تضاعف الخسائر الاقتصادية خلال مائة يوم من الحرب الإيرانية
شلل «شرايين» التجارة العالمية
آلاء شوقى
لم يعد التصعيد العسكرى بين «واشنطن وطهران»، مجرد حدث جيوسياسى عابر، بل تحول إلى أزمة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمى وموازين القوى المالية والتجارية، حيث لم تتوقف التأثيرات عند حدود الشرق الأوسط، بل امتدت لتخلق واقعًا اقتصاديًا يؤثر على النمو ويزيد معدلات التضخم، ويهدد أسواق الطاقة، ويرفع أسعار السلع الأساسية بطريقة غير مسبوقة.
بعد دخول الأزمة شهرها الرابع، بدأت المؤسسات الاقتصادية الدولية فى مراجعة توقعاتها للنمو العالمى، محذرة من خسائر بمئات المليارات من الدولارات، حال استمرارها مدة أطول، وتعطل الملاحة فى مضيق «هرمز».
هرمز.. عنق الزجاجة للاقتصاد العالمي
يمثل مضيق «هرمز» أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية، إذ أدى إغلاقه إلى تعطيل جزء كبير من حركة التجارة المرتبطة بالنفط والغاز والمواد الخام، حيث أوضحت تقديرات بيانات وكالة الطاقة الدولية، أن اضطرابات الملاحة فى المضيق أثرت على نحو 20 % من تجارة النفط والغاز الطبيعى المسال العالمية، فضلًا عن 30 % من تجارة الأسمدة، و40 % من إمدادات اليوريا، و50 % من إمدادات الكبريت.
كما أفادت الوكالة، بأن منتجى النفط فى الخليج فقدوا نحو 14.4 مليون برميل يوميًا من الإمدادات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع توقف تدفقات النفط عبر المضيق.
فيما أشارت بيانات سوق النفط، إلى أن العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكى لا تزال أعلى بنحو 36 % من مستوياتها قبل الحرب، فى حين بقيت أسعار الغاز الطبيعى مرتفعة بنحو 50 % رغم تراجعها عن الذروات التى سجلتها خلال الأسابيع الأولى للصراع.
من جانبه، قال «كلاوديو جاليمبرتى» كبير الاقتصاديين فى شركة «ريستاد إنرجي»، إن أسعار النفط قد ترتفع إلى 150 دولارًا للبرميل خلال الأشهر القليلة المقبلة إذا استمرت الحرب؛ مؤكدًا أن مستويات المخزون العالمى أصبحت منخفضة للغاية.
اضطرابات الشحن وسلاسل الإمداد
امتد تأثير الأزمة إلى قطاع النقل البحرى، وسلاسل التوريد الدولية، مع ارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع كفاءة حركة التجارة، إذ ارتفعت تكاليف وقود السفن بنسبة 59 % منذ اندلاع الأزمة، وفقا لبيانات المجلس البحرى العالمي.
كما أدى الارتفاع المفاجئ فى أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن، واضطراب موازين الصادرات والواردات فى العديد من الدول، إلى زيادة الضغوط على سلاسل التوريد العالمية، وهو ما ينعكس بالتبعية على زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة والمواد الخام، ومع تزايد الضغوط على النقل وسلاسل الإمداد، بدأت حركة التجارة العالمية نفسها تُظهر علامات تباطؤ واضحة.
مؤشرات على تباطؤ التجارة العالمية
قالت منظمة التجارة العالمية، إن هناك مؤشرات على أن نمو تجارة السلع العالمية ربما بدأ فى التباطؤ، رغم المرونة التى أظهرتها التجارة خلال النصف الأول من عام 2026، جراء الاضطرابات الكبيرة الناجمة عن الصراع فى «الشرق الأوسط».
وأوضحت المنظمة، أن مقياس تجارة السلع العالمية تراجع إلى 101.7 نقطة مقارنة بـ102.3 نقطة فى يناير الماضى، ورغم بقاء المؤشر أعلى من مستوى الأساس البالغ 100، إلا أن التراجع فى القراءة يشير إلى أن نمو التجارة ربما بدأ يفقد زخمه.
خسائر بمليارات الدولارات
فيما أفادت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، بأن الحرب ومدتها ستكونان عاملًا حاسمًا فى تقييم النمو الاقتصادى العالمى، مرجحة انخفاض النمو التجارى العالمى خلال الربعين الثانى والثالث من العام الجارى، نتيجة التراجع الحاد فى التجارة مع اقتصادات الخليج، وارتفاع تكاليف الطاقة، والنقل؛ متوقعة أن يتراجع نمو التجارة العالمية إلى 3.1 % خلال عام 2026، ثم إلى 2.9 % فى عام 2027.
