الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

6 استراتيجيات أمريكية للقضية السورية.. مُعدة منذ 8 سنوات!

فى الوقت الذى يركز فيه العالم على انتشار فيروس كورونا (COVID-19)، انشغل، أو تناسَى البعضُ، أن «تركيا» أعلنت حربًا منذ أسابيع قليلة، وغزت الأراضى السورية، بعد أن أرسلت قواتها إلى ملاذ «إدلب» الإرهابى، المدينة التى عكف الجيش السورى على تحريرها منذ فترة، وأن «أنقرة» صارت تنقذ الإرهابيين المحاصرين هناك. بينما صعَّدت إسرائيل من هجماتها على «سوريا»، بادعاء أنها تستهدف الأصول الإيرانية داخل الأراضى السورية. رُغم تأكيد عدد من الصحف أن قوات الاحتلال الاسرائيلى تهاجم قوات تساعد «سوريا» فى الحرب ضد الإرهاب. ومع مهاجمة «تركيا» من الشمال، وإسرائيل من الجنوب الغربى، وبالطبع وجود قوات أمريكية فى الشمال الشرقى، تواجه «سوريا» الآن حربًا متعددة الجبهات.



 

 

كانت «روزاليوسف» قد نشرت على صفحات «سرّى للغاية» تقريرًا منذ قرابة عامَين، أوضح أن دوامة الصراع الذى لا ينتهى داخل الأراضى السورية، كان مخططًا مُعد منذ عهد إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق «رونالد ريجان» فى أوائل الثمانينيات، وفقًا لعدة وثائق - تم نشرها- من الأرشيف القومى للولايات المتحدة. 

 

وفيما ركز تقرير «سرّى للغاية» المنشور منذ أبريل 2018م، على نشر تفاصيل ما احتوته تلك الوثائق الأمريكية، التى كانت توضح كيف خططت «واشنطن» لخَلق فوضى داخلية بين الفصائل المختلفة فى «سوريا»، والتى بالأساس «وكالة المخابرات المركزية» (CIA)، لم يتم ذكْر سوى سطور قليلة عن وثيقة مهمة، بعنوان: «استدعاء القوى المناسبة لتحمُّل الأوضاع فى سوريا». بسبب شطب معلومات كثيرة من هذه الوثيقة. إذ كانت المعلومات المتاحة فيها، هو: انزعاج «واشنطن» من نظام الرئيس السورى الراحل «حافظ الأسد». وأن «دمشق» تقف عائقًا أمام طموحات «الولايات المتحدة الأمريكية» فى المنطقة، وتهدد أمن إسرائيل.. خاصة، وأن «الأسد» (الأب) كان على دراية تامة بالتحركات الأمريكية، والإسرائيلية. وعليه، تم التخطيط - من بين خطط تدمير «سوريا» الكثيرة، التى حدث أغلبها بالفعل- بأن تزداد الضغوطات على «سوريا» من خلال تنظيم تهديدات عسكرية متزامنة، من جانب ثلاث جهات، وكان من بينها «تركيا»، وإسرائيل.

 

ولكن، تفاصيل أكثر عن هذه المخططات الأمريكية، أوضحتها مذكرة أخرى مُطورة، نشرتها مؤسّسة «بروكينجز» منذ عام 2012م، بعنوان: «مذكرة الشرق الأوسط رقم 21..إنقاذ سوريا: تقييم خيارات تغيير النظام». فلم تتوقع وثيقة المخابرات الأمريكية فى الثمانينيات الوجود الروسى فى هذه الساحة. وقد أخل التواجُد الروسى المؤثر- بالفعل- بالخطة الأمريكية قليلًا. وعليه، انتبهت، بل قيّمت مذكرة مؤسّسة «بروكينجز»، أثناء رسم الخطة الاستراتيجية الأمريكية، الوجود الروسى فى هذه الساحة، الذى تحاول الإدارة الأمريكية الحالية مواجهته بشتى الطرُق. 

