الأحد 14 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عبدالعزيز مخيون.. رحيل فنان مثقف

قبل أيام، غادر الفنان «عبدالعزيز مخيون» الحياة تاركا وراءه عشرات الأدوار المهمة فى السينما والتليفزيون والمسرح، لكننا برحيله لا نودع فنانا كبيرا فقط، بل نودع نموذجا إنسانيا وثقافيا يكاد يختفى من حياتنا الفنية، فهو واحد من أبناء جيل آمن بأن الثقافة هى الطريق إلى الفن، وأن القراءة لا تقل أهمية عن الموهبة، لذلك ظل قارئا نهما لآخر يوم فى حياته.



فى قرية دمسنا التابعة لمركز أبو حمص بمحافظة البحيرة بدأت الحكاية، وفيها انتهت أيضا، ففى هذه القرية نشأ «عبدالعزيز مخيون» طفلا يحمل شغفا بالفن والموسيقى والقراءة، وخرج منها شابا يبحث عن فرصة، وبعد سنوات من النجاح، عاد إليها مجددا ليقضى فيها سنواته الأخيرة، وها هو يدفن فى أرضها بعد رحلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، وبين البداية والنهاية كانت هناك سيرة استثنائية لفنان ومثقف عاش للفن والفكر معا.

هناك نشأ وسط أسرة محبة للثقافة تمتلك مكتبة كبيرة، فصارت القراءة جزءا من تكوينه المبكر، وفى مدرسة القرية اكتشف أحد المدرسين موهبته ومنحه أول دور مسرحى، لتبدأ علاقته بالفن منذ الطفولة، لكن المفارقة أن التمثيل لم يكن حلمه الأول، فقد كان شغفه الحقيقى بالموسيقى، فقد اشترى له والده المثقف المحب للفنون آلات موسيقية متعددة، وتعلم العزف على الكمان، وتأثر بالموسيقى الكلاسيكية التى كان يقدمها الدكتور «حسين فوزي» عبر البرنامج الثقافى، وتخيل نفسه يوما قائدا لأوركسترا أو مايسترو كبيرا، وحين أنهى دراسته الثانوية جاء إلى القاهرة لتحقيق هذا الحلم، لكنه لم ينجح فى الالتحاق بمعهد الموسيقى، فاتجه إلى معهد الفنون المسرحية.

لكن الذى شكل شخصية «عبدالعزيز مخيون» لم يكن التعليم الأكاديمى وحده، ففى الستينيات عاش حالة عشق مع القاهرة، فكان يتردد على الأوبرا القديمة لمشاهدة العروض العالمية، ويحضر بروفات المسرح القومى، ويقضى ساعات طويلة بين الكتب فى سور الأزبكية، كما كان من رواد ندوة «نجيب محفوظ» الأسبوعية فى مقهى ريش، ويتردد على الدور الرابع فى مؤسسة الأهرام حيث مكاتب «توفيق الحكيم ولويس عوض ويوسف إدريس» وغيرهم من رموز الفكر والثقافة.

هناك تشكل وعيه الحقيقى، لذلك لم يكن غريبا أن يعمل بالصحافة ويكتب النقد المسرحى، فى روز اليوسف ودار الهلال والأهرام والطليعة وأن يجرى حوارات مع شخصيات بحجم «لويس عوض وحسن فتحى ونجيب سرور» قبل أن يسافر فى منحة إلى فرنسا، حيث درس اللغة الفرنسية واحتك بتجارب مسرحية عالمية أثرت على رؤيته الفنية والإنسانية.

ومن أكثر التجارب دلالة على شخصيته مشروع «مسرح الفلاحين» الذى أسسه فى قريته، ففى الوقت الذى كان كثيرون يسعون إلى الشهرة والانتشار، عاد هو إلى الريف ليقدم المسرح بين الفلاحين أنفسهم، باحثا عن صيغة مصرية خالصة للفن، وهو ما دفعه إلى توثيق هذه التجربة لاحقا فى كتاب حمل عنوان (يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية).