ووفق تقديرات المنظمة، فإن تراجع النمو العالمى من 3.4 % إلى 2.8 % فى سيناريو (الحرب قصيرة الأجل) يمثل خسارة محتملة لا تقل عن 700 مليار دولار للاقتصاد العالمى، الذى تقدر قيمته بنحو 118 تريليون دولار.
وبالنسبة لسيناريو (الاضطراب محدود المدة)، الذى يفترض بدء عودة إنتاج الطاقة وشحناتها من الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب خلال منتصف العام الحالى، فتتوقع المنظمة أن يتباطأ النمو العالمى إلى 2.8 % خلال عام 2026 قبل أن يرتفع إلى 3.1 % فى عام 2027.
أما فى سيناريو (الاضطراب المطول)، فتتوقع منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن يتباطأ النمو العالمى إلى 2.1 % خلال العام الحالى، ثم إلى 1.8 % فى عام 2027، وهو ما قد يدفع بعض الاقتصادات إلى الركود أو الاقتراب منه.
أزمة غذاء عالمية تلوح فى الأفق
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، لم تتوقف الأزمة عند التضخم فقط، بل امتدت إلى تهديد الأمن الغذائى عالميًا، حيث حذر برنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة من أن تصاعد الصراع فى «الشرق الأوسط» يدفع ملايين الأشخاص نحو انعدام الأمن الغذائى؛ موضحًا أن ارتفاع أسعار الوقود، والنقل، والغذاء، إلى جانب نقص التمويل الذى يحد من قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، يزيد من تفاقم الأزمة.
وأضاف البرنامج، أن الاضطرابات فى طرق الشحن وسلاسل الإمداد رفعت معدلات الجوع فى عدد من الدول، وسط توقعات بوصول أعداد المتضررين إلى عشرات الملايين خلال العام الجارى إذا استمرت أسعار الطاقة فى الارتفاع، وتراجعت المساعدات الإنسانية العالمية.
ماذا تعنى تلك الأرقام؟
وفى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، قال «د. عامر الشوبكى» خبير الاقتصاد والطاقة الدولية: إن مضيق «هرمز»، الذى أثبت أنه صمام لاقتصاد العالم، أصبح يرفع معدلات التضخم، ويهدد معدلات النمو والتجارة الدولية واستقرار الدول المستوردة للطاقة.
وأوضح أن الاقتصاد العالمى انتقل من صدمة الطاقة إلى صدمة النمو؛ مضيفًا أن استمرار الأزمة فى المنطقة، وتحديدًا أزمة الإمدادات من «هرمز»، لا يقتصر تأثيرها على النفط والغاز فقط، بل تمتد لتضغط على الشحن، والتأمين، والاستثمار، وأسعار الغذاء، والسلع الاستراتيجية التى تمر من المنطقة، إضافة إلى ضغطه على أسواق المال.. وأشار، إلى تحذيرات صندوق النقد من خفض توقعات النمو؛ موضحًا أن ذلك قد يدفع الاقتصاد العالمى إلى ركود مصحوب بتضخم، وهو ما يعرف بالركود التضخمى.
وفيما يخص توقعات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية بشأن خسائر قد تصل إلى نحو 700 مليار دولار، فأوضح أنها تعنى –عمليًا- فقدان ما يقارب حجم اقتصاد دولة متوسطة من الناتج العالمى؛ لافتًا إلى أن الأثر لن يقتصر على البورصات بل سيمتد إلى المواطنين فى كل مكان، عبر ارتفاع أسعار الوقود، والكهرباء، والغذاء، مع تراجع هوامش ربح الشركات.
كما حذر «الٍشوبكى»، من احتمال دخول عدة دول فى ركود مع استمرار الأزمة حتى 2027؛ مؤكدًا أن العالم يواجه أزمة شحن، وإعادة تسعير للمخاطر فى الممرات البحرية وسلاسة الإمداد.
السيناريوهات المتوقعة
ووضع «الشوبكي» 3 سيناريوهات محتملة للأزمة خلال الفترة المقبلة، مضيفًا أن السيناريو الأول يتمثل فى (احتواء سياسى سريع) تبقى فيه الأسعار مرتفعة دون انفجار، مع عودة تدريجية للنمو.
وتابع:» أما السيناريو الثانى فهو الأخطر اقتصاديًا، يتمثل فى (أزمة طويلة منخفضة الحدة)، أى لا حرب شاملة ولا سلام كامل، ما يبقى أسعار الطاقة، والشحن، والتأمين مرتفعة، ويضعف الاستثمار، وبالنسبة للثالث، فيتمثل فى (تصعيد واسع، أو إغلاق أشد لمضيق هرمز)، ما قد يؤدى إلى صدمة تضخم عالمية تدفع الدول المستوردة للطاقة والغذاء إلى الركود الفعلي».