 

المثير للريبة، هو أن ما كُتِبَ من استراتيجيات فى المذكرة، يفسر ما يحدث على الساحة السورية، سواء فى المرحلة الحالية أو ما قبها. فقد احتوت المذكرة على ست استراتيجيات، تتيح لصناع القرار الأمريكى الاختيار من بينها، بما يتوافق مع الأهداف الأمريكية تجاه القضية السورية، والإطاحة بالرئيس السورى «بشار الأسد». 

 

إحدى الاستراتيجيات الست، المعنونة بـ«إكراه النظام عبر العقوبات، والعزلة الدبلوماسية»، ذكرت أن: «ستكون مشاركة «تركيا» حيوية للنجاح، ويجب على «واشنطن» أن تشجع الأتراك على لعب دور أكثر قوة من الدور الذى يلعبونه الآن...«أنقرة» فقدت كل صبرها على «دمشق»، وقد اتخذت خطوات ملموسة قليلة، من شأنها زيادة الضغط على «الأسد». إذ نجحت السياسة التركية تجاه المعارضة السورية فى تحقيق أهداف مشتركة مع الجهود الأمريكية، وذلك عبر تعزيز المعارضة كمنظمة وطنية واسعة وموحدة. وقد فضَّل النظام التركى جماعة الإخوان الإرهابية علنًا على جميع جماعات المعارضة الأخرى».

 

ثم أضافت، أن: «تحاول بعض الأصوات فى «واشنطن»، وتل أبيب، ما إذا كان يمكن لإسرائيل أن تساهم فى إجبار النُّخُب السورية على إزاحة «الأسد». فلدى الإسرائيليين أكثر الأجهزة المخابراتية قوة فى المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع أجهزة المخابرات الإسرائيلية بمعرفة قوية بـ«سوريا»، فضلًا عن أصول داخل النظام السورى يمكن استخدامها لتخريب سُلطة النظام، وممارسة ضغوطات من أجل إزاحة «الأسد». ويمكن لإسرائيل أن تضع قوات على مرتفعات «الجولان»، أو بالقرب منها، تعرقل قمع قوات النظام السورى للمعارضة. وقد يثير هذا الموقف المخاوف فى نظام «الأسد» من حرب متعددة الجبهات؛ خصوصًا إذا كانت «تركيا» مستعدة لفعل الشىء نفسه على حدودها، وإذا كانت المعارضة السورية تتغذى على نظام ثابت من الأسلحة والتدريب. وقد تؤدى هذه التعبئة إلى إقناع القيادة العسكرية السورية بالإطاحة بالرئيس السورى، من أجل الحفاظ على نفسها».

 

كما أكدت أن هذا النهج يتطلب القليل من رأس المال السياسى فى الداخل، وأن (الصبر)، هو كلمة السّرّ لـ«واشنطن». موضحة أن الدولة السورية ستفقد سيطرتها على بعض أراضيها، وستقيم المعارضة بلا شك صلات مع أطراف خارجية، ويبقى النظام السورى فى صراع مع المعارضة. ولكنها، حذرت من خطورة فشل هذه الاستراتيجية؛ لأنها سوف تضر بمصالح «الولايات المتحدة» فى جميع أنحاء المنطقة، وأنه يمكن قراءة بقاء النظام السورى على أنه انتصار لـ«إيران»، وجبتها (الرافضة).

 

وهناك استراتيجية أخرى من بين الاستراتيجيات الست بعنوان: «تسليح المعارضة السورية للإطاحة بالنظام»، تفاصيلها ليست بعيده عن المَشهد السورى أيضًا. فقد أوضحت المذكرة أنه إذا تبنّت «الولايات المتحدة» سياسة تسليح المعارضة؛ فإنه من الضرورى اتخاذ خطوة أولية، وهى جعل المعارضة أكثر تماسكًا، عبر احتواء تلك الهياكل القبلية، والدينية، والمجتمعية فى «سوريا»، ومعرفة انتماءاتهم. ثم استخدام (المال، والاعتراف، والأسلحة)، كحافز لدفع كل من - ما يُعرف- الجيش السورى الحر، والمجموعات السياسية المعارضة السورية، مثل: «المجلس الوطنى السورى (SNC)، للعمل معًا. 

