الأحد 21 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
«الدعم العينى والنقدى».. الاختيار الصعب فى بيوت المصريين!

«الدعم العينى والنقدى».. الاختيار الصعب فى بيوت المصريين!

سواء كان يقصد أو لا يقصد نَقَلتْ تصريحات الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية حوار الدعم العينى والدعم النقدى من قاعات الحكومة ومجلس الوزراء والبرلمان إلى الشارع، وهذا نقل صحى مئة فى المئة، فهو يوسع دائرة النقاش من الرسميين - سواء كانوا تنفيذيين - أو تشريعيين إلى الناس أصحاب المصلحة المباشرة، ليكونوا طرفًا فى الاختيار الصعب، وفعلًا بات المصريون يتحدثون عن الدعم ويسألون بعضهم بعضًا، لكن الأزمة أن الإعلام لا يناقش الموضوع بحقائق محددة، بل كفكرة فلسفية، والناس لا تستسيغ الفلسفة فى لقمة عيشها، وتعنيها الأرقام والأسعار، ولهذا استغلت شبكات التواصل الاجتماعى هذا الفراغ المعلوماتى وراحت تملأه بأرقام من عندياتها، ربما تكون صحيحة ومسربة إليها وهذا احتمال بعيد.



 

 قد تكون مجرد أمانى لإبلاغ الحكومة برغبات المستفيدين، وقد قدرت هذه الشبكات دعم الفرد ما بين 300 إلى 350 جنيهًا شهريًا، لتتراوح حصة الأسرة المكونة من أربعة أفراد من 1200 إلى 1400 جنيه، غير الدعم المخصص لرغيف الخبز، مع استبعاد أصحاب الدخول المرتفعة العاملين فى الحكومة والقطاع الخاص، الذين يحصلون على 24 ألف جنيه شهريًا فأكثر، أو يملكون سيارات فارهة أعلى من 1600 سى سى، أو موديلات 2016 فأحدث..الخ.

وتخيل بعض الناس أن الدولة ستصرف لهم هذا الدعم أموالًا سائلة فى أيديهم، مع أن المقترح أنه دعم رقمى، أى فى كروت ذكية محملة بهذا الرصيد المالى يشترون به سلعًا كما يشاءون دون تحديد نوع السلعة.

أيًا كانت الحقيقة وطريقة الدعم النقدى، فالمجتمع لا يتحدث عن مجرد بند جاف أو رقم حسابى عابر فى الموازنة العامة للدولة، بل يتحدث عن العصب الحى لما يزيد على نصف عدد المصريين، الذين يرتبط قوتهم اليومى بشكل ما بهذا الدعم، ويقدر عدد المستفيدين منه حاليًا بـ 68 مليون مواطن.

باختصار تقف الحكومة المصرية على أعتاب تحول جذرى بقرارها الانتقال التدريجى من نظام الدعم العينى إلى الدعم النقدى، وهو تحول يراه الرسميون سواء كانوا مسئولين مباشرين أو مستشارين اقتصاديين ضرورة ملحة لإيقاف نزيف الهدر وتحسين دورة الإنفاق وتقليل عجز الموازنة الدائم، لكن البعض يتخوف إلى حد ما أو إلى حد أبعد، ويطلب مزيدًا من التأنى والدراسة، خاصة أن موجة الغلاء العالمى تشبه حرائق الغابات الجافة تلتهم بشراهة «القيمة» الشرائية المكتوبة على الأوراق النقدية!

لكن الحكومة تملك مبررات قوية وحججًا لها أسانيد، وتدافع بها عن نياتها أمام الرأى العام، فالدعم العينى الحالى أقرب إلى مغارة على بابا التى يحرسها الأربعون (حرامي)، وسطاء فى المطاحن والمخابز والبقالات التموينية، وهى سلسلة يسقط فى عبها ما لا يقل عن 25% من ميزانية الدعم فى مصر، وهو رقم هائل، فالدعم السلعى والخبز وصل فى آخر موازنة إلى 160 مليار جنيه، وهو ما يعنى أن هناك 40 مليار جنيه سنويًا مهدرة على الوسطاء والسماسرة، وهو مبلغ يمكن أن يرفع مستوى معيشة أربعة ملايين مواطن بدرجة معقولة!

على الجانب المقابل يشعر المواطن المصرى البسيط بالخوف من التغيير، صحيح أن المصريين تقليديون يميلون دومًا إلى «اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش»، لكن خوفهم نابع من هبوط قيمة النقود يومًا بعد يوم، وأى رقم محدد فى «كروت الدعم» لن تثبت قدرته على شراء نفس الكميات من الزيت والسكر وخلافه، فى ظل أسعار متقلبة أدمنت القفز فى السنوات الأخيرة لأسباب كثيرة، وهذه الكروت هى بمثابة سيولة نقدية متوفرة فى أيدى مستهلكين، وسوف تترجم بالضرورة إلى زيادة الطلب، مما قد يشجع التجار على رفع الأسعار كما اعتادوا، خاصة أن الرقابة على الأسواق مصابة بزكام ورشح دائم أضعفا عملها على الضبط والربط.

