الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

عودة الأبطال الخارقين

من دون التنقيب عن تأريخية مُعَيّنة لفن «الكوميكس» لا أحد ينكر الحقيقة البديهية، وهى أن الولايات المتحدة تهيمن على مجال الخيال العلمى، ومجال صناعة «الكوميكس» أو القصص المصورة بالتحديد، سواء أكان أدبًا مطبوعًا أو سينمائيّا.



 

لقد شرع «الكوميكس» فى اكتساب دلالة ثقافية وشعبية أمريكية، ومؤخرًا أصبح يطلق عليها ومن دون مبالغة «الميثولوجيا الأمريكية»، وذلك بعدما كان الخيال العلمى مرتبطًا حصرًا بصنفى الرعب القوطى وأدب الفانتازيا، وبعدما كان لا يُؤخذ على محمل الجَد من «النخبة» الأمريكية، شأنه فى ذلك شأن فن «المانجا» اليابانى.   

 

 

بلا  شك، لا أحد ينكر أن السينما الأمريكية-التجارية بالأخص- تعتمد فى نجاحها على «الكوميكس»، التى تحولت إلى صناعة عملاقة تشمل أفلامًا سينمائية ومسلسلات وألعابًا وقصصًا مصورة.. إلخ، وتحتكرها شركتان بينهما صراع تاريخى، هما «دى.سى» و«مارفل»، فكلتاهما نقلت عوالمها الممتدة من «الكوميكس» إلى السينما، فبات هناك عالم «مارفل السينمائى»  MCU ، الذى انطلق رسميّا فى 2005م مع فيلم ( Hulk)، وانبثق عنه أكثر من 23 فيلمًا، أغلبها حقق نجاحات منقطعة النظير بأرباح فاقت 22 مليار دولار.

 

ولمّا كانت «مارفل» هى صاحبة تلك المبادرة، فقد اقتضت الضرورة أن تحذو «دى.سى» حذوها وتنقل عالمها الخاص DCEU من أوراق «الكوميكس» للشاشة الكبيرة، إلّا أن المفارقة كانت أن «دى.سى»  كان لديها مشروع عالمها السينمائى الخاص قبل «مارفل»، ومنذ عام 2002م، لكنه فشل وأصبح فى طى النسيان حتى جاء العبقرى البريطانى «كريستوفر نولان» وأحيا تلك الفكرة من جديد بعد نجاح ثلاثية (The Dark knight)، وشارك مع «زاك سنايدر» فى إنتاج وتأليف أول أفلام عالم DCEU، وهو فيلم  (Man of Steel )عام 2013م، لتبلغ حصيلة أفلام هذا العالم التى طرحت فى السينما حتى الآن 8 أفلام، آخرها كان (Birds of Prey ) عام 2020م. 

 

المفارقة الثانية هى أن حصيلة أرباح DCEU كانت قليلة للغاية مقارنة بعالم MCU؛ حيث بلغت نحو 6 مليارات دولار فقط، رُغم أن هناك إجماعًا بين الجمهور والنقاد على أن تراث «دى.سى» القصصى فى «الكوميكس» أكثر عمقًا وقيمةً من نظيره فى «مارفل»، فقد فشل مشروع «سنايدر» الإبداعى فشلًا ذريعًا وكُلّل بكارثة (Justice League )؛ حيث انسحب قبل طرح الفيلم بسبب انتحار ابنته، وتولى المخرج «جوس ويدن» دفة الإخراج، وهو ما أسفر فى النهاية عن فشل الفيلم فنيّا، وانسحاب النجمين «بين أفيلك» و«هنرى كافيل» من أداء شخصيتَى «باتمان» و«سوبرمان»، وتعثر أفلام كثيرة لطالما انتظرها الجمهور مثل (The Batman)  وسلاسل أخرى من (Justice League) والجزء الثانى من (Man of Steel). 

 

عكفت شركة «وارنر بروس» صاحبة علامة «دى.سى» التجارية، على إعادة ترتيب أوراقها بأن استغلت خلطة أحد أنجح أفلام مارفل ( Deadpool)، وطرحت أفلامًا بالنكهة الكوميدية نفسها حققت نجاحات كبيرة مثل (Aquaman وShazam وWonder Woman)، إلّا أن ذروة نجاح هذا العالم تحققت مع فيلم (Joker ) بطولة النجم الكبير «خواكين فينيكس» وإخراج «تود فيلبيس»، الذى رُغم أنه أكد أن الفيلم مستقل عن عالم  DCEU؛ فإنه ترك المجال مفتوحًا لهذه الاحتمالية.

 

واعتمدت تلك الآراء على أن «دى.سى» شرعت فى إعادة خَلق عالمها السينمائى من جديد واستنباط تقنية سردية لطالما اشتهرت بها القصص المصورة  لـ«دى.سى» و«مارفل»، ألا وهى الأكوان المتعددة أو Multiverse وهى تقنية شائعة جدّا فى أدب الخيال العلمى ويستعملها كثير من المؤلفين والمخرجين.

