احمد باشا
ترامب فى بكين.. كيف سيكون شكل العالم؟!
ليست زيارة عابرة تلك التى يقوم بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين، وليست مجرد محطة بروتوكولية فى دفتر العلاقات الدولية المثقل بالصور والابتسامات والبيانات الدبلوماسية الباردة.
إنها زيارة أشبه بوقوف الإمبراطوريتين على حافة مرآة كونية، يتأمل كل طرف فيها ملامح القوة الجديدة، ويقيس حجم القلق المتبادل، بينما يترقب العالم بأسره ما ستنتهى إليه تلك اللحظة الفارقة التى قد تعيد رسم شكل النظام الدولى لعقود مقبلة.
العالم اليوم لا يُشاهد لقاءً بين رئيسين، بل يراقب مواجهة ناعمة بين تنين آسيوى صاعد ونسر أمريكى يحاول الحفاظ على قمم الهيمنة التى جلس فوقها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فالصين لم تعد مجرد مصنع ضخم للسلع الرخيصة؛ كما تخيلتها واشنطن فى تسعينيات القرن الماضى، بل تحولت إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية هائلة، تمد أذرعها عبر البحار والموانئ والممرات التجارية، وتبنى مشروعًا استراتيجيًا طويل النفس لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
> هنا تحديدًا يكمن جوهر القلق الأمريكى.
فالولايات المتحدة التى نجحت سابقًا فى احتواء الاتحاد السوفيتى عبر سباق التسلح والعقوبات والحصار الأيديولوجى، تكتشف الآن أن احتواء الصين أكثر تعقيدًا وخطورة.
ذلك أن بكين ليست قوة عسكرية فقط، بل عملاق اقتصادى مُتشابك مع الاقتصاد العالمى بصورة تجعل أى محاولة لخنقه أشبه بمحاولة فصل القلب عن الجسد دون أن يموت الاثنان معًا.
لقد أصبحت الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لعشرات الدول، ومركزًا عالميًا للصناعات الثقيلة والتكنولوجيا الدقيقة والذكاء الاصطناعى والرقائق الإلكترونية والطاقة النظيفة.
بل إن بعض التقديرات الاقتصادية تُشير إلى أن الفجوة بين الاقتصادين الأمريكى والصينى لم تعد تُقاس فقط بحجم الناتج المحلى، وإنما بسرعة النمو، واتساع النفوذ، والقدرة على اختراق الأسواق الجديدة فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
من هنا يمكن فهم طبيعة الوفد الذى اصطحبه ترامب معه إلى بكين.
فالرجل لم يحمل فقط حقيبة السياسة، بل حمل أيضًا دفاتر رجال الأعمال وكبار المستثمرين وأباطرة التكنولوجيا الأمريكيين، فى محاولة واضحة لإعادة ضبط العلاقة الاقتصادية مع الصين، وفتح مزيد من المساحات أمام الشركات الأمريكية التى تشعر بأن بكين تفرض قيودًا معقدة على تمددها داخل السوق الصينية الهائلة.
إن ترامب يُدرك أن المعركة الكبرى فى القرن الحادى والعشرين لن تُحسم بالصواريخ وحدها، بل ستُحسم أيضًا بمن يسيطر على التكنولوجيا والبيانات وسلاسل الإمداد والموانئ البحرية والرقائق الإلكترونية.
ولهذا فإن الصراع الأمريكى الصينى بات يشبه حربًا باردة جديدة، لكنها حرب تختلف عن نسخة القرن الماضى؛ إذ تختلط فيها التجارة بالأمن، والاقتصاد بالاستخبارات، والذكاء الاصطناعى بحاملات الطائرات.
وفى قلب هذه المعادلة المرتبكة تقف إيران وتايوان بوصفهما أكثر الأطراف قلقًا وترقبًا.
طهران تخشى أن تتحول إلى بند تفاوضى فوق مائدة المصالح الكبرى، وأن تجد نفسها ضحية صفقة أمريكية صينية تُعيد ترتيب النفوذ فى الشرق الأوسط على حسابها.
أما تايوان، فتراقب القمة بقلق وجودى، لأنها تُدرك أن أى تفاهمات استراتيجية بين واشنطن وبكين قد تُحدد مستقبل الجزيرة التى أصبحت أخطر بؤر الاشتعال المحتملة فى العالم.
وما بين الملف الإيرانى والتايوانى، تمتد خرائط أخرى للصراع؛ من بحر الصين الجنوبى إلى الممرات البحرية الدولية، ومن الحرب التجارية إلى سباقات التكنولوجيا والطاقة والنفوذ المالى.
إنها شبكة مُعقدة من المصالح والتناقضات تجعل هذه القمة أقرب إلى مؤتمر لإدارة مستقبل الكوكب، لا مجرد لقاء ثنائى بين قوتين عظمتين.
السؤال الذى يفرض نفسه الآن: هل تؤسس قمة «ترامب» و«شى جين بينغ» لعالم يقوم على المنافسة المنظمة وتقاسم النفوذ، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تسبق صدامًا أكبر؟
هل ينجح الطرفان فى بناء توازن جديد يمنع الانفجار، أم أن البشرية تقف بالفعل على أعتاب حرب باردة ساخنة، تُستخدم فيها العُملات والتكنولوجيا والعقوبات والسفن الحربية فى آن واحد؟
الأكيد أن العالم بعد هذه الزيارة لن يكون كما كان قبلها.
فحين تتحرك واشنطن وبكين، تهتز خرائط الاقتصاد والسياسة والأمن من مضيق تايوان حتى شواطئ الخليج، ومن أسواق المال إلى الممرات البحرية.
وحين يجلس ترامب وشى جين بينغ حول طاولة واحدة، فإن ما يُناقش هناك لا يتعلق بمصير دولتين فقط، بل بمصير النظام الدولى كله، وبالقرن الذى يتشكل الآن على وقع صراع العمالقة.