وعمومًا حكاية الدعم العينى والدعم النقدى ليست جديدة على أهل مصر، وقراءة التاريخ تكشف أن البنية التموينية للدولة ارتبطت بحماية قوت الشعب، إذ تأسست وزارة التموين لأول مرة فى عام 1940، وتولاها سامى صليب باشا فى عهد الملك فاروق، لمواجهة الشح الحاد فى السلع ونقص الأغذية الناتج عن ظروف الحرب العالمية الثانية، ثم ظهرت أول بطاقة تموينية رسمية بعد أربع سنوات، لتنظيم توزيع السلع الأساسية ومكافحة الاحتكار وارتفاع الأسعار، أى أن أزمة السلع والأسعار والتموين قاربت على مئة عام، وهو ما يبين أن ثمة خللًا عميقًا فى التعامل مع كثير من الأزمات الحياتية، وأن المصريين يطاردونها للتخفيف والتعايش معها دون علاج جذري!

ومع قيام ثورة يوليو 1952 تحول الدعم العينى من خانة الإجراء الاستثنائى المؤقت إلى خانة العقد الاجتماعى المقدس بين الدولة والشارع، وأصبح توفير السلع الأساسية بأسعار زهيدة مدعمة من الدولة هو حجر الأساس فى مفهوم العدالة الاجتماعية وشرعية السلطة وانحيازها للفقراء والكادحين، دون النظر إلى معايير المكسب والخسارة المباشرة وعجز الموازنة، وكان ضرورة فى بناء الإنسان فى مجتمع أغلبه فقراء.

ولهذا المصريون حساسون جدًا كلما ارتفعت الأسعار أو كثر الحديث عن الدعم، فعدلت الحكومة فى التسعينيات من لغتها أو اخترعت مصطلحات جديدة، فحل تعبير «تحريك» الأسعار محل ارتفاعها، من باب التخفيف على مشاعر الناس دون جيوبهم!

ولا تقترب الحكومات المختلفة من ملف الدعم إلا بحذر شديد وبإجراءات تفسرها وتبررها وتعمل على أن يقتنع بها الناس، مثل تقليل وزن رغيف العيش، تعديل جودة السلع، تنقية البطاقات واستبعاد الفئات التى تحسنت أحوالها المادية، دون الاقتراب من الكتلة الأساسية.

هذا المسار ليس اختراعًا مصريًا على كوكب الأرض، بل هو مسار مشت عليه العديد من الدول التى تمر بظروف مشابهة، منها التجربة البرازيلية الفريدة فى عهد الرئيس لولا دا سيلف، عبر برنامج دعم اسمه «بولسا فاميليا» الذى أخرج ملايين البرازيليين من دائرة الفقر والعوز بشكل دائم، لأنه استثمر فى بناء الإنسان ورفع كفاءته البشرية ولم ينظر للدعم ككلفة مالية مجردة أو بند فى الموازنة يحتاج إلى تخفيض وترشيد رقمى، والبرنامج البرازيلى يمنح الفقراء دعمًا مشروطًا، كإلزام الأسر بإبقاء أطفالها فى المدارس بنسبة حضور عالية، استكمال برامج التطعيمات الطبية والرعاية الصحية للأمهات، التدريب على مهارات فنية معينة..الخ.

وهو عكس التجربة الإيرانية التى فشلت وتسببت فى مشاكل كثيرة داخل المجتمع الإيرانى، ففى عام 2014 ألغت الحكومة الإيرانية الدعم العينى للوقود والخبز والمواد الغذائية دفعة واحدة، وحولته مبالغ نقدية شهرية متساوية إلى حسابات المواطنين، فرح بها المواطنون فى أول التجربة حين وجدوا النقود فى أيديهم، لكن بعد بضعة أشهر حين التهم التضخم قيمتها، وزادت معدلات الفقر، حدثت موجة من الاحتجاجات هزت أركان المجتمع.

إن قراءة الواقع المصرى الراهن بكل تفاصيله وتشابكاته، ومن خلال تجاربه على امتداد مئة عام، التى بدأتها هيئات وإدارات تموينية قبل تأسيس وزارة التموين بخمسة وعشرين عامًا، تؤكد أن نجاح التحول نحو الدعم النقدى بالبطاقات الإلكترونية له شروط صلبة حاسمة لا تقبل التهاون أو الالتفاف حولها، أهمها توفير آلية تشريعية واضحة وملزمة تربط تلقائيا قيمة الدعم بمؤشر التضخم الرسمى وأسعار السلع الأساسية الصادر عن جهاز التعبئة والإحصاء، لضمان حماية القوة الشرائية الحقيقية للمواطن البسيط، مع تنشيط أجهزة حماية المستهلك ومنع الممارسات الاحتكارية وضبط الأسواق!

وحبذا لو بدأناها بتجارب استرشادية فى بعض المحافظات قبل تعميمها!