 

إن فكرة الأكوان المتعددة أعطت لكُتاب «الكوميكس»، مجال حرية أكبر حتى لا تتعارض الخطوط الدرامية مع بعضها، ولتفادى أيضًا بعض العثرات السردية مثل مقتل شخصية رئيسية، إضافة إلى تطوير حبكات وخلفيات درامية مغايرة لبعض الشخصيات الرئيسية، ويمكن فيها أيضًا خَلق أكثر من شخصية فى الوقت نفسه، بل وفى أحيانٍ كثيرة اشتركت «دى.سى» مع «مارفل» فى طرح أعداد يظهر فيها أبطال من العالمين، وهو ما يُعرف وسط جمهور  «الكوميكس» بـIntercompany crossover. 

 

وفى 2012م، كانت «دى.سى» قد طرحت عبر شبكة «سى.دبليو» التليفزيونية، مسلسل (Arrow)الذى يظهر إحدى الشخصيات الثانوية لفرقة العدالة وهو «أوليفر كوين»، وبَعدها بفترة طرحت مسلسلًا آخر على الشبكة نفسها هو (The Flash)، الذى يركز على شخصية «بارى آلان»، وفى 2015م طرحت شبكة «سى.بى.سى» مسلسل ( Supergirl)، ثم سرعان ما تقاطعت عوالم المسلسلات وانبثقت عنهم بشكل مطرد 4 مسلسلات أخرى، لتدخل كل هذه الأعمال تحت مظلة واحدة سمّاها الجمهور عالم Arrowverse، الذى امتد هو الآخر وشمل شخصيات شهيرة ظهرت فى مسلسلات منفصلة مثل شخصية «كونستانتين» و«لوسيفر» الذى لايزال يُعرض على شبكة «نتفليكس». 

 

استغلت «دى.سى» هذا العالم شديد التعقيد ونجاح تلك المسلسلات البسيط فى استقطاب جمهور سينما «الكوميكس»، فطرحت حلقات تقاطعت فيها عوالمها- السينمائية والتلفزيونية-كلها، وفاجأت الجمهور بظهور الممثل «براندون روث» الشهير بفيلم (Superman Returns) عام 2006م، والممثل «جون ويزلى شيب»، وهو أول من أدى شخصية «فلاش» فى التسعينيات، والنجم «توم ويلينج» الذى جسّد شخصية «سوبرمان» فى المسلسل الشهير( Smallville).

 

ومن هنا بدأت «دى.سى» فى إقحام هذا العالم داخل السينما وعالم  DCEU؛ حيث ظهرت فى Arrowverse لأول مرة شخصية  «فلاش» التى أداها «عزرا ميلر» فى فيلم (Justice League).

 

وهو الأمْرُ الذى استغلته الشركة جيدًا بأن أعلنت عن مشروع فيلم عملاق بطولة «ميلر» ويُدعى( The Flash )على أن يطرح فى 2022م، ثم أحدثت «دى.سى» مفاجأة مدوية لجمهور «الكوميكس»، وهو إعلانها دخولها مفاوضات مع العملاق «مايكل كيتون» لتجسيد «بروس واين» أو«باتمان»، وهو أول من جسّد هذه الشخصية على شاشة السينما فى التسعينيات فى ثنائية «تيم بيرتون» الشهيرة.

 

وانتشرت أيضًا أنباء شبه مؤكدة عن أن «دى.سى» و«وارنر» تخوضان محادثات مع «كيتون» لتقديم النسخة الروائية من فيلم التحريك (Batman Beyond)؛ حيث يُجسّد فيه «كيتون» دور «بروس واين» العجوز الذى يتولى تدريب شاب ليصبح هو «باتمان»، وذلك بالتزامن مع مفاوضات دخلتها مع النجم العملاق «جونى ديب» لتأدية دور «الجوكر»، سواء فى هذا الفيلم أو فى ثلاثية (The Batman) المنتظرة التى يتولاها المخرج «مات ريفز»، ويؤدى فيها النجم البريطانى «روبرت باترسون» دور البطولة. 

 

الأسبوع الماضى، أعلنت عملاقة الإنتاج التليفزيونى «إتش.بى.أو» أنها وقّعت عَقدًا مع «تيريس وينتر» صاحب المسلسل الأسطورى (Boardwalk Empire ) لتطوير مسلسل يركز على مدينة جوثام، التى يعيش فيها «باتمان»، أو نسخة الشخصية التى يؤديها «باترسون». ولم يتوقف الأمرُ عند هذا الحد، إذ أعلنت الشركة مؤخرًا عن تحقيق حلم لطالما انتظره الجمهور، وهو عرض النسخة الأصلية من فيلم (Justice League) الشهيرة باسم  Snyder Cut؛ حيث قالت إنها اتفقت مع «زاك سنايدر» لإعادة طرحها عبر «إتش.بى.أو»، وبالفعل أعلن «سنايدر» عودة «بين أفليك» و«هنرى كافيل» لإعادة تصوير معظم مَشاهد الفيلم الذى سيطرح رسميّا عام 2021م بميزانية تبلغ 30 مليون دولار، وهو ما أعاد آمال ظهورهما فى أدوار أخرى ضمن عالم  DCEU. 