السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
معركة كلاب الشوارع.. الإنسان أولاً

معركة كلاب الشوارع.. الإنسان أولاً

لم تعد أزمة كلاب الشوارع فى مصر مجرد مشهد عابر اعتاده الناس فى الأزقة والحارات، ولا ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها أحد إفرازات الفوضى العمرانية أو الإهمال المحلى؛ بل تحولت إلى قضية أمن مجتمعى حقيقية، تطرق أبواب البيوت كل صباح، وتزرع الرعب فى قلوب الأسَر، بعدما صار خبر عقر طفل أو مطاردة مواطن أو إصابة مُسِن بداء السُّعار يتكرر بصورة تكاد تكون يومية.  



المشهد بات صادمًا؛ مواطن يخشى السير ليلاً فى شارع عام، وأطفال يهربون مذعورين من عصابات الكلاب، وعائلات تحاصرها حالة قلق دائمة، بينما يقف على الجانب الآخر تيار متطرف يتعامل مع أى محاولة لتنظيم الظاهرة باعتبارها «جريمة ضد الإنسانية»، وكأن حياة الإنسان المصرى باتت تفصيلاً ثانويًا أمام «حقوق الكلاب»!  

المفارقة المؤلمة أن بعض هؤلاء لم يكتفوا بالدفاع عن الحيوان بوصفه كائنًا يستحق الرحمة، وهو أمر لا خلاف عليه؛ بل انتقلوا إلى حالة عدائية تجاه البشر أنفسهم، حتى بدا المشهد أحيانًا وكأن المواطن هو الدخيل على الشارع، بينما الكلاب هى «السكان الأصليون» الذين يجب حماية نفوذهم وحقهم المفتوح فى التكاثر والانتشار بلا ضابط أو توازن.  

والأخطر أن القضية لم تَعد سلوكًا فرديًا عشوائيًا؛ بل ظهرت ملامح شبكات منظمة تقوم بإطعام الكلاب بصورة كثيفة ولافتة، عبر إلقاء مخلفات الذبائح والطعام فى الشوارع والميادين، بصورة غير حضارية، تؤدى عمليًا إلى توطين تجمعات الكلاب وزيادة شراستها وتكاثرها، فضلاً عن الإخلال بالتوازن البيئى الطبيعى، بعدما تحولت بعض المناطق إلى بؤر مفتوحة للنباح والرعب والتلوث.  

إن الرحمة بالحيوان قيمة إنسانية ودينية لا جدال حولها، لكن تحويلها إلى أيديولوجيا متطرفة تقدم على أمن الإنسان وسلامته، هو انحراف خطير فى ميزان الأولويات. فلا توجد دولة محترمة فى العالم تترك مواطنيها رهائن للخوف فى الطرقات تحت شعار «الرفق بالحيوان».  

الدول المتقدمة نفسها، التى تمتلك أعرق جمعيات الرفق بالحيوان، لم تتعامل مع الظاهرة بالعواطف أو الصراخ الإلكترونى؛ بل عبر منظومات علمية وقانونية صارمة؛ فرق بيطرية متخصّصة، برامج تعقيم وتطعيم، مراكز إيواء منظمة، تسجيل للحيوانات، وقوانين حاسمة تجرم ترك الحيوانات الضالة دون رقابة، أو إطعامها بشكل عشوائى يهدد الأمن العام.  

فى مدن أوروبية وآسيوية عديدة، لا يُسمح بوجود حيوان ضال فى الشارع دون متابعة ورقابة صحية، بينما فى مصر تُترَك القضية أحيانًا بين مطرقة الخوف الشعبى وسِندان المزايدات العاطفية، حتى أصبحت الحكومة مطالبة بتوفير ملايين الجنيهات سنويًا لأمصال السعار والعلاج الطارئ، فى وقت يمكن فيه معالجة جذور الأزمة عبر رؤية متكاملة وحاسمة.  

والحقيقة أن طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى ما هو أبعد من النقاشات التقليدية أو الحلول المؤقتة، نحن أمام أزمة تتطلب إرادة سياسية وتنفيذية واضحة، تبدأ بحصر أعداد الكلاب الضالة، وإطلاق حملات قومية للتطعيم والتعقيم، وإنشاء «شيلترات» ومراكز رعاية حقيقية، وتغليظ العقوبات على الإلقاء العشوائى لمخلفات الطعام والذبائح فى الشوارع، مع تنظيم واضح لمسألة إطعام الحيوانات فى الأماكن العامة.  

بل ربما أصبح من الضرورى إصدار تشريع متكامل ينظم العلاقة بين الإنسان والحيوان داخل المجال العام، بصورة تحقق التوازن بين الرحمة والانضباط، وتحفظ حق المواطن فى الأمن والحياة الكريمة، دون قسوة أو فوضى.  

فالقضية لم تَعد قضية كلاب فقط؛ بل قضية دولة تحاول حماية المجال العام من الانفلات، واستعادة حق الناس فى الشارع الآمن. والرحمة الحقيقية لا تكون بترك الحيوان جائعًا أو متوحشًا فى الطرقات، كما لا تكون بترك الإنسان أسير الخوف والمرض.  

إنها معركة عَقل، لا معركة نباح.