الصندق الأسود لـ«صبرى نخنوخ»
رشدى الدقن
قبل عدة أعوام جمعتنى جلسة بزميل لم ألتقه من فترة طويلة.. فقد كان سجينًا.. حكى لى باستفاضة شديدة عن «نخنوخ» الذى زامله فى السجن.. وكيف كان يدير مملكته فى الخارج من سرير عنبره بالسجن 2013.. ولا يتردد لحظة فى دفع الكفالة والغرامة لأى محبوس لا يستطيع أن يدفعها خاصة من خصومه جماعة الإخوان الذين حبسوه فى 2012 ثم زاملوه فى السجن فى 2013.
الحكايات شيقة ومثيرة وكثيرة وبها جزء شعبى لطيف يصلح لعمل كتاب ملىء بالحكايات ويكشف تفاصيل عن فترة مهمة فى تاريخ مصر.. اقترحت عليه أن نكتب معًا كتابا اسمه «أنا ونخنوخ فى السجن»..لأسباب كثيرة لم ننجز الكتاب الذى نتحدث عنه كلما التقينا.. ولأسباب أكثر أكتب الآن عن دولة نخنوخ التى زالت.
اسمه بالكامل «صبرى حلمى حنا نخنوخ» لم يكمل تعليمه – يقال حصل على الثانوية العامة.. ويقال فشل فى الحصول عليها – ألم أقل من البداية أنه أشبه بأسطورة اختلط فيه الحقيقى بالخيال الشعبى، لكن ما ثبت من تاريخه يؤكد أن بدايات الرجل كانت صاخبة بما يكفى،عمل مع والده فى تجارة ما بالسبتية.. ولم يُخف من البداية ولعه بحمل الأسلحة.. حتى قاده الأمر لشجار به فى أحد الملاهى الليلية، ومن ثم الاتهام فى قضية حيازة سلاح دون ترخيص.
حينها قرر «نخنوخ» صناعة مملكة المرتزقة خاصته.. بدأها بمدرسة لتخريج البلطجية.. كانت نواة جيشه بعد ذلك.. أنشأ صالة رياضية لحمل أثقال خرجت العشرات من الحرس الشخصيين الذين سيطروا على قطاع أعمال تأمين صالات الملاهى الليلية، مع خدمة توريد لا تتوقف للسياسيين والفنانين أيضًا، ما ساهم فى بناء شبكة مرتزقة بطول العاصمة المصرية وعرضها.
وكالعادة اختلطت الحكايات الشعبية بالحقائق.. واستغل خصوم نظام مبارك ظاهرة نخنوخ الذى يقود عالم حماية الكباريهات ليسيئوا للنظام.. وقالوا إنه كان له أدوارًا حاسمة فى حسم انتخابات مجلس الشعب على مدار دورات أعوام 2000 و2005 و2010 لإحكام سيطرة الحزب الوطنى الحاكم على صناديقها،.. كان هذا هو حديث المعارضة وجماعة الإخوان المحظورة.. وتعاملت معها الدولة وقتها بشكل شديد الروتينية.. وكجزء من قواعد اللعبة المعتادة للتنفيس وتبرير الفشل وأنهم لم يحصولوا على كراسٍ مناسبة فى البرلمان بسبب «نخنوخ» يسمعها الجميع ويبتسم ولا أحد يسأل هل نافست المعارضة فى كل الدوائر؟..هل المعارضة شاركت فى أكثر من 10 % على المقاعد؟ وأيضا لا أحد يسأل وكيف دخل المجلس 88 نائبا للإخوان تحت أغطية حزبية ومستقلين غير المعارضة ؟!

المثير أن «نخنوخ» بذكاء فطرى استفاد من كل ذلك..وبالعكس ردده أنصاره أكثر من أعدائه.. فالرجل فهم اللعبة سريعا..هذه هى الهيبة التى سيتخفى وراءها..هذه هى عصا العز التى سيشير بها ولن يستخدمها أبدا فى الضرب..هذه فرصته الذهبية ليخاف منه الناس فلا يشكوه ولا تصل حكاياته وتجاوزاته أقسام البوليس والنيابات..ويظل يحكم بالخوف.
لم تكن مهام وأعمال نخنوخ عشوائية، بل حاول تنظيمها لتظهر بصورة غاية فى الترتيب.. مكاتب لتوريد أصحاب العضلات الغليظة لتستخدم فى حراسات خاصة وسطوة وقوة..وتدريجيًا استخدمها فى حل النزاعات العرفية ، وحماية منشآت وأراض استثمارية متنازع عليها، وشبكة تأمين لملاهى ليلية تعمل على نطاق واسع، باختصار، مثل الرجل إمبراطورية خدمات أمنية غير شرعية موازية بكل ما فى الكلمة من معنى.
