إجراءات حكومية جديدة للقضاء على الفساد وإهدار السلع
التحول للدعم النقدى هل نحن جاهزون؟
نعمات مجدى
إجراءات حكومية جديدة، اتخذها مجلس الوزراء برئاسة د.مصطفى مدبولى، لترشيد منظومة الدعم وتعزيز كفاءة وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجًا، أبرز التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى بداية من العام المالى القادم.
هذه الإجراءات ليس الهدف منها تقليص الدعم، وإنما ضمان وصوله بصورة أكثر عدالة وكفاءة، والحد من أوجه الهدر والتسرب التى تشهدها بعض برامج الدعم الحالية.
ويبلغ عدد المستفيدين من منظومة الدعم السلعى الحالية 68 مليون مواطن، سيتم إحلال كثير من برامج الدعم الحالية من خلال هيكلة شاملة لقواعد الاستحقاق، بهدف ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
تشير التقديرات الأولية إلى مراجعة قواعد البيانات واستبعاد غير المستحقين، بما قد يخفض عدد المستفيدين إلى نحو 58 مليون مواطن، مع إتاحة باب التظلمات للحالات التى ترى أحقيتها فى الحصول على الدعم.
ووفقًا للمقترحات الجارى دراستها، لن يتم صرف الدعم فى صورة مبالغ نقدية مباشرة، وإنما من خلال «كارت ذكي» يتيح للمواطن شراء احتياجاته من مجموعة واسعة من السلع الأساسية، بما يمنحه مرونة أكبر فى اختيار ما يناسب احتياجات أسرته، ومن المنتظر أن تتوسع قائمة السلع المتاحة لتصل إلى نحو 30 سلعة تشمل منتجات غذائية متنوعة ولحومًا ودواجن، بدلًا من المنظومة الحالية محدودة الخيارات.

ويتضمن البرنامج الجديد تصنيف المستفيدين إلى عدة شرائح وفقًا لمستوى الاحتياج، بحيث تحصل الفئات الأكثر احتياجًا على قيمة الدعم كاملة، بينما يتم تخفيض الدعم تدريجيًا للفئات الأقل احتياجًا وصولًا إلى القادرين على الخروج من المنظومة.
وتشير التقديرات إلى أن قيمة الدعم قد تتراوح بين 300 و350 جنيهًا للفرد شهريًا، بما يعادل ما بين 1200 و1400 جنيه للأسرة المكونة من أربعة أفراد، مع وجود آلية لمراجعة القيمة وفق معدلات التضخم ومستويات الأسعار لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للدعم، «روزاليوسف» فتحت هذا الملف لرصد مزايا ومخاوف التحول إلى الدعم النقدي.
شروط أساسية
يرى خبراء الاقتصاد أن التحول إلى الدعم النقدى أحد الاتجاهات التى تتبناها العديد من الدول، بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وضمان وصول الدعم بشكل مباشر إلى الفئات المستحقة، مؤكدين أن الدعم العينى رغم دوره المهم لعقود طويلة فى توفير السلع الأساسية للمواطنين، يواجه تحديات تتعلق بتسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين، وارتفاع تكاليف الإدارة والتخزين والنقل.
ولكن فى المقابل، يحذر خبراء آخرون من أن نجاح الدعم النقدى يرتبط بعدة شروط أساسية، فى مقدمتها السيطرة على معدلات التضخم واستقرار الأسواق، فارتفاع الأسعار بصورة مستمرة قد يؤدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للمبالغ النقدية التى تحصل عليها الأسر، ما يقلل من قدرتها على شراء الاحتياجات الأساسية التى كانت تحصل عليها سابقًا من خلال الدعم العيني.
ويشير هؤلاء إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن التحول من الدعم العينى إلى النقدى يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة باستمرار، لضمان عدم استبعاد أسر مستحقة أو استمرار استفادة غير المستحقين من الدعم، كما يتطلب وجود آلية واضحة لمراجعة قيمة الدعم وربطها بمؤشرات الأسعار ومستويات المعيشة.
حماية الأكثر احتياجًا
القضية لا تتعلق فقط بشكل الدعم، وإنما بمدى قدرة المنظومة الجديدة على حماية الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة الأسر الفقيرة وكبار السن وأصحاب المعاشات المحدودة والعمالة غير المنتظمة، خاصة أن أى تغيير فى منظومة الدعم يجب أن يتم تدريجيًا مع إجراء حوار مجتمعى واسع يشارك فيه الخبراء ومؤسسات المجتمع المدنى وممثلو الفئات المستفيدة.
يرى د.محمد البهواشى الباحث بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس، أن ملف الدعم يعد من أكثر الملفات حساسية، لأنه يرتبط بشكل مباشر بحياة ملايين المواطنين، مضيفًا أن الحديث لا يدور حول إلغاء الدعم، وإنما تطوير آليات تقديمه بما يضمن وصوله بصورة أفضل إلى مستحقيه.