والحقيقة أن هذه الواقعة وغيرها من الوقائع كانت خير دليل على أنه لم يتعامل مع الفن باعتباره تجارة أو وسيلة لتحقيق الثروة، وإنما باعتباره رسالة وقيمة، حيث رفض تقديم الإعلانات التجارية رغم عائدها المادى الكبير، واعتذر عن أعمال مهمة ندم على بعضها لاحقا، منها مسلسل (العائلة) لـ«وحيد حامد»، كما خسر بطولة فيلم (الكرنك) بعدما التزم بعمل آخر أثناء توقف التصوير، لينتقل الدور إلى «نور الشريف» ويكتفى هو بدور صغير فى الفيلم، وبسبب فيلم (بئر الخيانة) الذى جسد فيه شخصية الضابط الإسرائيلى «أبو داوود» ضاع عليه حلم العالمية، حيث تم اختياره من التليفزيون البريطانى، لأداء شخصية فى مسلسل اسمه (أقدار الحرب) أمام الممثلة العالمية «إيما تومسون» الحاصلة على أوسكار، وقام بعمل بروفات معها ومع المخرج، وتحدد أن يكون أول يوم تصوير فى قلعة صلاح الدين، وعندما قرر منتج فيلم (بئر الخيانة) السفر إلى روما لتصوير مشاهد الفيلم هناك أخبره أنه مرتبط بعد عدة أشهر بفيلم عالمى فقال له أن فريق الفيلم سينتهى من التصوير قبل ذلك التاريخ بكثير وهو ما لم يحدث فضاع عليه الفيلم.

ورغم انعزاله، إلا أنه قد ارتبط بصداقات قوية مع عدد من النجوم، مثل صداقته العميقة بالكاتب الكبير «وحيد حامد» منذ سنوات البدايات، حين كانا شابين مغتربين يحاولان شق طريقهما فى القاهرة، وكانا يذهبان معا إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، ويجلسان فى الكافتيريا لساعات طويلة يكتب خلالها «وحيد» حلقاته الإذاعية، ومع مرور السنوات تحولت هذه الصداقة إلى شراكة فنية أثمرت أعمالا مهمة مثل (سفر الأحلام والبشاير ودم الغزال والجماعة).

كما جمعته صداقة خاصة بـ«أحمد زكي» إذ رأى أن بينهما قواسم مشتركة عديدة، فكلاهما جاء من الأقاليم، وكلاهما واجه صعوبات فى بداياته، وكلاهما اضطر إلى إثبات نفسه أكثر من مرة داخل الوسط الفنى، لذلك نشأت بينهما ألفة خاصة انعكست فى الأعمال التى جمعتهما وأهمها (الهروب).

أما على الشاشة فقد اختار أدواره بالطريقة نفسها التى عاش بها حياته. لم يكن يبحث عن مساحة الدور بقدر ما كان يبحث عن قيمته وتأثيره، لذلك تنوعت شخصياته بين المثقف والسياسى ورجل السلطة والفلاح ورجل الأعمال، وقدم شخصيات لا تنسى فى أعمال مثل (ليالى الحلمية والشهد والدموع)، كما أدى شخصية الموسيقار «محمد عبدالوهاب» أربع مرات فى أعمال مختلفة، بعدما كان يحمل إعجابا خاصا به منذ شبابه، بل إنه حرص على مقابلة «عبدالوهاب» شخصيا قبل تقديمه للمرة الأولى ليستمع إلى ملاحظاته ويقترب أكثر من الشخصية، وظل لآخر يوم فى حياته يحلم بتقديم سيرته فى مسلسل تليفزيونى.

ليرحل «عبدالعزيز مخيون» دون أن يحقق الكثير من أحلامه، تاركا خلفه رحلة عطاء كبيرة، وسيرة عطرة لفنان سيبقى اسمه حاضرا فى الذاكرة، ليس فقط باعتباره ممثلا موهوبا، بل باعتباره نموذجا للفنان المثقف كما ينبغى أن يكون.