 

ثم أكدت المذكرة مَرّة أخرى على ضرورة الدعم التركى، باعتباره أمرًا حيويّا لهذا الخيار. فيتعين على هؤلاء الحلفاء توفير قواعد آمنة للمعارضة على حدود «سوريا»، وأن تستطيع جيوشها القيام بالكثير من المهام فيما يخص التسليح والتدريب، بالتعاون مع «الولايات المتحدة». كما يمكن لأجهزة المخابرات فى المنطقة، بما فى ذلك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن تعمل خلف الكواليس لتقويض نظام «الأسد»، وتعزيز المعارضة. 

 

ولكنها، حذرت من تردُّد «أنقرة» فى استضافة جيش معارضة سورى يشارك فى عمليات واسعة النطاق؛ لأنها قد تخشى من الانتقام السورى فى صورة الإرهاب، أو دعم الاضطرابات داخل الأراضى التركية. وعليه، أوصت المذكرة بضرورة التأكيد على هؤلاء الداعمين الخارجيين، بأن تلك المخاطرة تستحق الجهد المبذول، إذ سيحتاجون إلى توفير المساعدة الأمنية. كما حذرت أيضًا من مخاطر هذا السيناريو، مثل: مرحلة ما بعد نجاح المعارضة فى إسقاط النظام السورى، إذ تعد المعارضة من الأساس مختلفة فيما بينها فى المعتقدات والأفكار، ومع وجود أسلحة، فقد يتحول الأمر لسيناريو أسوأ.

 

إحدى الاستراتيجيات الأخرى، وهى استراتيجية «المشاركة فى جهد متعدد الأطراف بقيادة حلف (ناتو) لإسقاط «الأسد»، وإعادة بناء «سوريا»، شددت أيضًا على ضرورة الدور التركى أيضًا، بأنه يجب أن تكون على استعداد لتوفير القاعدة اللوجستية، والكثير من القوات البرية للعملية. مؤكدة أن «تركيا» هى أفضل مكان، مقارنة بأى دولة للتدخل فى «سوريا»، وذلك؛ لأنها- من وجهة نظر الباحثين- تمتلك جيشًا كبيرًا ذا قدرة معقولة، وأن لها مصالح حيوية فى «سوريا». ولكنها، سوف تحتاج إلى مساعدة مالية، وتغطية متعددة الأطراف.

 

وكان من ضمن الاستراتيجيات المثيرة للقلق، استراتيجية بعنوان: «الانخراط فى حملة جوية، تشبه تلك التى نُفّذَتْ فى «ليبيا»، من أجل مساعدة قوات المعارضة السورية على الفوز». ويُعد السبب وراء التفكير فى هذه الاستراتيجية، هو الخوف من عدم قدرة المعارضة السورية على إسقاط نظام «الأسد». 

 

وعليه، تساءل باحثو هذه المذكرة، ما إذا كانت «الولايات المتحدة»، والدول الحليفة قد توفر الدعم الجوى، بالإضافة إلى الأسلحة والتدريب، كما فعلت «الولايات المتحدة»، من أجل التحالف الشمالى لدولة «أفغانستان» فى عام 2001م، وحلف (ناتو) من أجل المعارضة الليبية فى عام 2011م. وقد برَّرَ الباحثون- من وجهة نظرهم- أن بهذه الطريقة تكون «الولايات المتحدة» تخوض حربًا (نظيفة)، وتترك الأعمال القذرة على الأرض للجيش السورى الحُر!! 

