الأحد 14 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الفنانة التشكيلية منى غريب «نحاتة» تمنح روحـًا وفكرًا الطين

تعكس توجهات الدولة فى السنوات الأخيرة اهتمامًا واضحًا برعاية المبدعين وتشجيع الأفكار الجديدة فى مختلف المجالات، وهو ما تؤكده باستمرار تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي حول أهمية دعم أصحاب المواهب وتحويل طاقاتهم إلى مشروعات منتجة تسهم فى التنمية. 



 وفي ظل هذا التوجه الداعم للإبداع، تواصل العديد  من المواهب المصرية إثبات حضورها، مقدمة تجارب مبتكرة تعكس ثراء المشهد الثقافي.

 ومن بين هذه المواهب الواعدة تبرز موهبة استطاعت أن تشق  طريقها في عالم النحت برؤية خاصة تجمع بين الموهبة والاجتهاد والطموح.

 

فنانة مصرية وصاحبة أنامل ذهبية، قادرة على تحويل الحجر والطين إلى تماثيل نابضة بالحياة والفكر والفلسفة، لا تسعى للشهرة بقدر سعيها لتقديم فن حقيقى تعبر فيه عن ذاتها وقضايا مجتمعها، نجحت بجدارة فى التعبير عن حقوق النساء والهوية المصرية فى أعمالها النحتية، وأصبحت واحدة من الفنانين القلائل الذين التحقوا بالأكاديمية الدولية للخزف فى سويسرا.

 

هى الفنانة التشكيلية والنحاتة والأكاديمية منى غريب، الأستاذة بقسم النحت تخصص النحت الخزفى بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية، ورئيسة قسم النحت سابقًا. 

وتستعد غريب لانطلاق معرضها القادم فى 18 يونيو بعنوان «احتضان وتخلى» بمركز محمود مختار الثقافى.

 فى البداية.. حدثينا عن شغفك بالفن.. هل النشأة لها دور فى تشكيل موهبتك أم ماذا؟

- نشأتى كان لها دور كبير فى علاقتى بالفنون، كنت طفلة صغيرة عمرها 7 سنوات، شغوفة بالرسم والتشكيل بالصلصال والطين بشكل عفوى، بدون معرفتى أن ما أُمارسه هو فن النحت، وانتبهت والدتى رحمها الله لهواياتى، وكانت امرأة مثقفة وواعية بأهمية ودور الفن والرياضة فى حياة الطفل، وبالفعل عكفت على تنمية موهبتى بشراء الخامات والألوان، والذهاب بى لقصور ثقافة سيدى جابر والأنفوشى.

وكان ذلك فرصة ذهبية لطفلة الاقتراب من فنانين كبار والاطلاع على فنهم فى سن مبكرة، وخاصة إنه كان لدى فضول كبير وسؤال مستمر للفنانين عن طبيعة العمل الفنى ومعناه وكيفية تنفيذه حتى قررت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية.

 ما الذى دفعك للالتحاق بقسم النحت فى الكلية؟

- فى مرحلة الإعدادى قبل التخصص فى الكلية، كنت أتردد كثيرًا على أتيليه الإسكندرية، كان بمثابة ملتقى ثقافى ومنارة للفن يزخر بالفنانين التشكيليين، الموسيقيين، الشعراء، وهناك تعرفت على مثلى الأعلى وملهمى فى عالم النحت أستاذى الدكتور جابر حجازى، عندما شاهدته وهو ينحت ويصنع بضربات صغيرة على الحجر مكونًا عملًا فنيًا بديعًا، حدث لى حالة شديدة من الانبهار أشبه بـ«الهوس» وفُتنت أكثر بعالم النحت، وشعرت أننى قبضت على حلمى وشغفى فى الحياة.

وعندما أبديت له إعجابى بنحته على الحجر ورغبتى فى تعلمه، سألنى: « أنتِ فى سنة كام وبتعملى إيه؟»، وعندما علم أنى فى مرحلة الاعدادى بالكلية، قال لى « الهرم يُبنى من أسفل إلى أعلى وليس العكس»، لأنه كان ينحت حجرًا وأنا لم أبدا بعد عمل على الصلصال، ناصحًا بضرورة تعلم الأساسيات فى البداية.