ويشرح البهواشى أن مصر تطبق بالفعل صورًا مختلفة من الدعم النقدى من خلال برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة»، إلى جانب الدعم العينى المتمثل فى السلع التموينية ورغيف الخبز المدعم، وهو ما يعنى أن الدولة تمتلك خبرة سابقة يمكن البناء عليها فى أى عملية تطوير مستقبلية.
النظام الهجين
ويرى أن النموذج الأنسب هو التطبيق التدريجى أو «النظام الهجين»، الذى يجمع بين الدعم النقدى وبعض أشكال الدعم العينى خلال فترة انتقالية، حتى تتمكن الدولة من تقييم النتائج وقياس تأثيرها على الأسر المستفيدة، ويشدد على أهمية إجراء حوار مجتمعى واسع يضم الخبراء والبرلمان ومؤسسات المجتمع المدنى والمواطنين قبل اتخاذ أى قرارات نهائية.
ويؤكد أن التحول إلى الدعم النقدى يمثل تطورًا طبيعيًا فى منظومة الحماية الاجتماعية، خاصة مع التقدم الكبير الذى شهدته الدولة فى بناء قواعد البيانات الخاصة بالمواطنين المستحقين للدعم، وأن الدعم العينى كان يؤدى دوره فى فترات سابقة، لكنه أصبح يواجه تحديات عديدة، منها تسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والتوزيع.
ويشير إلى أن الدعم النقدى يمنح الأسرة حرية أكبر فى تحديد احتياجاتها الفعلية، فاحتياجات أسرة لديها أطفال فى مراحل التعليم تختلف عن احتياجات أسرة أخرى تضم كبار سن أو مرضى يحتاجون إلى رعاية صحية مستمرة، كما أن الدعم النقدى يسمح للدولة بتوجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة للفئات الأكثر احتياجًا.
ويضيف: إن نجاح المنظومة الجديدة يتطلب مراجعة قيمة الدعم بشكل دورى لمواكبة التغيرات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، حتى يظل الدعم قادرًا على تحقيق الهدف منه وهو حماية محدودى الدخل وتحسين مستوى معيشتهم.
حماية المواطن
يقول د.عبدالمنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن التحول إلى الدعم النقدى يمكن أن يحقق مزايا اقتصادية عديدة، أبرزها ترشيد الإنفاق العام وتحسين كفاءة توجيه الموارد، لكنه يشدد فى الوقت نفسه على أن الهدف الأساسى يجب أن يظل حماية الفئات الأكثر احتياجًا، مؤكدًا أن نجاح التجربة يعتمد على التنفيذ التدريجى المدروس، مع إجراء تقييم مستمر للتأكد من عدم تأثر الأسر محدودة الدخل سلبًا، ويلزم ربط أى منظومة جديدة بسياسات اقتصادية داعمة، تشمل زيادة فرص العمل وتحسين مستويات الدخل والتوسع فى برامج الحماية الاجتماعية، حتى يشعر المواطن بثمار الإصلاح بصورة مباشرة.
واستطرد قائلا إن التحدى الأكبر يتمثل فى معدلات التضخم وتقلب الأسعار، موضحًا أن قيمة الدعم النقدى قد تفقد جزءًا من قوتها الشرائية إذا لم تتم زيادتها بصورة دورية تتناسب مع الزيادات التى تشهدها الأسواق، لذلك فإن نجاح أى تحول نحو الدعم النقدى يتطلب وجود آلية واضحة، وشفافة لربط قيمة الدعم بمستويات الأسعار ومعدلات التضخم.
المواطن صاحب القرار
وأشار د. محمد باغة أستاذ التمويل والاستثمار، إلى أن فلسفة الدعم فى أى دولة يجب أن تقوم على تحقيق أكبر منفعة ممكنة للمواطن، وليس مجرد تقديم مساعدات مالية أو عينية، ويؤكد أن الدعم النقدى يمتلك ميزة مهمة تتمثل فى إعطاء المواطن حرية اتخاذ القرار بشأن أوجه الإنفاق التى يحتاجها بالفعل.
ويضيف: إن التطورات التكنولوجية والتحول الرقمى الذى شهدته الدولة خلال السنوات الأخيرة، يسهمان فى تسهيل عمليات صرف الدعم ومتابعة المستفيدين وتقليل فرص التلاعب، لكنه يشدد على أن نجاح المنظومة يرتبط بوجود أسواق مستقرة وسلع متوفرة بأسعار عادلة، لأن ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة قد يقلل من الفوائد المتوقعة للدعم النقدى.
