الولايات المتحدة وإسرائيل يدعمونهم لمعرفتهم بتضاريس إيران
الأكراد ورقة استراتيجية فى صراع النفوذ الإقليمى
آلاء شوقى
وسط تصاعد التوترات بوتيرة متسارعة فى «الشرق الأوسط» كشفت تصريحات الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»- منذ أيام- عن موقف متناقض فى الرؤى الأمريكية تجاه الأكراد الإيرانيين؛ إذ قال إن «الولايات المتحدة» لا ترغب فى إشراك القوات الكردية المسلحة فى مواجهة «إيران»، مناقضًا بذلك تصريحات سابقة أيد فيها ضرورة مشاركتهم، ومناقضًا- أيضًا- تقارير سابقة أفادت بأن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تبذل مجهودا لتسليحهم على أمل إشعال انتفاضة، وفقاً لشبكة (CNN).
هذا التضارب يعكس الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية حول المخاطر المحتملة لأى خطوة كردية مسلحة، وسط إصرار وإلحاح إسرائيلى على دفع «واشنطن» نحو تصعيد الأزمة ضد «طهران».
ومع هذا التوتر، أصبح من الواضح أن الأكراد الإيرانيين باتوا يمثلون ورقة استراتيجية حساسة، قد تؤثر تحركاتهم على الموازين العسكرية والسياسية داخل «إيران»؛ وقد يكون دعمهم أو تحركهم العسكرى محورًا لتغيير المشهد الإقليمى، ما يسلط الضوء على ضرورة معرفة قدراتهم، وأهدافهم، والدور الذى يمكن أن يلعبوه فى تعزيز الضغط على النظام الإيرانى.
أكراد «إيران»
قبل الحديث عن أكراد «إيران»، من الضرورى الإشارة إلى أن الأكراد هم أقلية عرقية تتميز بلغتها وثقافتها، ويتركزون بشكل رئيسى فى كل من: غرب «إيران»، وشمال «العراق» فى إقليم «كردستان-العراق»، وجنوب شرق «تركيا»، وشمال شرق «سوريا».
وفيما يخص أكراد «إيران» تحديدًا، فأوضحت «جيسو نيا»، مديرة مشروع التقاضى الاستراتيجى فى (المجلس الأطلسي)، وعضو مجلس إدارة مركز توثيق حقوق الإنسان فى «إيران»، أن الأكراد يشكلون ما بين 10 و12 فى المئة من سكان «إيران»، حيث عاشوا فى المناطق الغربية للبلاد منذ أكثر من 4 قرون.
وأكدت أن العلاقة بين الأكراد والدولة الإيرانية اتسمت بالتوتر عبر فترات طويلة من التاريخ، حيث سعى الأكراد إلى الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتى فى ظل دولة مركزية قوية.. واستمرت هذه المطالب خلال حكم أسرة «بهلوى»، ثم تجددت بعد قيام النظام الجديد عام 1979.
وأشارت الباحثة إلى دعم الكثير من الأكراد - فى البداية - الثورة الإيرانية على أمل أن تفتح الباب أمام حكم محلى أوسع؛ غير أن العلاقة بين الطرفين سرعان ما انهارت، بعد فشل المفاوضات بشأن الحكم الذاتى؛ مضيفة أن التوتر بلغ ذروته، عندما أصدر المرشد الأعلى السابق «روح الله الخمينى» فتوى فى أغسطس 1979 تدعو القوات الإيرانية إلى سحق التمرد الكردى، وهو ما أدى إلى موجة من العنف والإعدامات التى طالت عشرات الأكراد.
أهداف الأكراد
فى هذا السياق، قال «يريفان سعيد» كبير الباحثين فى (مبادرة العراق) ضمن برامج الشرق الأوسط فى (المجلس الأطلسى)، ومدير المبادرة الكردية العالمية للسلام فى الجامعة الأمريكية: إن الحركات السياسية الكردية فى «إيران» ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تضم عدداً من الأحزاب ذات التوجهات الأيديولوجية المختلفة.
وأوضح أنه فى فبراير الماضى، أعلنت 5 أحزاب كردية رئيسية تشكيل تحالف سياسى وعسكرى، انضم إليه لاحقاً حزب سادس، بهدف تنسيق العمل ضد النظام فى «طهران»؛ ومن أبرز هذه القوى (الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى)، وهو أحد أقدم الأحزاب الكردية، إلى جانب تنظيمات أخرى مثل (حزب الحياة الحرة الكردستانى)، المرتبط تاريخياً بحزب (العمال الكردستانى) فى «تركيا»، إلى جانب تنظيمات أخرى مسلحة.
وأكد «سعيد» أن الهدف المعلن للتحالف يتمثل فى إسقاط النظام القائم فى «إيران»، وتحقيق حق تقرير المصير للأكراد؛ إلا أن طبيعة هذا الهدف تظل محل جدل، إذ تؤكد بعض الجماعات أنها لا تسعى إلى الانفصال الكامل، بل إلى حكم ذاتى واسع داخل الدولة الإيرانية.
