الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
بوركينى العقول

بوركينى العقول

حسب موسوعة «وكيبيديا» فإن كلمة بوركينى هى «تعريب للفظ غربى مكون من جزئين الأول «بور» وتعنى البرقع وهى كلمة متداولة فى أوروبا وتعنى النقاب الذى يغطى الوجه كاملا، أما الجزء الثانى فهو «كينى» ويحيل إلى لباس البحر المعروف باسم بيكينى والذى يكون عاريا بشكل كبير، وقد ابتكرته لبنانية مسلمة تعيش فى أستراليا اسمها عاهدة الزناتى عام 2004، ومنذ ذلك التاريخ من 16 عامًا والمعارك بسببه لم تنقطع، فى أوروبا رفضه الكثيرون ولجأت بعض المسلمات للقضاء من أجل السماح لهن بارتدائه عند الذهاب إلى الشواطئ، وفى مصر أثير حوله كثير من الجدل وآخرها منذ أيام فى إحدى القرى السياحية عندما نشبت مشادة بين الرواد حول السماح أو منع النزول به إلى حمام السباحة، ولكن هذا العراك المستمر منذ سنوات لم يسفر عن حوار جاد لهذه الظاهرة، ويبدو أن هذا الأمر سيستمر طويلا، حيث تبدأ المناقشات ساخنة ثم تهدأ ويتم نسيانها حتى تقع حادثة جديدة تعيدها للأذهان، وتعود معها نفس النقاشات والاتهامات المتبادلة والجدل بنفس الألفاظ والتعبيرات، مبتكرة المايوه الشرعى -حسب ما يصفه المنحازون له- قالت عند ظهوره لأول مرة أن غرضها دمج الثقافتين الغربية والشرقية فى كلمة واحدة وشعار واحد، وهو أمر غريب أن يكون الدمج من خلال زى يرفضه الغرب أو يتقبله البعض هناك على مضض باعتباره من الحريات الشخصية، بل إن الكثيرين فى الشرق والعالم الإسلامى يرفضونه، وكل ما فعلته أنها دمجت لفظ البرقع مع البكينى وهما فى الواقع لا يمكن أن يلتقيان أو ينسجمان، ظاهرة البوركينى لا تقتصر على ملابس البحر، فالأخطر منها بوركينى العقول،  وهى حالة منتشرة فى مجتمعنا بقوة حيث يتكلم البعض عن التحديث والجراءة فى الأفكار ثم يتصرف بتقليدية محافظة تصل إلى حد الرجعية، والكثيرون فى بلادنا يقومون بهذا الدمج فى عقولهم وتصرفاتهم، فهم يدعون أنهم ينحازون إلى الحرية والتجديد عندما تكون فى صالحهم، ثم يرتدون البرقع عندما تكون ضد أفكارهم ومصالحهم، هؤلاء نجدهم فى كل المعارك الفكرية، يقولون إن الإسلام دين الحرية وإنه نادى بحق التفكير، ولكنهم لا يتورعون عن تكفير المختلفين معهم، يطالبون بالإبداع ويخنقون الفن ويطالبون بمصادرة الكتب والأفلام ومحاكمة المؤلفين والمبدعين، يفاخرون بأن الدين أنصف المرأة ورفع من شأنها وأعطاها حقوقًا كبيرة، ولكنهم يرونها أقل من الرجل وأن الرجال قوامون على النساء، ولا يكملون الآية الكريمة «بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم»،  يكرمون النساء ويحرمون توليها المناصب والولاية الكبرى رغم اختلاف العهود وأنه لم تعد هناك ولاية كبرى بالمفهوم القديم،  يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام، والدين الحنيف برىء من أفكارهم وتصرفاتهم، يقولون أن الديمقراطية واختلاف الآراء وتنوعها تفيد المجتمع ولكنهم يتهمون من لا يسير فى طريقهم بالخيانة دون دليل، هذه الشخصيات الممزقة بين البرقع والبيكينى والمريضة بالشيزوفرنيا لا يقتصر وجودهم على الجانب الفكرى والسياسى،  بل نجدهم أيضًا فى الحياة العادية وتتجسد فى تصرفات عدد غير قليل من المواطنين، هناك من يغازل زميلته فى العمل ويتحرش بجارته ويعاكس الشابات فى الشوارع، ولكنه يصلى ويصوم ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ثم يضع الجرم على عاتق المرأة الضحية لأنها -من وجهة نظره- ترتدى ملابس غير لائقة، وينسى الأمر الدينى بغض النظر ويتجاهل أن التحرش أيضًا يتم بالمرأة التى ترتدى البرقع، يحرص على الصلاة فى المسجد أو الكنيسة ولكنه لا يعطى الناس حقوقهم، يُضمن كلامه آيات كريمة وأحاديث نبوية ولكنه يقبل المال الحرام،  وهناك نكتة معروفة عن الموظف الذى ذهبت إليه إحدى السيدات لقضاء حاجة لها وقدمت له مبلغًا ماليًا رشوة وقطعة شيكولاتة فرحب بالنقود ورفض الشيكولاتة لأنه صائم، والأمثلة كثيرة عن هذا التناقض، والسؤال المهم: إذا كان من الممكن التعامل مع بوركينى الملابس واعتباره من الحرية الشخصية، ماذا نفعل مع بوركينى العقول؟.