ولكن مع ذلك لم يحرمنى من خبراته والتعلم المستمر منه، ولاحظ حرصى على الذهاب بشكل مستمر لمشاهدته وهو ينحت أعماله، ولم أنس إهدائه لى بعضًا من أدواته الخاصة «إزميل ومطرقة» كنوع من التشجيع والدعم عند التحاقى بقسم النحت، وهذه الأدوات التى اعتز بها كثيرًا مازالت جزءًا من أدواتى حتى يومنا هذا، لأنها كانت بمثابة شهادة عبور لى بأنى جديرة بأن أكون تلميذته، وبالفعل عند كتابة رغبات التخصص الثلاث فى الكلية كتبت النحت ثلاث مرات، وتفوقت فى القسم وأصبحت معيدة ثم رئيسة له.

 ما الفرق بين النحت والنحت الخزفي؟

- كنت محظوظة أن تخصص «النحت الخزفى» كان جديدًا فى الكلية، ودفعتى أول من تخصصت فيه، وتشرفت لكونى أول باحثة يُكتب اسمها على رسالة الماجستير والشهادة العلمية أيضًا فى هذا التخصص.

الفرق بين النحت والنحت الخزفى، الأول يعتمد على خامات صلبة مثل الحجر أو الخشب أو الحديد، والعمل عليها من خلال الحذف أو البناء باللحام، لكن النحت الخزفى أنتِ كفنانة تشتغلين بالطينة، فهى الوسيط فى تصميم عملك الفنى ثم تخضع للحرق، بدون أى وسيط ثانى، واكتشفت إدمانى للطينة ومراحل تشكيلها وحرقها، كل مرحلة لها متعة خاصة.

 ما الذى يميزها لكِ كنحاتة عن غيرها من الخامات؟

- ما يميز الطين كخامة طبيعية تمنحها لنا البيئة بسخاء، عن أى خامة أخرى إنها طيعة وسريعة التشكيل، تقدرى كفنانة تطلعى فيها انفعالاتك ومشاعرك ببصمة يدك، ولا أحد يلمسها بعدك أو يُعدل عليها.

فالقطعة من بدايتها لنهايتها هى لمسة الفنان، لأنك بمجرد تشكيل الطين ووضع بصمتك عليه ثم إدخال الشكل فى النار للحرق، سوف تخرج بصمتك كماهى، لا وسيط بين يديكى كفنانة وبين الخامة.

بينما النحت العادى هناك مراحل أخرى لخروج العمل الفنى، من القولبة ثم الصنفرة، واحتمال وجود عمال آخرين يعتمد عليهم الفنان فى إنتاج المنحوتات الأخرى من الحديد أو الحجر مثلًا، لكن النحت الخزفى هو بصمتك بمفردك كفنانة دون وسيط آخر.

 هل تخصص النحت الخزفى أبعدك عن النحت بالحجر أو الحديد؟

 - إطلاقًا، أنا بنحت بالحجر والبرونز وبستخدم خامات أخرى فى منحوتاتى، ولكن يظل النحت الخزفى الأقرب للفنان، ويصبح هناك ارتباط نفسى شديد مابينك وبين عملية التشكيل للطين، كأنها قطعة منك تُشكل.

كيف تأتى إليكِ أفكار أعمالك الفنية؟

- بدون مبالغة معظم أفكار أعمالى تأتى من أحلامى، ليس دعابة، حقيقى بنام وبحلم بتمثال حقيقى أرى فيه كل تفاصيله وليس مجرد كتلة، لدرجة أن لدى تجارب فنية لم أصل فيها لنفس الكمال الذى شاهدته فى أحلامى لعمل من الأعمال الفنية، بجانب الأحلام ربما يثير حديث أحد الأشخاص موقف أو فكرة بداخلى، أو قراءة عن أحداث معينة فى الجرائد أو على منصات التواصل الاجتماعى، تختمر بداخلى حتى تخرج فى عمل فنى.

فمثلًا كان أحد معارضى بعنوان «العرائس»، فمثلًا عروسة ليس مجرد كلمة ولكن هى فكرة متشعبة فى حياتنا المصرية، عبرت عنها فى تماثيل مختلفة مثل عروسة المولد، عروسة البحر، عروسة النيل، عروسة الحسد، فهى كلمة تحمل دلالات عميقة فى تراثنا وثقافتنا المصرية، وهكذا أستلهم أفكارى.

 للهوية المصرية مساحة كبيرة من أعمالك!

