الخميس 4 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
ماذا يأكل المصريون؟

ماذا يأكل المصريون؟

فى لحظة اختلطت فيها الغوغائية بالنصيحة، والعلم بالشائعة، يقف المواطن المصرى حائرًا أمام مائدته؛ لا يدرى أيها يغذى جسده، وأيها ينهش صحته على مهل. وقد فجرت الدعوات التى أطلقها بعض الأطباء- مما يمكن وصفه دون مبالغة بجريمة أكل- سؤالاً قديمًا يتجدد بإلحاح.ماذا يأكل المصريون؟ وكيف تحول الغذاء من شأن فردى إلى قضية دولة، ومن اختيار شخصى إلى ملف يمس الأمن القومى؟



لم يعد الأمر رفاهية، ولا ترفًا يُناقش على هامش الحياة. فالدولة التى تنفق جانبًا معتبرًا من موازنتها على العلاج، لا يمكنها أن تقف متفرجة أمام ثقافة غذائية مضطربة، تُنتج أمراضًا مزمنة بوتيرة أسرع مما تُنتج صحة وقدرة. هنا، تتراجع مقولة «كُل ما يعجبك» إلى مقاعد الخلف، لتفسح الطريق لوعى جديد. كُل ما ينفعك وما يحفظ جسدك من الاستنزاف البطىء.

العالم من حولنا أدرك مبكرًا أن ما يدخل المعدة ينعكس مباشرة على قوة الدولة. فى الصين، لم تُترك مسألة التقزم لاجتهادات الأفراد، بل صيغت برامج تغذية وطنية رفعت من نصيب البروتين- البيض، واللبن، واللحوم- فكانت النتيجة أجيالًا أكثر طولاً وصحة وقدرة على العمل والإنتاج. وفى المملكة المتحدة، لم تتردد الحكومة فى فرض ضرائب على المشروبات الغازية، بعدما ثبت علميًا أثرها السلبى على القلب والكبد، ودورها فى تفاقم السمنة والسكرى، وما يستتبعه ذلك من تضخم فواتير التأمين الصحى.

أما فى مصر، فالصورة أكثر تعقيدًا. لدينا قانون لسلامة الغذاء، ولدينا جهاز معنى بالرقابة، لكن بين النص والتطبيق فجوة تحتاج إلى ردم حقيقى، فالمشكلة ليست فى غياب التشريعات بقدر ما هى فى تفعيلها، وفى تحويلها من حبر على ورق إلى رقابة يومية تمس جودة ما يُعرض فى الأسواق، من الخبز إلى الزيوت، ومن اللحوم إلى المنتجات المصنعة.

غير أن الرقابة وحدها لا تكفى، فالثقافة الغذائية تُبنى فى البيت، وتترسخ فى المدرسة، وتُعاد صياغتها عبر الإعلام. هنا تتكامل أدوار وزارات الصحة والتعليم والإعلام: مناهج دراسية تُعلّم الطفل معنى «وجبة متوازنة»، ورسائل إعلامية تُبسط العلم دون تضليل، وخطاب صحى يرد على ترهات الأنظمة الوهمية التى تُباع على منصات التواصل كما تُباع الأوهام فى الأسواق السوداء.

إن الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى طبق دسم أو حلوى مفرطة، بل فى غياب الوعى الذى يحول الاستثناء إلى قاعدة، ويجعل من العادة اليومية مسارًا إلى المرض. حين تتوطن أمراض كالسمنة والسكرى وارتفاع الضغط داخل المجتمع، لا تعود المسألة شأنًا طبيًا فحسب، بل تتحول إلى عبء اقتصادى، يستنزف موارد الدولة ويخصم من طاقتها الإنتاجية. فالقوة البشرية لا تُقاس بعدد السكان، بل بجودة صحتهم.

ومن هنا، تكتسب المبادرات الرئاسية لمواجهة التقزّم وسوء التغذية بين طلاب المدارس أهمية خاصة؛ فهى لا تعالج عرضًا عابرًا ، بل تؤسس لوعى طويل المدى، يربط بين الغذاء والصحة، وبين الجسد القوى والدولة القوية. إنها رسالة واضحة. الاستثمار فى التغذية هو استثمار فى المستقبل.

إن ترك وعى الناس نهبًا للوصفات العشوائية، أو الترندات التى تُزيّن المخاطر بعبارات براقة، هو تخلٍّ عن مسئولية أصيلة. المطلوب اليوم ليس فقط التحذير، بل إعادة تثقيف شاملة، تستند إلى العلم، وتخاطب العقل بلغة بسيطة، وتُعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة الصحية. وعلى الجهات المعنية أن تمارس دورها بلا تردد. رقابة صارمة، معلومات دقيقة، ومحاسبة لكل من يعبث بصحة الناس تحت لافتة النصيحة.

فى النهاية، ليست المائدة شأنًا عابرًا ، ولا ما ينزل إلى المعدة قرارًا فرديًا خالصًا. إنه خيط دقيق يصل بين صحة الفرد وقوة الدولة. غذاء المصريين أمن قومى، ومسئولية مشتركة لا تقبل الإهمال. فإما أن نملأ أطباقنا وعيًا، فنحصد عافية وقدرة، أو نتركها فوضى، فنحصد مرضًا يُثقل كاهل الجميع. وفى زمن تتنافس فيه الأمم على بناء الإنسان، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نستمتع بالأكل.. أم نأكل لنستمتع بالحياة؟!