محمد هانى
ما يشبه الحقيقة!
بعد محاولات استمرت شهورًا، حدد لى موعدًا لإجراء حوار صحفى.. ذهبت إليه فى مكتبه المطل على القاهرة من أعلى نقطة، حيث يبدو كل شىء صغيرًا وبعيدًا وبلا صوت، كمشهد صامت يتبدل أبطاله، لكنه مستمر بلا انقطاع.
أدرت جهاز التسجيل الصغير وطرحت عليه أسئلتى التى أعددتها بعناية شديدة وكنت حريصًا على توثيقها بتصريحاته السابقة ومواقفه المثبتة وبكل مستند استطعت الحصول عليه.. بهدوء شديد وبثقة كاملة وبدون تردد ولا حاجة لإعادة تفكير أجاب عليها، بينما أدون أنا فى أوراقى ما أرى أنها مناطق لعناوين قوية.
عندما انتهت الساعة المخصصة للحوار وأستشعر أننى ما زلت لدىّ المزيد من الأسئلة، قال لى:
يمكننا الحديث عشر دقائق أخرى، فواصلت أسئلتى المتبقية سريعًا واختتمتها بسؤال عن شخصية من جيله لم يشغل صاحبها منصبًا رسميًا كبيرًا، لكنه كان يملك تأثيرًا قويًا فى الحياة السياسية والمجال العام.
قلت له : لقد اعترف « فلان» فى ندوة عامة بأنه اتخذ مسارًا خاطئًا فى أغلب مشواره السياسى، وأن مواقفه تجاه قضايا عديدة كانت مدفوعة بحسابات منفعة شخصية أو نكاية فى خصوم وليست للمصلحة العامة ولا حتى لما يراه هو شخصيًا موقفًا سليمًا، كما كشف تفاصيل غير معروفة عن أدوار أطراف أخرى فى كل ذلك.. وقد هاجمته شخصيات مسئولة وجهات بعضها رسمى لأن ما قاله تسبب فى حالة من انعدام الثقة لم تمسه هو فقط بل طالت شخصيات ومؤسسات، لكنك التزمت عدم التعليق.. هل يمكن أن أسألك عن رأيك فيما قال؟
قال لى : أوقف التسجيل.. لقد قلت لك ما لدىّ.
لم أكن بالقطع أريد أن يكون ذلك مشهد النهاية للقاء بدأ سلسًا وسار متدفقًا واقتنصت فيه حوارًا زاخرًا بمعلومات وآراء وتصريحات بدت لى جريئة قياسًا على أنها تأتى على لسان سياسى محنك وشخصية مسئولة.
أغلقت جهاز التسجيل ولملمت أوراقى وشكرته متأهبًا للمغادرة، لكنه قال لى:
إلى أين؟.. أريد أن أجيب عن سؤالك.. لنفسى أولًا ولك أنت، ربما تستفيد مما سأقوله فى قادم أيامك بعيدًا عن حوارنا الذى ستنشره.
ترك مقعده خلف المكتب وجلس على المقعد المواجه لى وقال:
كل ما قاله صاحبنا صحيح!
ولكنه «حرق» نفسه وآخرين معه.
لا تقلق على الآخرين سيرتبون أمورهم بسهولة.
ولماذا قال هو عن نفسه كل ذلك؟
هذا هو المهم.. عندما تتجاوز السبعين وتترك لك معاركك وتطلعاتك وخطاياك بقايا إنسان بداخلك، تكره الكذب.. تشعر أنك عشت حياتك أسيرًا له، بل تشعر أنه يستعبدك وأنك تكاد تختنق كلما تكلمت، وقد تأتى لحظة أقوى منك تقرر فيها أن تتحرر.. أن تقول الحقيقة حتى لو قضت على سمعتك أو كلفتك حياتك.. هذا لا يحدث إلا نادرًا خاصة إذا كان الشخص مازال فى مجال العمل العام، لكن هاهو حدث لصاحبنا.
هل تعتبر ذلك جنونًا أم انتحارًا؟
بل شجاعة لا أقدر عليها.. هل أجبتك عن سؤالك؟
الحقيقة أنه أجابنى.. وبما لم أتوقعه منه تحديدًا، فقد كان رجلًا يحسب لكل كلمة ألف حساب ولا يطمئن لأحد، ويملك جهازًا عصبيًا فولاذيًا ووجهًا يستطيع التحكم فى تعبيراته لدرجة يستحيل معها أن تتمكن من النفاذ إلى أعماقه، ولم أكن أدرى (ومازلت) أى لحظة تلك التى دفعته ليبوح لى بذلك.
جرت فى النهر مياه ودوامات كثيرة وظل الرجل فى صدارة العمل العام بنفس القوة والسيطرة والتأثير إلى أن انقضى عهد وجاء عهد آخر، وظل حتى آخر يوم فى عمره قابضًا على كتمانه.
هل كتب مذكراته؟ هل أفرج فيها عن حقيقة ما رآه وعرفه وشارك فيه؟ هل انتقم لنفسه (حتى ولو كان أمام نفسه فقط) من الكذب الذى يأسر رجالًا ويستعبدهم؟.. لا أدرى.
ثلاثون عامًا مرت على هذا اللقاء الذى لا أنساه والذى ظل أيضًا ذكرى لحوار لم ير النور، فقبل أن أغادر مكتبه طلب منى ألا أنشر كل ما سجلناه!
قال: أنت تريد الحقيقة.. فلا تنشر.











