الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

محادثات القاهرة فرصة أخيرة لكسر جمود خطة ترامب

مهمة صمود «اتفاق غزة»

لم تكن «القاهرة» يومًا مجرد وسيط فى أى محادثات تحقق سلاما دائما فى قطاع غزة، حيث تتجاوز مصر فى مباحثات المرحلة الثانية بالقاهرة الدور التقليدى للوساطة، لتقود تحركًا دبلوماسيًا تسعى من خلاله إلى صياغة معادلة توازن تجمع بين مواجهة التعنت الإسرائيلى، ودعم الشرعية الفلسطينية، والتعامل مع الضغوط الدولية، مع الحفاظ على حيادها النسبى لضرورة الأمن القومى، الذى يعتبر استقرار قطاع غزة جزءا من أمنها القومى، ما يجعل نجاح المحادثات وإنقاذ اتفاق السلام ضرورة استراتيجية.



 اجتماعات مكثفة

حاولت مصر خلال اجتماعات مكثفة ومحادثات أجريت فى القاهرة الأسبوع الماضى، تخفيف حدة التوترات بين فصائل المقاومة الفلسطينية وهيئة السلام لغزة، بعد أن دعا المفاوضون المصريون قادة من حركة حماس الفلسطينية وقادة من حركات وجبهات المقاومة فى تمثيل شامل لكل سكان القطاع، وذلك فى ظل استمرار الخلافات حول «خطة السلام» الموقعة فى أكتوبر الماضى، والتى لم تُنفذ سوى جزئيًا بسبب المماطلة الإسرائيلية.

 وانطلقت المحادثات بحضور ممثلين ومفاوضين من تركيا وقطر، وناقشت المباحثات أيضًا مستقبل إدارة غزة عبر حكومة «تكنوقراط»، شكلت مطلع العام الجارى تحت مسمى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة على شعث، لكنها لم تحظ بأى تعاون من إسرائيل.

 كما  ناقش المسئولون المصريون مع قادة حماس الخطط الحالية والمستقبلية المتعلقة بسلامة القادة وإقامتهم على المدى الطويل، حيث لم يقبل سوى عدد قليل منهم فكرة اضطرارهم لمغادرة غزة نهائيًا أو على الأقل لفترة طويلة.

 

 

 

وأفادت مصادر مصرية أن المحادثات مع حماس وهيئة السلام لغزة، ستستمر على مستوى أدنى حتى إحراز تقدم.

 وعلى هامش الاجتماعات ناقش المفاوضون المصريون مع القادة الفلسطينيين، ملف الانتخابات الداخلية لحماس بعد اغتيال «السنوار» وقادة المكتب السياسى للحركة، فى ظل استمرار التصعيد الإسرائيلى الذى أودى بحياة نحو ألف فلسطينى وأصاب ثلاثة آلاف منذ بدء الهدنة الهشة فى أكتوبر 2025، بالإضافة لتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو نحو السيطرة على 70 % من القطاع، حيث تبدو جهود القاهرة اختبارًا حاسمًا بين خيارين إما تثبيت اتفاق السلام عبر خطوات عملية تشمل إدخال قوة استقرار دولية إلى غزة أو انهيار الهدنة ودخول القطاع فى مرحلة جديدة من التصعيد لا أحد يعلم إلى أى مدى قد تصل.

 نقاط الخلاف

 تعكس محادثات القاهرة تعقيدًا دبلوماسيًا غير مسبوق، إذ تتقاطع المصالح الأمنية والسياسية والإنسانية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيما تحاول مصر أن تلعب دور الوسيط الحاسم لدفع عملية السلام إلى المرحلة الثانية، عبر تقريب وجهات النظر فى اجتماعات مكثفة حول خمس نقاط خلافية رئيسية، أولها يتمحور حول مصير الشرطة المدنية، حيث تطالب حماس بدمج نحو 10 آلاف عنصر فى القوة الأمنية الجديدة باعتبارهم البنية الأساسية للأمن الداخلى بعد الحرب، بينما ترفض إسرائيل ذلك رفضًا قاطعًا وتراه تهديدًا مباشرًا لأمنها، حيث يرى الخبراء، أن هذه الأزمة تعد اختبارًا لمعادلة الأمن مقابل الشرعية.

 أما النقطة الثانية، فهى المطالبة الفلسطينية بانسحاب القوات الإسرائيلية وفق جدول زمنى واضح يضمن جدية التنفيذ، لكن إسرائيل تماطل فى تحديد المواعيد، ما يثير شكوكًا حول نواياها ويجعل الانسحاب الجزئى «ورقة ضغط».