- تأثير الهوية ليس على فقط ،ولكن دور أى فنان مصرى، أن يجعل الهوية المصرية تكمل وتمتد، أنا لست ضد التطور ولكن ضد التغريب، إنِ أغرّب شغلى، وأجعله غريبًا شكلًا وموضوعًا، ويكون قريبًا للغرب أكثر منه لحضارتنا، نحن أصلًا كبلد، مهد للحضارة، «إحنا بتوع النحت»، والمعابد فى بر مصر تشهد على ذلك.

 ما تعليقك على قيام البعض بتقليد الغرب؟

- الفنان لن يكون عالميًا غير لما يكون مؤمن بنفسه وبأسلوبه بما يقدمه من فن أصلًا، وإنى آمن باللى بعمله ليس للشهرة، أنا لاغية هذه الفكرة من خريطتى، أنا مش بعمل فنى ومنحوتاتى عشان أتشهر، أنا بعمل ده لحبى له.

 تشغل «النساء» محورًا كبيرًا من أعمالك الفنية.. هل تصنفين نفسك كفنانة نسوية؟

- لا أُصنف نفسى كفنانة نسوية، ولكن لدى اهتمام عميق بقضايا النساء وحقوقهن، لدى تحيز واضح وكبير فى أعمالى، لأنى جزء من هذا المجتمع وامرأة وفنانة فى ذات الوقت، ترغب فى التعبير عن قضاياها من خلال أعمالها، واهتمامى دائمًا فى أعمالى الدفاع عن المرأة المستضعفة ورفض العنف الممارس ضدها، وإظهارها قوية ومثابرة، فكل امرأة مصرية تحمل الأسرة على كتفها، لذا لا يمكن تهميشها.

 

 ما حقوق النساء التى عبرتى عنها من خلال أعمالك؟

- من أقرب التماثيل لقلبى، مصنوعان بوجع وليس بحب فقط، « تمثال» ملكة بطوق العبيد»، هو يعبر عن كل امرأة تظهر أمام الكاميرات إنها ملكة وتعيش فى رفاهية غامرة ،ولكن فى الواقع مستبعدة بفعل الظروف الاجتماعية الاقتصادية أو المادية أو الشخصية، فكلها أطواق تكبل النساء وتستعبدهن.

ونرى نوعًا جديدًا من الاستعباد حاليًا وهو السوشيال ميديا، هناك سيدات مثقلات بالهموم والمشاكل، ولكن يحاولن الظهور بأنهن سعيدات وملكات على منصات التواصل الاجتماعى، ولكن هذا غير حقيقى.

 وماذا عن تمثال « المظلومة»؟

- تمثال المظلومة مستوحى من «الميدوسا» اليونانية التى تعرضت للظلم والاغتصاب من أحد الآلهة القديمة وبدلًا ما يتم إنصافها، تم تحويلها لمسخ لا يراها أحد وقتلت ظلمًا ، ولاحظت انتشار الميدوسا وقتها كوشم على أجساد بعض النساء، أو على صفحاتهن بالسوشيال ميديا.

وقررت تصميم تمثال «المظلومة» للتعبير عن فكرة العنف ضد النساء بصفة عامة، وخاصة أن التاريخ يعيد نفسه الآن، فعندما تتعرض فتاة للتحرش أو أحد أشكال العنف الجنسى، يلقى اللوم على الضحية والتبرير للجانى، من المحزن أن المجتمع الآن يحول الضحية لشخص موصوم بالعار والخوف رغم ما تعرضت له من ظلم وعنف، وهو يشبه تماما ما حدث مع الميدوسا».

 كم من الوقت يستغرق نحت التمثال؟

- النحت الخزفى يتطلب وقتًا أكبر من النحت العادى، لا يقل العمل على تمثال عن شهر، ولكن حقيقى بكون مستمتعة بكل مرحلة فى تصميمه، بدءا من التشكيل ثم التجفيف ثم التلوين والحرق أو الحصول على طبقة الجليز، كل مرحلة تحتاج لوقت، ولكن لحين الانتهاء منها بعمل بالتوازى على تمثال أو عمل فنى آخر.