كل ذلك لم يمنع الرجل من إظهار وجه آخر لأهالى المناطق الشعبية قائم على أعمال خيرية كتزويج الشباب أو استرجاع حقوق معينة بسطوته.. بدا هذا الأمر متكئًا على موارد مالية أخرى تستخدم نفس الشبكة تقوم بتحصيل أموال الشيكات البنكية بالقوة وأخذ نسبة منها، وكذلك حماية الأراضى تارة وانتزاعها تارة أخرى بأجر مالى أيضًا.
القبض على نخنوخ
مؤخرًا عاد اسم صبرى نخنوخ إلى واجهة الأحداث من جديد، بعدما ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه على خلفية اتهامه بالتورط فى مشاجرة عنيفة شهدتها منطقة التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، إثر نزاع مالى حول فيلا فاخرة بالساحل الشمالى تُقدَّر قيمتها بنحو 50 مليون جنيه، فى واقعة أثارت اهتمامًا واسعًا نظرًا لطبيعة أطرافها وتشعب تفاصيلها.. ولكن المهم هنا الإشارة إلى كسر حاجز الخوف..والبلاغ الذى تم تقديمه فى نخنوخ وشقيقه وابن شقيقه وعدد من البودى جارد الذين كانوا معه.
البلاغ الذى كسر حاجز الخوف..كان أشبه بكره الثلج التى ظلت تتدحرج من أعلى إلى أسفل وتكبر وتكبر حتى صارت فجوة تبتلع كل ما يواجهها.
وفى خمسة أيام فقط لا غير زالت دولة نخنوخ وانهارت تماما..ويكفى هنا أن نشير إلى بيان النيابة العامة.. والذى كشفت فيه، تفاصيل ضبط، صبرى نخنوخ بعد تعديه مع آخرين على صاحب أحد معارض السيارات فى التجمع الخامس بالقاهرة، إثر خلافات مالية بينهم، والتحقيق معه وحبسه على ذمة القضية وما عُثر عليه بعد تفتيش منزله.
وقالت فى بيان: «تلقّت النيابة العامة بلاغًا من أحد أصحاب معارض السيارات بقيام المتهم صبرى نخنوخ وآخرين باقتحام معرضه إثر خلافات مالية بينهما، وتعديهم على أحد العاملين بالمعرض وإحداث إصاباته، والاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة».
وأضاف البيان: «وبطلب تحرّيات الشرطة؛ تأيّدت الواقعة، وثبت تزعّم المتهم المذكور وآخرين تشكيلًا عصابيًا لفرض السيطرة وممارسة البلطجة بالقوة والتهديد والإخلال بالنظام العام، متّخذين من إحدى شركات الأمن والحراسة ستارًا لنشاطهم، ومستخدمين الأموال والأسلحة فى تسهيله».
وأوضحت أنه «على أثر ذلك أمرت النيابة العامة بضبط وإحضار المتهمين، كما أصدرت النيابة العامة إذنها بضبط وتفتيش مسكن المتهم صبرى نخنوخ والمقار التابعة له، وتم ضبط المتهمين واستجوابهم، وقررت النيابة العامة حبسهم أربعة أيام احتياطيًا على ذمة التحقيقات، وجددت المحكمة المختصة حبسهم لمدة خمسة عشر يومًا أخرى».. وتابعت أن «التفتيش أسفر عن ضبط وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلَّغ بسرقتها، إلى جانب بندقيتيْن آليتيْن، ورشاش، وطبنجة، وعدد من أسلحة الصوت وضغط الهواء، وكمية من الذخيرة قاربت الألف طلقة، وخمسة أجهزة اتصال غير مرخص بها، وعشر قطع أثرية».
وأضافت : «أسفر فحص هواتف المتهمين وتفريغ محتواها، عن تسجيلات تنم على ارتكابهم وقائع خطف مقترنة بهتك عرض، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدنى، وإكراه على توقيع أوراق، وحيازة أسلحة وذخائر بدون ترخيص وأدوات تعذيب، وأيضًا حيوانات برية شرسة، وجارٍ التحقيق فى هذه الوقائع وكذلك التحقيقات المالية الموازية لتتبّع عائدات نشاطهم الإجرامي».
وختمت النيابة العامة بيانها قائلة إن «دولة القانون ماضية فى طريقها بكل حزم، وأن القانون فوق الجميع لا يعلو عليه أحد مهما بلغ شأنه، وأنها ستظل دائمًا ملاذًا للجميع وحصنًا منيعًا يلجأ إليه كل صاحب حق، لتبسط الدولة هيبتها، وتصون حقوق المواطنين دون تمييز».
لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ كشف بيان ثان للنيابة العامة أن فحص هواتف المتهمين وتفريغ محتواها أظهر تسجيلات تدين أصحابها فى جرائم بالغة الخطورة، تشمل خطفا مقترنا بهتك عرض، واحتجازا مصحوبا بتعذيب بدنى، وإكراها على توقيع أوراق، إلى جانب حيازة أسلحة وأدوات تعذيب وحيوانات برية شرسة.
وكشفت التحقيقات المالية الموازية عن لجوء المتهمين إلى غسل الأموال المتحصلة من أنشطتهم الإجرامية عبر أساليب متعددة استهدفت إخفاء طبيعتها وقطع الصلة بينها وبين مصادرها.
