتى تعد من أكبر المدن الصناعية بالعاشر من رمضان  التى يوجد بها 3 آلاف مصنع وتنتج ثلث صادرات مصر، وليكون على مقربة من موانئ البحر الأحمر وموانئ البحر المتوسط وبورسعيد ودمياط، بالإضافة إلى الطريق الدائرى الإقليمى الذى يربط المدينة بجميع محافظات الجمهورية لجلب المنتج من الزراعات الأخرى.

 تضمن إنشاء المشروع 3 مراحل إنشائية، استغرقت المرحلة الأولى 5 أشهر وتم فيها تنفيذ البنية الأساسية من التسويات ومحطة الكهرباء والشبكات والأسوار، بينما استغرقت المرحلة الثانية 12 شهرًا وبها 7 مصانع على مساحة (160) ألف متر مربع ، بالإضافة إلى 8 مخازن، ومبنى ملحق بالمصانع ومنشآت إدارية وخدمية.

 ويحتوى مصنع الغزل السميك ومصنع الغزل الرفيع ومصنع النسيج المستطيل على تصميم خاص يتواءم مع المدينة النسيجية فيحتوى على منظومة متكاملة لسحب وتنقية الهواء، حيث يتم سحب الهواء المشبع بغبار القطن، من خلال فتحات بأرضية المصنع إلى شبكة من الأنفاق أسفل الأرضية، تتصل بمحطات الترطيب من خلال شفاطات سحب عملاقة وإعادة تدويره مرة أخرى كهواء نظيف بعد خلطه بالهواء النقى بنسبة (1:4) وضخه مرة أخرى داخل المصنع.

وتم إنشاء مخزنين من الخامات لكل مصنع، أحدهما للخيط الرفيع، والآخر للخيط السميك، بالإضافة إلى هنجرين ثابتين تم تنفيذهما للمنتج النهائى، إضافة لتنفيذ مصنع لتحضيرات النسيج ملحق به مبنى لغلايات البخار، ومصنع النسيج الدائرى (التريكو)، ومصنعى (الصباغة والتجهيز – الطباعة) ملحق بهما مبنى غلايات. 

وتضمنت المرحلة الثالثة ومدتها 6 أشهر، إنشاء 4 مصانع جديدة سيتم تنفيذها فى المرحلة القادمة وهي مصنع الأثاث المعدنى ومصنع الأثاث الخشبى ومصنع الخوذة القتالية ومصنع السترة الواقية.

 ولمراعاة تحسين بيئة العمل المحيطة بالمصانع تم تنفيذ أعمال تنسيق الموقع العام بإجمالى مسطح 62 ألف متر مربع، وتأمين المجمع من خلال إنشاء منظومة مراقبة بالكاميرات. 



تطورت صناعة الغزل والنسيج فى مصر على مر العصور، ففى العصر الفرعونى صنع المصريون القدماء الأقمشة والملبوسات من ألياف الحلفا والكتان، واستخدموا الصبغات النباتية فى تلوينها، وتظهر المومياوات المكتشفة دقة المنسوجات المصرية القديمة ومهارة صانعها، وفى العصر القبطى ذاعت شهرة المدن المصرية بالمنسوجات القطنية حيث يضم المتحف القبطى  فى مصر العديد من الأقمشة المزخرفة التى تعود للقرنين السادس والسابع الميلادى.

وفى العصر الإسلامى أصبح للمنسوجات المصرية شهرة فائقة، وعرف العرب روعة المنسوجات المصرية، فاستبدلوا بها الثياب البدوية الصوفية الخشنة وأقبلوا عليها لنعومة الخامة ومهارة الصانع، ثم كانت كسوة الكعبة المشرفة من مصر، وفى العصر الحديث لعبت الألياف الصناعية تطورًا كبيرًا فى صناعة  البذور والمنسوجات تميزت بنعومة الملمس وروعة الألوان فانتشرت على حساب القطن والبذور الطبيعية ومنسوجاتها.

ومنذ عام 1820، اشتهرت مصر بزراعة  القطن طويل التيلة ليصبح الأجود على مستوى العالم، وليصبح الغزل والنسيج من أهم الصناعات المصرية، وشهد القرن التاسع عشر الميلادى تطورًا كبيرًا فأُنشئت الشركة الأهلية للغزل والنسيج، ثم أنشأ طلعت حرب فى عام 1927 شركة مصر للغزل والنسيج ليبدأ الإنتاج فى عام 1930، ثم تطورت مصانعها وقدراتها الإنتاجية لتصل إلى (6) مصانع غزل و(10) مصانع نسيج تستهلك حينها مليون قنطار من القطن سنويًا لتتحول مصر فى عام 1948 إلى دولة مصدرة للغزل للعديد من دول العالم، وبعد عام 1952 تم إنشاء القلاع الصناعية الكبرى للغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار وغيرهما.

