الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله
المتعوس وخائب الرجا

المتعوس وخائب الرجا

لم أستغرب كما لم يستغرب غيرى التحالفَ «التركى- الإثيوبى»، الذى تزامَن مع التصعيد فى الأزمة الليبية وحشد أنقرة للمرتزقة فى محيط سرت، بالإضافة إلى إعلان إثيوبيا البدءَ فى ملء السد الإثيوبى،  قبل التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان؛ لتتأكد المؤامرة «التركية- الإثيوبية» ضد القاهرة، فما بين الأتراك والإثيوبيين يؤكد أن هناك تاريخًا طويلًا من المؤامرات التى تُحاك ضد مصر، بعد أن أوهمهم الأتراك أن السد سيحقق لهم التنمية المستدامة وسيجعلهم يقفون أمام مصر التى سبق أن اغتصبت منهم مياه النيل لعقود طويلة، وتركتهم يعانون الجفاف والفقر؛ لذلك جاء التعنت والرفض الإثيوبى واضحًا للعيان، ما أدّى إلى خروج وزير الرى الإثيوبى ليعلن البدءَ فى ملء السد (الذى عاد ونفاه بعد ذلك) وفى اليوم التالى مباشرة دفعت تركيا بالمرتزقة والميليشيات الإرهابية، فى ليبيا، للقتال ضد الجيش الليبى، فى محاولة للسيطرة على الهلال النفطى بمدينتَى سرت والجفرة، رُغْمَ تحذير الرئيس عبدالفتاح السيسى، بأن الاقتراب من سرت والجفرة خط أحمر بالنسبة للجيش المصرى (لما فى ذلك من تهديد للأمن القومى المصرى)، ولذلك فوَّضَه البرلمانُ الليبى بالدفاع عن بلاده ضد غزو الأتراك، الذين وقّعوا اتفاقية دفاع مشترك مع كتائب حكومة السّراج المشتراة بالمال تتيح لأنقرة التدخل المباشر فى ليبيا، واستخدام هذه الاتفاقية كغطاء رسمى وقانونى لنشاطات رَجُلها المريض غير القانونية فى المنطقة، وبالمنطق نفسه والأسباب والصفات نفسها وقّع اتفاقية أخرى مع إثيوبيا تتضمّن حماية السد من أى تهديد عسكرى،  وتسمح بالتعاون بين الدولتين فى مجال التعدين والكشف عن البترول والغاز الطبيعى، وبالطبع يقف خلفَ دعم هذا التعاون إسرائيل، الحليف العلنى لتركيا وإثيوبيا، وتدعمه ماليّا دويلة قطر وأميرها العابث بثروات الشعب القطرى؛ بهدف حصار مصر وتقليص دورها العربى والإفريقى والدولى.. مؤامرات ليس لها من آخر وليست وليدة اليوم أو الأمس، ولكن هيهات فمن قبلها أيضًا شهدت مصرُ الأزمة نفسَها والمؤامرات نفسَها إبّان الحروب الصليبية التى شنّها الغربُ طمعًا فى ثروات الشرق، على أن تكون مصرُ مقصدَهم هذه المرّة، فقد رغب ملوك الغرب فى محو آثار حروب صلاح الدين الأيوبى، واستعادة بيت المقدس مرّة أخرى من المسلمين، ولذلك دعا البابا أنوسنت الثالث فى عام ١١٩٨م إلى شن الحملة الصليبية الرابعة؛ حيث بحث قادة الحملات الصليبية عن حليف لهم لضمان الانتصار على القاهرة، ولم يجدوا أفضل من الحبشة، من خلال حصارها اقتصاديّا عن طريق حلفائهم الأحباش الذين يدينون بالمسيحية، بإغلاق البحر الأحمر من ناحية الجنوب بعد الاتصالات التى تمّت بين ملوك أوروبا وملك الحبشة الذى بادر وأعد جيشًا ضخمًا للهجوم على مصر من الجنوب تحقيقًا لهذا الغرض، كما يقول الدكتور «سعيد عبدالفتاح عاشور» فى كتابه (الحركة الصليبية- الجزء 2)، ولكنه لم يشارك فى أى معارك وعاد إلى بلاده بمجرد علمه بانسحاب جيوش الصليبيين التى كان من المقرر لها أن تغير على الإسكندرية، وفيما يتعلق بفكرة استخدام نهر النيل سلاحًا ضد مصر فيُسرد المؤرخ فى مؤلفه كيف بزغت فكرة (تعطيش مصر) وخنقها اقتصاديّا عقب الكشف عن طريق رأس الرجاء الصالح، ما أضر بالمكانة التجارية الفريدة التى كانت تتمتع بها دولة المماليك، ونشبت بعد ذلك حرب بين البرتغاليين والمماليك، ساعد فيها الأحباش البرتغاليين الذين يرغبون فى تجويع مصر والقضاء على أهلها بتحويل مجرَى نهر النيل فى الحبشة، وقد ظلت هذه الفكرة تراوُد عقول المتحمسين للحروب الصليبية حتى نهاية العصور الوسطى، حين أرسل «ألفونس» ملك أرغونة إلى ملك الحبشة سنة 1450م رسالة يطلب منه أن يعمل على تحويل مجرَى النيل ومهاجمة مصر من ناحية الجنوب، فى الوقت الذى يقوم «ألفونس» بغزو بلاد الشام، وهذا ما أكده أيضًا قائد الأسطول البرتغالى عندما اشتد الصراع بين المماليك والبرتغاليين، عندما طلب من ملك البرتغال إمدادَه بعدد من العمال المُدَرّبين على قَطع الصخور وحَفر الأرض، للعمل فورًا على تحويل مجرَى النيل لحصار مصر وتجويعها، وهو الحلم الذى راود ملوك أوروبا الطامعين فى ثروات الشرق، وهو الحلم نفسُه الذى ترسّخ داخل عقول الإثيوبيين ويحاولون تنفيذه حاليًا، ولكن عن طريق وضع يدهم فى يد الغُزاة الأتراك.. أزمات ومؤامرات عديدة شهدتها وستشهدها مصرُ، ولكن بحمد الله أمكنَ تخطيها، بفضل كسْب معركتَى الأمن والاقتصاد داخليّا وتلاحُم الشعب مع قيادته؛ لتنطلق بعد ذلك خارجيّا؛ حيث استعادت دورَها الإقليمى والدولى بمساهمتها فى نشر السلم والأمان ومكافحة الإرهاب العالمى، هذا بخلاف دورها التاريخى فى الوقوف إلى جانب أشقائها والدفاع عن المصالح والحقوق العربية، التى يحاول البعضُ اغتصابَها.