وعلى إثر ذلك، أصدرت النيابة العامة قرارا بإدراج نخنوخ ورفاقه على قوائم الممنوعين من السفر لحين استكمال التحقيقات.. بشأن اتهامات تتعلق بغسل الأموال، وذلك فى إطار التحقيقات الجارية المرتبطة بالقضية محل الفحص.
واستمعت النيابة إلى أقوال المتهم بشأن مصادر أمواله وعدد من المعاملات المالية التى تخضع للفحص، كما تواصل مراجعة التحريات والتقارير الفنية الواردة من الجهات المختصة؛ للوقوف على مدى صحة الوقائع المنسوبة إليه.. وأخطرت جهات التحقيق المختصة جميع مكاتب الشهر العقارى على مستوى الجمهورية بتنفيذ قرار التحفظ على أموال نخنوخ، وزوجته اللبنانية، ونجل شقيقه جون نخنوخ، وآخرين، ومنعهم من التصرف فيها، وذلك على ذمة التحقيقات الجارية فى القضية.
وشمل قرار التحفظ جميع الأموال المنقولة والعقارية المملوكة للمتهمين، بما فى ذلك الأسهم والصكوك والسندات والودائع البنكية والخزائن والمحافظ الإلكترونية، مع حظر أى تصرف فيها لحين انتهاء التحقيقات والفصل فى القضية.
كما تم إخطار الجهات المعنية، ومنها البنوك ومكاتب الشهر العقارى والبورصة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار.
الخلاصة : صبرى نخنوخ اليوم يقبع خلف القضبان، وأمواله مجمدة، وإمبراطوريته مهددة بالانهيار، ودولته زالت.. النيابة تحقق معه فى قضايا قد تقضى على ما تبقى من حياته خلف القضبان، إن لم تصل به إلى عقوبة الإعدام بالنظر إلى بشاعة بعض التهم كهتك العرض والتعذيب.
لكن وراء القضبان، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل نخنوخ هو الحلقة الأخيرة؟ أم أنه مجرد حلقة وسطى؟ ومن سيأتى بعده؟
ما يحدث هذه الأيام فى مصر ليس مجرد قضية جنائية... إنه إعادة تعريف للعقد الاجتماعى بين الدولة والقوى غير الرسمية.. وخلال هذه العملية، هناك من يربح وهناك من يخسر.
صبرى نخنوخ خسر كل شيء فى غضون أيام.. من كان يحسب نفسه فوق القانون بات اليوم، فى زنزانة انفرادية، ينتظر مصيره.
أما الدولة، فربحت معركة، لكن الحرب ما زالت مستمرة.. فالجميع يترقب الآن: من هو التالي؟
التهم الموجهة لـ«صبرى نخنوخ» حسب بيان النيابة
التهم الأساسية من الواقعة الرئيسية (اقتحام معرض السيارات):
• اقتحام معرض سيارات فى التجمع الخامس على خلفية خلاف مالى (صفقة فيلا بملايين الجنيهات).
• التعدى بالضرب على أصحاب/عاملين فى المعرض.
• السرقة بالإكراه (استيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة).
• البلطجة واستعراض القوة والترويع.
• إتلاف ممتلكات خاصة.
التهم الرئيسية
بعد التحريات والتفتيش:
النيابة أكدت تزعم نخنوخ (مع آخرين) تشكيلاً عصابياً لـ:
• فرض السيطرة وممارسة البلطجة بالقوة والتهديد.
• الإخلال بالنظام العام.
• استخدام شركة فالكون للحراسات (التى اشتراها) كغطاء للأنشطة غير القانونية.
من التفتيش فى المنزل والمقار:
• حيازة أسلحة نارية بدون ترخيص: بندقيتين آليتين (رشاش)، طبنجة، أسلحة بيضاء، أسلحة صوت وضغط هواء، وكمية ذخيرة كبيرة (حوالى ألف طلقة).
• عشر قطع أثرية (تهمة تهريب/حيازة آثار).
• أجهزة اتصال غير مرخصة.
• فيديوهات وتسجيلات تظهر جرائم أخرى:
• خطف مقترن بهتك عرض، احتجاز وتعذيب بدني، إكراه على توقيع مستندات/أوراق تحت التهديد.
• استخدام حيوانات برية شرسة (مفترسة) فى الترهيب.
تهم إضافية محتملة/ موسعة:
• غسل أموال (تحقيقات مالية مستمرة مع التحفظ على أمواله وعقاراته).
• جرائم أخرى مرتبطة بالتشكيل العصابى (ابتزاز، تأمين أماكن، إلخ).
الإجراءات القضائية:
• حبس 4 أيام ثم تجديد لـ15 يوماً (مع آخرين، منهم ابن شقيقه).
• التحقيقات مستمرة وموسعة، مع سقوط متهمين إضافيين.
هذه التهم مبنية على بيان النيابة العامة الرسمى وما كشفته التحقيقات والتفتيش.







