الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

3 كتب تزيف تاريخ مذابح الأرمن!

«اكذب.. ثم اكذب.. حتى يصدقك الناس» يبدو أن كلمات وزير الدعاية النازية، جوزيف جوبلز، وجدت نازيًا آخر يروّجها، ويتبع خطاه فى أنقرة.. ومن الهولوكوست النازى.. إلى مذابح الأرمن لم تتغير سوى الوجوه فقط.. إذ هذه المرة قرر أصحاب الخلافة المزعومة تمرير تاريخ مزيف لجرائمهم.



 

عادت محاولات التنصل من الجريمة الإنسانية فى حق الأرمن، ما يتطلب وقفة جادة لإظهار ما ورد فى التاريخ من حقائق.. إذ تبنى مجلس الشعب السورى بالإجماع فى جلسته العاشرة، أمس الأول، قرارا يقر جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الأرمن على يد الدولة العثمانية، بداية القرن العشرين.

 

ويدين مجلس الشعب السورى أى محاولة لإنكار هذه الجريمة وتحريف الحقيقة التاريخية حولها، مؤكدًا أن هذه الجريمة هى من أقسى الجرائم ضد الإنسانية وأفظعها.

 

كما تؤكد الدولة المصرية طوال الوقت، وفى عدد من المحافل الدولية، على إدانة المذبحة التى تعتبر جريمة واضحة فى حق الإنسانية، إذ أدان الرئيس السيسى، فى مؤتمر ميونخ قبل شهور، جرائم الدولة العثمانية ضد الشعب الأرمنى،  مؤكدًا على الدور المصرى فى استقبال اللاجئين من الأرمن وقتها.

 

لكن تبقى المواجهة مستمرة ومحاولات تزييف التاريخ قائمة، فأثناء تجولك فى مكتبات القاهرة تجذب انتباهك بعض عناوين الكتب التى تشترك جميعا فى تزييف ما حدث للأرمن وقلب الصورة رأسًا على عقب.

 

جميع هذه الكتب صادرة عن دور نشر غير مصرية، ويتم توزيعها فى المكتبات المصرية، ويروجها أصحاب المكتبات باعتبارها رؤية أخرى للتاريخ.. من هذه العناوين على سبيل المثال «أكذوبة إبادة الأرمن فى الدولة العثمانية.. حقائق التهجير والتوطين والعودة» الصادر عن مركز التاريخ العربى للنشر،  «أمريكا والبروباجندا الأرمنية» و«مذابح الأرمن ضد الأتراك» الصادران عن دار البشير.

 

تخدم تلك المؤلفات المشروع التركى،  الذى ينتظر بفارغ الصبر عام 2023   موعد انتهاء معاهدة لوزان التى وضعت الحدود الحالية لتركيا بعد سقوط الدولة العثمانية مترامية الأطراف، وتم توقيعها فى مدينة لوزان السويسرية قبل مائة عام، وتسعى جاهدة لتمرير فكرة أنها لم تعد ملزمة قانونيا بحدودها ولا بأس فى تغييرها والتوسع الجغرافى على حساب الدول المجاورة.

 

لتصبح تلك الكتب فرصة لتزييف التاريخ وغسل سمعة الأتراك، من جريمة إبادتهم للأرمن والتى تعد واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية فى القرن العشرين، ربما لا تتفوق عليها فى الدموية إلا مذابح ألمانيا النازية ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

 

ردًا على ما ورد فى هذه الكتب، يقول على ثابت صبرى، الباحث فى التاريخ الحديث والمعاصر والمتخصص فى الدراسات الأرمينة، إن التخبطات التركية ما زالت مستمرة حتى بعد إجهاض وفشل المشروع التركى المزمع تنفيذه خلال عام 2023.

 

وعن الدوافع الحقيقية وراء وجود تلك المؤلفات فى المكتبات وإصدارها بشكل مستمر، أشار الباحث إلى أنها تخدم مشروع الخلافة المزعوم وبث تلك الأفكار فى العالم العربى، وهو ما تمثل فى تأسيس واختراق دور للنشر ومجتمعات أكاديمية، تمخض عنها دراسات وكتابات ذات توجهات عثمانية، لتمجيد الفترة العثمانية باعتبارها حامية الإسلام.

 

محاولة تنقيح التاريخ العثمانى تأتى على خلاف الحقيقة،  بحسب ما يقول «صبرى»، إذ كانت الدولة العثمانية سبباً رئيسياً فى تأخر عالمنا العربى لقرون، مشيرًا إلى ما كتبه المفكر جمال حمدان، فى كتابه العالم الإسلامى المعاصر «أن العثمانيين وهم يرون أمجادهم تتساقط واحدة تلو الأخرى، لم يجدوا بداً من ابتزاز الدين لحساب السياسة - فى صورة الجامعة الإسلامية - ليضمنوا بقاءهم السياسى، بل عمدت الإدارة العثمانية أحياناً فى النهاية إلى أن توهم الغرب الذى كان يتصور أن الخلافة هى بابوية الإسلام».

