الأحد 14 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
من جيسى جيمس إلى نخنوخ..  حكاية شركات الحراسة الخاصة فى مصر!

من جيسى جيمس إلى نخنوخ.. حكاية شركات الحراسة الخاصة فى مصر!

دون سابق إنذار لم تعد قضية صبرى نخنوخ شأنا خاصا أو مسألة عابرة، بل تجاوزت الفرد إلى المجال العام، انتقلت من اسمه وتاريخه وتصرفاته، إلى شركات الحراسة الخاصة التى كان يرأس إحداها، فالمفترض أن هذه الشركات أداة حماية للمنشآت والأفراد، ولا يعقل أن يتهم رئيس واحدة من أكبرها، حسب بيان النيابة العامة، بـ«وقائع خطف مقترنة بهتك عرض، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدنى، وإكراه على توقيع أوراق، وحيازة أسلحة وذخائر بدون ترخيص وأدوات تعذيب، وأيضا حيوانات برية شرسة»!



لهذا حرصت النيابة أن تختم بيانها بعبارة حاسمة: «دولة القانون ماضية فى طريقها بكل حزم، وأن القانون فوق الجميع لا يعلو عليه أحد مهما بلغ شأنه، وأنها ستظل دائما ملاذا للجميع وحصنا منيعا يلجأ إليه كل صاحب حق، لتبسط الدولة هيبتها، وتصون حقوق المواطنين دون تمييز».

إذن نترك القضاء يأخذ مجراه، دون أن نعلق أو نفتى احتراما له، لكن علينا أن نسأل: ما هى حكاية شركات الحراسة الخاصة فى مصر؟

يبدو أن كل «جديد» تسبب لنا فى أزمة أو مشكلة أو عقدة أو فوضى سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا، تعود جذوره بطريقة أو بأخرى إلى السبعينيات، أى إلى ما بعد النصر المذهل الذى حققته مصر فى حرب أكتوبر 1973، وكأن مصر مقدر لها أن تدفع ثمن جسارتها وعبقريتها التى تفجرت فى وقت تصور أعداؤها ، بعد 5 يونيو 1967، أنها حُشرت فى نفق الانكسار ولن تستطيع أن تخرج منه، فإذا بها تصنع المعجزة!

لم تشق الفكرة دربها إلى الواقع المصرى بدافع الرغبة فى الاستثمار مع الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات، بل ولدت من رحم طلب أجنبى وأزمة دبلوماسية، جعلت الدولة تستجيب لحل استثنائى خارج الصندوق الحكومى والفلسفة الأمنية الراسخة التى عاشت عليها، بأن الأمن يخص الدولة التى تحتكر العنف الشرعى، ولا يمكن أن تسمح أبدا بأن يشاركها فيه أحد ولو حتى على الهامش!

وارتبطت الفكرة بحدثين مهمين: رفع العلاقات المصرية الأمريكية إلى مستويات تعاون غير مسبوقة، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فقد طلبت السفارة الأمريكية بالقاهرة تأمينا إضافيا مكثفا لمقرها وبعثاتها الدبلوماسية، وأن يكون مدنيا مدربا بتدريبات جيدة، ولا يرتدى زى الشرطة المصرية، وأن يطبق معايير أمنية غربية على الأبواب الداخلية والخلفية.. خاصة بعد أن زاد النشاط الأمريكى فى القاهرة بكل أشكاله.

لم يكن الأمن المصرى عاجزا عن توفير هذه الحماية، وله تاريخ ناصع البياض فى تأمين السفارات الأجنبية، التى لم تشهد أى خروقات ولو طفيفة، لكن الولايات المتحدة أرادت أن تطبق النموذج الأمريكى فى حماية سفارتها، بعد سلسلة الهجمات التى تعرضت لها بعثاتها فى السبعينيات فى بعض الدول، وكان آخرها اقتحام السفارة الأمريكية فى طهران.

وبالفعل تأسست أول شركة حراسة خاصة فى عام 1979، وكان يمتلكها ويديرها رجال من خلفيات أمنية سابقة موثوق فيهم، لتنفيذ هذا التعاقد الفريد من نوعه فى مصر.

وفى عام 1982 مع انسحاب إسرائيل من سيناء وقدوم القوة متعددة الجنسيات والمراقبين للحدود المصرية الإسرائيلية، كانت هذه القوات فى حاجة إلى خدمات لوجستية وتأمين داخلى للمخيمات والمقرات فى المناطق النائية، فتوسعت الشركة الوليدة فى أعمالها.

صاحب الانفتاح الاقتصادى توسع فى نشاط البنوك والشركات الأجنبية، وهذه الشركات لها ثقافة أمنية خاصة، تعتمد على شركات التأمين، التى تعوضهم ماليا فى حالات السرقة، وكانت تشترط لصرف هذه التعويضات أن توفر هذه المؤسسات حراسة خاصة معتمدة ودائمة، وخافت البنوك والشركات الأجنبية أن رجال الشرطة التقليديين قد يُستدعون فى أى وقت لمهمة تراها وزارة الداخلية عاجلة، ولا تستطيع أن تعترض أو تجد البديل فورا، فاشترطت قبل تأسيسها أو نقل فروع لها إلى مصر وجود أمن خاص متفرغ ومحترف.