ثم أشار إلى تمركز هذه الجماعات -فى الغالب- داخل إقليم «كردستان-العراق»، وهو ما يجعل أى عمليات عسكرية محتملة تعتمد على العبور من الأراضى العراقية؛ مؤكدًا أن هذا الوضع يضع القيادات الكردية العراقية أمام معضلة سياسية معقدة، إذ تواجه ضغوطاً من القوى الدولية، وفى الوقت نفسه تحاول تجنب الصدام مع «إيران».
الهجوم الكردى
رأى «نيت سوانسون» مدير مشروع (استراتيجية إيران) فى (مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط) بالمجلس الأطلسى، والذى عمل منذ عام 2015 مستشاراً لشئون «إيران» لدى إدارات أمريكية متعاقبة، وكان آخر منصب شغله مديراً لشئون «إيران» فى مجلس الأمن القومى، أن أى تحرك عسكرى كردى داخل «إيران» قد يحمل تداعيات سياسية وإعلامية كبيرة داخل البلاد.
وأوضح «سوانسون» أن مثل هذا التمرد قد يمنح السلطات الإيرانية فرصة لتعزيز خطابها القائم على الدفاع عن وحدة الدولة فى مواجهة -ما تصفه- بالتدخلات الخارجية؛ مضيفاً أن «إيران»، التى تمتد جذور دولتها إلى قرون طويلة، وتحافظ- تاريخيًا- على وحدة أراضيها، قد تستثمر أى تمرد ذى طابع عرقى، من أجل تعزيز الشعور القومى، وتعبئة قطاعات من المجتمع خلف الدولة.
واعتبر أن هذا السيناريو قد يؤدى لإضعاف بعض أطراف المعارضة الداخلية، إذ قد يُنظر إلى أى عمل مسلح فى ظل صراع خارجى على أنه تهديد لوحدة البلاد؛ قائلاً، إنه: «رغم أن مثل هذه العمليات قد تستنزف جزءاً من القدرات العسكرية الإيرانية، فإن تأثيرها المباشر على موازين القوى على الأرض قد يظل محدودًا؛ بينما يبقى احتمال تصاعد التوترات الداخلية، أو انزلاقها إلى صراع أوسع قائمًا فى حال توسعت المواجهات».
تسليح أكراد «إيران»
فى هذا السياق، اعتبرت «فيكتوريا تايلور»، مديرة مبادرة العراق فى (برامج الشرق الأوسط) بالمجلس الأطلسى، ونائبة مساعدة سابقة لوزير الخارجية الأمريكى لشئون «العراق، وإيران»، أن مصالح الأكراد فى «العراق» تختلف فى كثير من الأحيان عن مصالح نظرائهم فى «إيران»؛ موضحة أن الأولوية الرئيسية لدى حكومة إقليم «كردستان-العراق»، هى الحفاظ على الاستقرار الداخلى، وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع «إيران»، التى تملك نفوذاً سياسيًا وعسكريًا كبيرًا فى المنطقة.
كما أشارت إلى نفى حكومة الإقليم فى «أربيل» مراراً دعم أى خطة لتسليح المعارضة الكردية الإيرانية؛ مشددة على أن الإقليم ليس طرفاً فى الحرب؛ منوهة- فى هذا الصدد- إلى شن «إيران» سابقاً ضربات صاروخية داخل «أربيل»، كان أبرزها الهجوم الباليستى الذى استهدف الإقليم عام 2024، ما جعل القيادات الكردية العراقية أكثر حذرًا من أى خطوة قد تستفز «طهران».
انضمام الأكراد إلى القتال
أوضح «يريفان سعيد»، أن دخول الأكراد الإيرانيين فى صراع مسلح قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود «إيران» نفسها؛ مرجحًا تحول إقليم «كردستان- العراق» إلى ساحة توتر أكبر، خاصة إذا استخدمت أراضيه قاعدة لعمليات عسكرية عبر الحدود، ما قد يؤدى إلى تصعيد الضربات الإيرانية ضد مواقع داخل الإقليم.
كما أشار إلى «تركيا»، التى تضم أكبر تجمع كردى فى المنطقة، التى تراقب التطورات بحذر شديد؛ مؤكدًا أن «أنقرة» تنظر إلى الحركات الكردية المسلحة باعتبارها تهديدًا أمنيًا مرتبطًا بنشاط (حزب العمل الكردستانى)، الذى يخوض ضده صراعاً منذ عقود؛ أى تخشى «تركيا» أن يؤدى تصاعد النشاط العسكرى الكردى فى المنطقة إلى تشجيع الحركات القومية الكردية داخل أراضيها.
وقال «سعيد» إن أى مكاسب سياسية، أو عسكرية تحققها الجماعات الكردية فى «إيران»، قد تثير مخاوف «تركيا» من انتقال النزعة القومية الكردية إلى أراضيها أو إلى مناطق أخرى فى المنطقة.