حيث كانت صناعات الغزل والنسيج والملابس من أهم الصناعات الاستراتيجية القادرة على تحقيق النمو المستدام حيث يتزايد الطلب على المنتجات المنسوجة بالتزامن مع الزيادات السكانية، كما تعد من أكثر الصناعات كثافة فى العمالة ويبلغ حجم العمالة المباشرة فيها نحو (1.2) مليون فرد. 

وتستحوذ هذه الصناعة وما يتعلق بها على نحو 27 % من حجم العمالة فى القطاع الصناعى المصرى ككل، ورغم أن هذه الصناعة تحظى فى مصر بأهمية تاريخية واقتصادية كبرى، وحيث إن القطن المصرى يعد من الأقطان المتميزة على مستوى العالم وكان له دور مؤثر وفعال فى التجارة العالمية للغزل والنسيج.

تعرضت صناعة الغزل فى مصر سنوات عديدة إلى كثير من التحديات، أدت إلى تراجع الإنتاج السنوى من القطن، فبعد أن كان يحقق حوالى (10) ملايين قنطار سنويًا فى الثمانينيات، تراجع إلى أقل من (2) مليون قنطار فى عام 2018 مشكلًا فى حينها أدنى مستوى له  منذ أكثر من (100) عام، وتقلصت مساحته المنزرعة إلى نحو(330) ألف فدان فى عام 2018، بعد أن كانت تقترب من مليون فدان فى بداية التسعينيات.

أدى ذلك  لتراجع العديد من شركات الغزل والنسيج التى حققت خسائر قدرت بنحو (33) مليار جنيه، وتراكمت ديونها فبلغت نحو(16) مليار جنيه، وفقاً للبيانات الصادرة عن البنك المركزى المصرى.

 وما زالت صناعات الغزل والنسيج والمنسوجات والمفروشات تكافح من أجل البقاء لدعم الناتج المحلى والميزان التجارى، حيث قدرت صادرات هذه الصناعة التى يشكل القطاع الحكومى منها نحو (65 %) قدرت بنحو (3،3) مليار دولار فى عام 2019 وتمثل حوالى (15 %) من الصادرات المصرية غير البترولية طبقاً للبيانات الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، إلا أنه وعلى مدار السنوات العشر الأخيرة دائمًا ما تجاوزت  الواردات إلى مصر من النسيج ومصنوعاته ما يتم تصديره من المنتجات المصرية منها وذلك وفقاً للبيانات الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.



يتم حاليًا إنشاء عدة مصانع أخرى، داخل مجمع الروبيكي، لإنتاج بعض المفروشات والملبوسات المخطط الانتهاء منها أبريل 2021، وذلك بالإضافة إلى مصنع لإنتاج الأثاثات الخشبية وآخر لإنتاج الأثاثات المعدنية ومخطط الانتهاء منهما أكتوبر من هذا العام .

 وأتاح المجمع حتى الآن أكثر من (1350) فرصة عمل مباشرة جديدة من مختلف التخصصات ومستويات التأهيل العلمى، كما تم ربط آليات العمل بالمصانع المختلفة بمنظومة (ERP) الرقمية والتى ساعدت على تحقيق أعلى درجات الحوكمة والضبط الداخلى بكافة مراحل الإنتاج وذلك للاستغلال الأمثل للموارد .

وتعتمد استراتيجية العمل فى الروبيكى على عدة محاور تتمثل فى الحوكمة والجودة والتسويق وتحديد الأهداف والبحث العلمى، فبالنسبة للحوكمة تعد الشركة الوطنية المصرية لتطوير الألياف الصناعية، إحدى المدن الصناعية الذكية التى تدار وفق المعايير الدولية القياسية الخاصة بصناعة الغزل والنسيج مستخدمة فى ذلك أقوى أنظمة إدارة موارد المؤسسات، لتحقيق أعلى درجات السيطرة والاستغلال الأمثل لرأس المال والموارد. وبالنسبة للجودة يعتمد المجمع الصناعى على دراسة السوق المحلية والعالمية للوصول للاحتياجات الحقيقية، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والبحث العلمى، والتطوير المستمر لتصنيع منتج متميز بسعر منافس. 

ويتم الاعتماد على البحوث العلمية للتغلب على المشكلات الصناعية للتعاون فى مجالات البحث العلمى مع وزارة التعليم العالى والبحث العلمى فى مجالات هندسة الغزل والنسيج المتمثلة فى كلية الهندسة جامعة الإسكندرية وكلية الفنون التطبيقية جامعة حلوان، ويتم الاعتماد فى التسويق على البحوث التسويقية والإعلان وبناء مادة قوية لصورة مؤسسية إيجابية تضمن المادة الناجحة بناء صورة ذهنية فى عقول المستهلكين مما يسهل عملية التفاعل واختيار المنتج بين منافسيه، الأمر الذى يتطلب التواصل المستمر مع المستهلكين لتأكيد المصداقية وخلق الولاء، من خلال تعزيز مكانة وتنافسية المنتجات النسيجية المصنعة من القطن المصرى بالتعاون مع القطاع العام والخاص فى السوق العالمية بما لها من جودة عالية مقارنة بالمنتجات النسيجية المصنعة من الأقطان الأخرى.