باختصار حين رأت الفكرة النور على أرض الواقع كانت مناورة ذكية من الحكومة المصرية لإرضاء الصديق الأمريكى والبعثات الدبلوماسية وشروط الاستثمار، وفى الوقت نفسه تسد الفراغ بين قدرات الدولة الأمنية واحتياجات المجتمع والاقتصاد، على أن تدار شركات الحراسة الخاصة بعقليات سيادية حكومية صارمة من وراء الستار!

لكن الزمان دوار، والمال حين يكثر ويزغلل العيون تنقلب الأحوال، فلم تحتفظ التجربة بنظافتها..

فى التسعينيات مع توسع الاستثمار العقارى والسياحى انتشرت عشرات الشركات الصغيرة، بعضها التزم بالقواعد العرفية، وبعضها الآخر استغل الزى شبه الرسمى ليمنح نفسه سلطة غير مشروعة، خاصة مع غياب قانون صارم ينظم عمل هذه الشركات، عدا ترخيص إدارى من وزارة الداخلية، فوجدنا من كان يدير شبكة بلطجة يملك شركة حراسة خاصة، وتخيلوا أن أول قانون ينظم عمل هذه الشركات صدر بعد 36 سنة من تأسيس أول شركة فى مصر، وهو القانون 86 لسنة 2015!

منتهى العجب.. كما لو أن المناخ العام كان يفضل أن يترك هذه النوعية من الشركات تعمل دون محاسبة أو مراجعة أو انضباط، وتحت أعين السلطة التنفيذية والتشريعية، وهذه قضية تحتاج إلى دراسة وبحث لكشف من كان يمنع تنظيم عملها، ليمنحها هذا القدر من الحرية غير المنظمة!

أعاد القانون 86 هيكلة الشركات، وألزمها بالحصول على ترخيص رسمى من وزارة الداخلية، ووضع ضوابط صارمة لاستخدام السلاح، وتنفيذ برامج تدريبية معتمدة للعاملين، وحظر ارتداء زى مشابه للشرطة أو الجيش، كما فرض التأمين ضد إصابات العمل، وأقر مسئولية مدنية على الشركات فى حال وقوع أضرار على المواطنين والممتلكات، لكن مازالت التحديات قائمة، فالرقابة لم تصل إلى المستوى الفعال، وبعض الشركات تكتفى بدورات تدريب شكلية لا تغنى ولا تثمن من جوع، كما أنها لا تستعين بالتكنولوجيا الحديثة بدرجة ترفع من كفاءتها.

وعموما عرف العالم شركات الحراسة الخاصة قبل مصر بأكثر من مئة سنة، وبالطبع هى اختراع أمريكى من الألف إلى الياء، فمع الثورة الصناعية وانتقال المال والمعدات عبر مسافات طويلة فى القارة الأمريكية، لم تكن الشرطة المحلية قادرة على مواجهة عصابات السطو على البنوك والقطارات أو العربات التى تجرها جياد، وقد صنعت السينما الأمريكية عشرات الأفلام عن الغرب الأمريكى وعصاباته الشهيرة من عينة جيسى جيمس ودالتون وبوتش كاسيدى وغيرهم.

هنا ظهرت وكالة «بنكرتون» أول شركة أمن خاص كبرى، لتأمين السكك الحديدية والبنوك ونقل الذهب، وحماية الرئيس الأمريكى أبراهام لينكولن.

لكن أوروبا لم تعرف هذا النوع من الشركات إلا فى القرن العشرين، وتحديدا فى بريطانيا عام 1935، بشركة «خدمات النجدة الليلية»، وأسسها إدوارد شورت الذى شغل منصب وزير الداخلية فى حكومة دافيد لويد جورج (من 1919-1922)، ولم تكن على النمط الأمريكى بسبب اختلاف نمط السرقات بين المجتمعين، كانت فكرتها بسيطة، يرتدى حراسها أزياء تشبه أزياء الشرطة، وينتقلون بالدراجات لتأمين المحلات التجارية والتجمعات السكانية فى لندن ليلا، لكن مع تطور الجريمة تحولت فى الخمسينيات إلى عملاق أمنى عالمي.

أما فرنسا فلم تعرف شركات الأمن الخاصة إلا بعد الحرب العالمية الثانية، لتأمين حركة النقد والذهب بين المصارف.

أيا كان التاريخ والتطورت صارت شركات الحراسة الخاصة فى مصر ضرورة وليست رفاهية، خاصة مع التوسع فى الاستثمار العقارى وامتداده، لكنها تحتاج إلى تطوير جذرى، لتواكب متطلبات العصر، دون أن تكون «مراكز» للنفوذ والسطوة والقوة!.