 إلى أى مدى تنشغل نحاتات الجيل الحالى بالاشتباك مع قضايا النساء؟

- لا أتذكر نحاتات من الجيل الحالى يحملن نفس الاشتباك والاهتمام بقضايا النساء، لأن من خلال ملاحظتى ومتابعتى للحركة الفنية، %90 منهن حاليًا يرغبن فى تحقيق ذاتهن بغض النظر عن القضايا التى يطرحونها، هن يعملن من أجل الشهرة وليس من أجل القضية، «الجيل الحالى بيشوف إيه الترند، ويروح يعمل زيه عشان ينجح بسرعة».

 ما سبب شهرة النحاتين الرجال عن النساء؟

- لا أعتقد تهميشًا متعمدًا، بقدر ما كان السياق العام فى كل المجالات آنذاك وخاصة فى عالم الفن التشكيلى، لا يحتفى بالنساء ونجاحهن كما يحدث الآن، تحظى النساء بمكانة جيدة ولها بصمة واضحة، بدليل أن قسم النحت فى الكلية تشكل فيه الطالبات نسبة 90 % من الدراسين، فالنحاتات الآن يصنعن التاريخ وأعدادهن فى تزايد مستمر.  هل واجهت تحديات فى مسيرتك الفنية تتعلق لكونك امرأة؟

- فى البداية عندما مارست النحت بالحجر، كان عدد النحاتات قليلًا آنذاك، وكان ينظر لى بذكورية « بنت إيه اللى هتنحت حجر؟!»، وبعد دخولى فى عالم النحت الخزفى واجهت فى البداية بعض العراقيل ولكن أظنها مماثلة مع النحاتين الرجال، وكنت مرفوضة فى مسابقات وصالونات النحت والنحت الخزفى، وهى تعود لطبيعة التخصص الحديث، فلم يكن معترف به فى البداية، حتى استقرت الأمور بعد سنوات وأصبح له لجان تحكيم واضحة ومسابقات معروفة.

 حصلت على العديد من الجوائز ما أهم جائزة لكِ؟

- أهم جائزة حصلت عليها مؤخرًا وأشعر بالفخر الشديد بها، هو التحاقى بالأكاديمية الدولية للخزف فى سويسرا، خطوة مهمة جدا فى مسيرتى الفنية واعتراف عالمى بأن خزافة متمكنة تستحق التواجد مع كبار الخزافين على مستوى العالم، شروط الانضمام للأكاديمية صعب جدًا، وتخضع لمعايير دقيقة من محكمين على مستوى العالم لاختيار الأعضاء الفنانين الجدد، خاصة أن عدد الملتحقين بالأكاديمية من مصر قليل جدًا لا يتجاوز 7 أو 9 فنانين، فى حين مثلا أن دولة كالصين لديها 400 فنان عضو بالأكاديمية.

وبصراحة لا أراها كجائزة أو تكريم خاصة لمنى غريب فقط، ولكن الجائزة الحقيقية هى وجود اسم مصر فى الأكاديمية وهو الأهم، وهى مكانة تستحقها بلدنا عن جدارة فى كل المجالات.

 كيف تقيمين الحركة التشكيلية المصرية فى المرحلة الراهنة؟

- الحركة التشكيلية الآن نشطة جدًا ومليئة بالصخب، لكن جزءًا كبيرًا منها غير صادق، «الكل دلوقتى عايز يبقى فنان تشكيلي!»، لدينا الكثير من الشباب موهوبين، لكن المنتشر حاليا هم أنصاف المواهب كما نقول بالعامية « ايدهم حلوة» ، لكن يعتمدون على التقليد copy فقط سواء لفنانين من الغرب أو حتى الرواد بل فنانين مازلوا على قيد الحياة، أصبح الفن الذى يقدم مجرد تقليد بلاهوية أو فكر، 

ورغم ذلك حركة الاقتناء شديدة جدا، لكن نظراً لغياب الحركة النقدية الحقيقية فالمقتنى لايعرف الفن الحقيقى من المزيف المقلد، ولكن فى رأيى الفنان الحقيقى يفلتر مع الزمن ويستمر صاحب التجربة الحقيقية ويختفى المزيف.

 أخيرًا.. حدثينا عن معرضك القادم؟

- هو معرض «احتضان وتخلى» يتناول العلاقات بين الرجل والمرأة، نتاج عمل استمر لعامين متواصلين، عن التحديات التى يواجها الأزواج فى بعض المراحل من حياتهم، جزء منه فكرته مستلهم من فترة كورونا والحجر الذى جعل الأزواج أشبه بالسجن، وكأنهم مسلسلون بقيود فى تمثال واحد.