 

خيط رفيع يربط بين هذه المؤلفات وأحلام تركيا بإلغاء معاهدة لوزان، يرى الباحث فى التاريخ الأرمنى موقع القضية الأرمنية فى الخارطة العثمانية الجديدة بعد الاعترافات الدولية المتوالية، أن ما حدث للأرمن إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية، نظراً لأن الملف الأرمنى يُمثل قنبلة موقوتة تدمر مشروع العثمانية الجديدة فى أى لحظة.. لافتًا إلى أنه إن ألغت تركيا معاهدة لوزان، فإن الأرمن لهم أراضٍ تاريخية فى شرق الأناضول، لذا تسعى الإدارة التركية لتشكيل رأى عام عربى يُناهض الاعترافات الدولية من خلال دعم دراسات موجهة تفند كذباً القضية الأرمنية.

 

رواج الكتب التى ترى من مذبحة الأرمن كذبة تاريخية، يرجع إلى أن معظمها يأتى فى صورة الدراسات التى تضفى عليها صبغة البحث العلمى،  ما يجعلها تجد صدى لدى القراء، ردًا على ذلك يقول «صبرى» إن أغلب هذه الدراسات مبنية على الوثائق الأرشيفية للدول التى اشتركت فى الحرب العالمية الأولى، سواء من حلفاء الدولة العثمانية أو أعدائها، رصدها ودونها مراسلو صحف وقناصل وساسة أغلبهم من المتحاملين ضد الإسلام، فى محاولة فاشلة لإعطاء صبغة دينية لمشكلة مزمنة قوامها التطهير العرقى ثم الإبادة سعياً للاستيلاء على الأراضى التاريخية الأرمنية، لتؤكد الهدف من جمعها بهذا الشكل لتخدم توجها معينا لإخراج الملف الأرمنى بعيداً عن الطموحات التركية فى 2023، لأن القضية الأرمنية وتاريخها أمر لا ينكره عاقل.

 

مشيرًا إلى أنه بالرجوع لمجلدات (القضية الأرمنية فى الصحافة العربية 1876-1923) نجد الردود الوافية على المدافعين عن الدولة العثمانية فى جرائم الأرمن، من واقع ما تركه الكتاب والمحللون والمراسلون الذين عاصروا الأحداث ودونوا ما حدث للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى والأربعة عقود السابقة عليها على يد الدولة التركية.

 

الفريق البحثى الذى ترأسه الأستاذ محمد رفعت الإمام، الباحث فى تاريخ الأرمن، رصد الواقعة التاريخية من خلال متابعة خط سير القضية، بكل مراحلها فى الصحف والمذكرات الشخصية ووثائق مزامنة للحدث، تتضمن  أدلة على الجريمة العثمانية، وتناولها فى 36 ألف نص مستوفى من 253 دورية، تم جمعها فى 12مجلداً وصدرت عن جمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة.

 

كما وثق «الإمام» فى عدد من المؤلفات بالأدلة التاريخية، واقعة مذبحة الأرمن وجرائم الدولة العثمانية منها «القضية الأرمنية فى الدولة العثمانية»، «الأرمن فى مصر»، «الأرمن والغرب والإسلام، «نفى الآخر». وتعكس هذه المجلدات كل الوقائع إما فى قالب إخبارى وإما قوالب الرأى والرأى الآخر، توثيقًا لعدد كبير من الكتابات والشهادات لمعاناة الأرمن فى الفترة العثمانية بشكل موضوعى.

 

بالرجوع لوثائق تلك الفترة نجد أن المواقف المصرية كانت الواضحة تجاه ما حدث للأرمن، ومنها فتوى الشيخ سليم البشرى شيخ الجامع الأزهر التى نشرت فى جريدة المقطم بحرمة قتل المسيحيين فى «أضنة» عام 1909 والتى كان لها صدى كبيرا فى وقف تلك المذابح، وموقف حكومة سعد باشا زغلول من الأيتام الأرمن، بالإضافة لأن أول كتاب وصف ما حدث للأرمن صدر بمصر للمحامى السورى المسلم فايز الغصين بعنوان (المذابح فى أرمينيا) 1917 يروى فيه شهادته عما عايشه من حوادث قتل الأرمن على يد الأتراك.

 

الرد العربى كان واضحًا، إذ صدر مرسوم الشريف حسين فيما يخص إيواء العرب للأرمن المشردين من رحلات الموت فى صحراء دير الزور وتقديم العون لهم، ليمثل دليلًا دامغاً على الوقفة التاريخية من جميع الدول العربية بجانب الأرمن بعد تعرضهم للظلم التركى العثمانى.

 

ومن داخل تركيا تمثل الدراسات الوثائقية التى قام بها المؤرخ التركى تانير أكجام «شرلوك هولمز القضية الأرمنية» نقطة تحول محورية فى مسار الإنكار التركى، والتى تمتاز عن وجهة نظر الباحث على صبرى باعتمادها على الوثائق التركية بشكل كبير، وكشف محاولات الإخفاء والتدمير التركى للوثائق التى تخص هذه الفترة، فالجرائم التركية لن تسقط بالتقادم، وكما يقول المثل التركى «للحقائق عادة سيئة وهى أنها فى نهاية المطاف تأتى تحت النور».