 

كما رأوا أن هذه الاستراتيجية تُجنب «واشنطن» أى التزام ببناء الدولة السورية على غرار دولة «العراق»، إذ ستكلف عملية إعادة الإعمار تكلفة عالية، ومدة طويلة بعد الحرب، فضلًا عن التجارب غير السارة الواضحة فى «العراق» و«أفغانستان». ناهيك أنه رُغم ضعف القوات المسلحة السورية مقارنة بالقوات الأمريكية؛ فإنها أظهرت قدرًا أكبر من الكفاءة والتماسُك، مقارنة بقوات الرئيس الليبى الراحل «معمر القذافى».

 

أمّا ضمن الاستراتيجيات المستبعَدة قليلًا، أو غير المفضَّلة، استراتيجية «غزو «سوريا» بالقوات التى تقودها «الولايات المتحدة»، وإسقاط النظام مباشرة». ولكن، نبّه الباحثون إلى عدم مناصرة أى طرف- وقت نشر المذكرة- لغزو «سوريا»؛ خصوصًا أن الغزو الأمريكى فى الشهور الأولى سيتطلب إرسال من 200 ألف إلى 300 ألف جندى على الأقل، بتكلفة قد تتجاوز 300 مليار دولار فى العام. 

 

ثم أكدوا أنه لكى تنجح هذه السياسة، من الضرورى شن مثل هذا الغزو من «الأردن»، أو «تركيا». وسيكون من الأفضل أيضًا، رُغم أنه ليس ضروريّا، الحصول على مساهمات من مجموعة واسعة من الدول الأوروبية، ودول شرق آسيا؛ لأن ائتلافًا أكبر من شأنه إضفاء شرعية على المخطط.

 

أمّا الاستراتيجية المستبعَدة الأخرى، التى اتفق الباحثون على فشلها، فهى استراتيجية «إزالة النظام عن طريق الدبلوماسية»،إذ أصر الباحثون أن الدبلوماسية وحدها لن تغير النظام السورى.

 

على كلٍّ، رجّح باحثو المذكرة أن صانعى السياسة الخارجية الأمريكية من المحتمل أن يجمعوا بين العديد من تلك الخيارات لتعظيم المكاسب الأمريكية، وتقليل الخسائر. مؤكدين أن خيارات الدبلوماسية، وتغيير نظام بالإكراه، سيكونان الأكثر عرضة للفشل، أو النجاح بشكل غير كامل. أمّا الاستراتيجيات الأخرى، مثل: تصرّف قوات المعارضة بمفردها، أو بدعم من «الولايات المتحدة»، ليمارسوا ضغطًا أكبر على «الأسد»، فسوف تكون مكلفة. فى حين أن الغزو الأمريكى، غير مرغوب فيه فى الأوراق السياسية فى «الولايات المتحدة»، ولن تتم المطالبة به من جانب السوريين.

 

كما أكد الباحثون أن المعارضة السورية، هى التى ستلعب دورًا أكبر، حتى لو كان هناك تغيير محدود للنظام، ولكن على الأقل ستسقط حكومة «سوريا» فى حالة سقوط «الأسد»، وأتباعه بالكامل. أخيرًا، يُعد الحلفاء الإقليميون للولايات المتحدة؛ خصوصًا «تركيا»، أمرًا حيويّا، إذ سيلعبون دورًا رئيسيّا فى تحديد مدَى تشديد العقوبات، ودرجة العزلة التى يشعر بها النظام، بسبب قربهم من «سوريا»، وهى نقطة- من وجهة نظرهم- ضرورية أيضًا فى العديد من الخيارات العسكرية. وفى النهاية، نصحوا صانعى السياسة الأمريكية بالانتباه إلى أنه من الممكن للعديد من تلك الخيارات- من الناحية العملية- أن تنزلق بسهولة إلى بعضها البعض. وفى الواقع، من المحتمل أن يمزج صانعو السياسة بين مكونات كل منها ليُشكلوا خيارات جديدة.