 فيما تتمثل النقطة الثالثة، فى إصرار إسرائيل على نزع سلاح شامل للجناح العسكرى لحماس والفصائل وهو ما ترفضه الحركة، إلا فى إطار عملية سياسية شاملة، معتبرة أن السلاح ضمانة سياسية لا مجرد أداة عسكرية، بينما ترى إسرائيل أن بقاءه ينسف أى ترتيبات أمنية مستقبلية.

النقطة الرابعة تتعلق بشرط  حماس بضرورة الوقف الكامل للهجمات الإسرائيلية، فى المقابل ترفض تل أبيب، مبررة استمرار عمليات محدودة بذريعة «الأمن الوقائي»، لكن استمرار سقوط أكثر من 950 ضحية منذ بدء الهدنة يقوض الثقة، ويجعل أى اتفاق هشًا، ويضع مصر أمام تحد عبر إقناع إسرائيل بوقف شامل.

وأخيرًا ترتبط النقطة الخامسة بالإعمار، حيث يربط المجتمع الدولى تمويل إعادة الإعمار بضمانات أمنية وسياسية، فيما يرى الفلسطينيون أن استمرار القصف أو المماطلة فى الانسحاب يهدد أى جهود للبناء ما جعل الإعمار رهينة للتجاذبات، ويضع المفاوضين الرئيسين سواء المصريين أوالأتراك أو القطريين وحتى أمريكا، أمام مهمة مزدوجة لتأمين التمويل الدولى وضمان بيئة مستقرة تسمح بتنفيذه. 

 المشاركة فى قوة الاستقرار

أعلنت واشنطن رسميًا ضم أول ضباط عسكريين مصريين إلى مجلس السلام الذى شكله الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإدارة ملف غزة، فى خطوة وصفت بـ «المحورية»، ضمن جهود تشكيل قوة استقرار دولية.

 مشاركة مصر لم تكن رمزية فحسب، بل حملت دلالات استراتيجية عميقة، إذ إن مصر تعد الدولة الوحيدة التى تتشارك حدودًا مباشرة مع القطاع، ما يجعل دورها فى أى عملية سلام أو استقرار أمرًا لا غنى عنه.

 وانضم الضباط رسميًا إلى وحدة حفظ السلام التابعة للمجلس فى بداية الشهر الجارى، ليكونوا جزءًا من الهيكل العسكرى الدولى المكلف بمتابعة الأوضاع الميدانية فى غزة، حيث تم إعلان انضمام مصر عبر مجموعة من الصور تظهر مسئولًا عسكريًا أمريكيًا وهو يستقبل ضابطين مصريين، فى مشهد يعكس الطابع الدولى للمبادرة.

ومن المفترض أن يشارك الضباط المصريون فى تنسيق عمليات الاستقرار، خاصة فى المناطق الحدودية بما يضمن ضبط الأمن ومراقبة الأنفاق ومنع تهريب السلاح، وتنسيق تدفق المساعدات الإنسانية حسب الأولوية والأهمية، إضافة إلى دعم جهود إعادة الإعمار فى قطاع غزة.

 المفاوضون والوسطاء

حضر إبراهيم كالين رئيس جهاز المخابرات الوطنية التركية المحادثات رفيعة المستوى فى القاهرة، والتى ركزت على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة.

 وبحسب الصحف التركية، جرت المباحثات فى جو بناء حيث عمل المشاركون على مسودة خارطة طريق تهدف إلى دفع عملية وقف إطلاق النار وتذليل العقبات على أرض الواقع، كما تناولت المحادثات الخطوات اللازمة لإتمام التزامات المرحلة الأولى، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، والحفاظ على الهدوء، مع التطرق إلى إدارة القطاع وإعادة إعماره وإمكانية نشر قوة دولية.

 وعلى هامش الاجتماعات الرئيسية عقد «كالين» اجتماعات منفصلة مع رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد ورئيس الوزراء القطرى الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثان، حيث تناولت المحادثات الحرب «الأمريكية- الإسرائيلية -الإيرانية» الدائرة، إلى جانب التطورات فى الصومال والسودان وليبيا، وذلك وفقًا لمصادر أمنية مطلعة.

 كما أكد مسئول بفصيل فلسطينى مشارك فى المباحثات، أن جولة المفاوضات الجديدة ستستمر لعدة أيام وستبحث الورقة التى قدمها «ملادينوف» لحماس حول آلية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ وخطة ترامب لوقف إطلاق النار بغزة. 

وأوضح المسئول أن الورقة بحاجة إلى تعديلات جوهرية للنظر بحيادية للطرفين «حماس وإسرائيل»، لأنها تنحاز للاحتلال الإسرائيلى أكثر مما ينبغى، وتركز فقط على سلاح المقاومة، متابعًا: «لدينا ملاحظات جوهرية على الورقة، ولدى الوسطاء تفهم لهذه التحفظات، خاصة أننا نأمل أن يتمكن الوسطاء فى مصر وتركيا وقطر فى إحراز تقدم كبير».