وقال إن الانتقال التدريجى يمنح الدولة فرصة لتقييم التجربة، وتصحيح أى مشكلات قد تظهر خلال التطبيق، وهو ما يقلل من المخاطر المحتملة على المواطنين، ويلزم قبل التحول إلى الدعم النقدى أن يسبقه نقاش واسع حول قدرة المواطن على مواجهة الزيادات المستمرة فى الأسعار.
ويضيف: إن بعض السلع الأساسية تمثل عنصرًا حيويًا فى حياة الأسر محدودة الدخل، ولذلك فإن التحول الكامل إلى الدعم النقدى يحتاج إلى دراسة دقيقة لتأثيره على الأمن الغذائى للأسر الفقيرة.
ويرى أن المرحلة الحالية قد تكون أكثر ملاءمة لتطبيق نظام يجمع بين الدعم النقدى، وبعض أشكال الدعم العينى لحين التأكد من جاهزية الأسواق، وتحقيق الاستقرار السعري.
الحد من إهدار الموارد
أوضح د.عمرو سليمان أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، أن التحول إلى الدعم النقدى أصبح من الملفات المطروحة بقوة فى العديد من دول العالم، نظرًا لما يحققه من كفاءة أكبر فى إدارة الموارد العامة. ويؤكد أن الدعم العينى، رغم أهميته التاريخية فى حماية الفئات محدودة الدخل، يواجه تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع تكاليف النقل والتخزين والتوزيع، فضلًا عن احتمالات تسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين.
ويشير إلى أن الدعم النقدى يتيح للدولة توجيه الأموال بصورة مباشرة إلى الأسر المستحقة، بما يضمن استفادة المواطن من كامل قيمة الدعم تقريبًا، كما يمنحه حرية أكبر فى اختيار احتياجاته وفقًا لأولويات أسرته، فبعض الأسر قد تكون احتياجاتها الغذائية مغطاة بشكل جيد بينما تحتاج إلى إنفاق أكبر على التعليم أو العلاج أو المواصلات.
ويضيف: إن نجاح هذه المنظومة يتطلب توافر قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة باستمرار، إلى جانب وجود آليات رقابية فعالة تمنع أى أخطاء فى الاستهداف، يشدد على ضرورة مراجعة قيمة الدعم النقدى بشكل دورى حتى لا يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الحقيقية مع ارتفاع الأسعار.
الرقمنة والدعم
ويقول إن التطور الكبير فى نظم المعلومات والتحول الرقمى يوفر فرصة حقيقية لبناء منظومة دعم أكثر كفاءة وعدالة، مضيفًا أن التحدى الأكبر لا يكمن فى شكل الدعم نفسه، وإنما فى كيفية ضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين.
ويشير إلى أن الدعم النقدى قد يساعد فى القضاء على كثير من التشوهات التى تنتج عن الدعم العينى، كما يحد من فرص السوق السوداء وإعادة بيع السلع المدعمة، لكنه يؤكد أن نجاح هذه الخطوة يتطلب تحديث قواعد البيانات بشكل مستمر وربطها بمختلف الجهات الحكومية لضمان دقة المعلومات الخاصة بالمستفيدين.
ويضيف: إن التجارب الدولية الناجحة أثبتت أن الدعم النقدى أكثر فعالية، وذلك عندما يقترن ببرامج تنموية تساعد الأسر على تحسين مستويات دخلها، والخروج تدريجيًا من دائرة الاحتياج.
العدالة الاجتماعية
يؤكد د.عمرو سليمان، أن قضية الدعم لا يمكن النظر إليها من زاوية مالية فقط، بل يجب أن تؤخذ فى الاعتبار أبعادها الاجتماعية والإنسانية، خاصة أن ملايين الأسر تعتمد بشكل مباشر على برامج الدعم فى تلبية احتياجاتها الأساسية، وهو ما يجعل أى تغيير فى المنظومة قرارًا بالغ الحساسية، مضيفًا أن نجاح أى إصلاح يتطلب ضمان عدم تراجع مستوى معيشة الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، مع ضرورة إجراء دراسات ميدانية وحوار مجتمعى واسع قبل اتخاذ القرارات النهائية. ويؤكد أهمية وجود شبكة أمان اجتماعى قوية، قادرة على التعامل مع أى آثار جانبية قد تنتج عن التحول من الدعم العينى إلى النقدي.
ويختتم حديثه، قائلا: «إن الهدف الحقيقى لأى منظومة دعم يجب أن يكون تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليل معدلات الفقر وتحسين جودة حياة المواطنين، بالتوازى مع تحقيق كفاءة أكبر فى استخدام موارد الدولة».
واقترح تطبيق نموذج يجمع بين الدعم النقدى والدعم العينى خلال مرحلة انتقالية، بحيث تستمر الدولة فى توفير بعض السلع الاستراتيجية الأساسية مع تقديم دعم نقدى مباشر للأسر، إلى حين تقييم نتائج التجربة وقياس تأثيرها على مستوى معيشة المواطنين.







