الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين العلم والسوشيال ميديا.. حين يتحول الغذاء إلى وصفة زائفة لعلاج الأمراض الخطيرة

نظام الطيبات تجارة الوهم التى تتخفّى فى ثوب التغذية العلاجية

فى ظل الانتشار الواسع للمحتوى الصحى على منصات التواصل الاجتماعى، ظهرت خلال الفترة الأخيرة أنظمة غذائية يُروَّج لها باعتبارها قادرة على علاج أمراض مزمنة وخطيرة، مثل السكرى والسرطان، دون الحاجة إلى علاج طبى أو دوائى، وهو ما يثير جدلًا واسعًا حول مدى صحة هذه الادعاءات. ومن بين هذه الطروحات ما يُعرف بـ «علاج الطيبات»، الذى يُقدَّم كنظام غذائى يعتمد على مكونات طبيعية، مع ادعاءات بأنه يعالج مرضى السكرى والسرطان، بل ويُسوَّق أحيانًا كبديل للعلاج الطبي.  



فى هذا السياق، حذّر المعهد القومى للأورام من خطورة الاعتماد على المعلومات الطبية غير الموثوقة المتداولة عبر السوشيال ميديا، مؤكدًا أنها قد تؤدى إلى تأخير العلاج أو إيقافه، بما يعرّض المرضى لمضاعفات صحية خطيرة. ويفتح هذا الجدل تساؤلات حول الحد الفاصل بين التغذية كعامل مساعد للعلاج، وبين تحويلها إلى «وصفات علاجية» غير مثبتة علميًا.

يؤكد الدكتور أحمد عبد الهادى، أستاذ علاج الأورام بكلية الطب جامعة المنصورة، أن التعامل مع مرضى الأورام يتضمن دائمًا توجيههم إلى إخصائيى واستشاريى التغذية العلاجية، من أجل تحديد نوعية الغذاء المناسبة لكل مريض بشكل فردى، مشيرًا إلى أن التغذية العلاجية تُعد جزءًا أساسيًا ومعروفًا ضمن خطة علاج مريض السرطان، وليست مفهومًا جديدًا.

ويوضح أن ما يُعرف بـ«وصفات العلاج الطبيعي» أو «نظام الطيبات» وما شابه، قد يحتوى على بعض الجوانب الصحيحة، لكن جزءًا كبيرًا منه يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة، لأن الأنظمة الغذائية لا يمكن تعميمها على جميع مرضى الأورام، مؤكدًا ضرورة عدم اتباع أى وصفات بشكل عشوائى دون الرجوع إلى مختصين.

ويشير إلى أن التغذية العلاجية تُعد أحد أهم عناصر علاج الأورام، حيث تسهم فى تقوية مناعة الجسم، وهو ما يعتمد عليه الأطباء فى مواجهة الخلايا السرطانية، بالإضافة إلى مساعدة المريض على تحمّل الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائى، والحفاظ على توازن حالته الصحية أثناء فترة العلاج.

ويشير إلى أن بعض المرضى قد يلاحظون تحسنًا مؤقتًا عند التوقف عن العلاج الكيميائى والاعتماد على هذه الوصفات، إلا أن ذلك غالبًا ما يتبعه انتكاسة شديدة فى نشاط الخلايا السرطانية، وزيادة فى حجمها وانتشارها، ما قد يصل فى بعض الحالات إلى فقدان الحياة.

فيما تقول الدكتورة منال عز الدين، الباحثة بمعهد تكنولوجيا الأغذية، إننا نعيش فى «زمن الفتنة الغذائية»، حيث يتعامل البعض مع القضايا الغذائية وكأنها تحدٍّ لإثبات الرأى، رغم أن هذا الملف لا يُدار بهذا الشكل، مؤكدة أن الغذاء له دور مهم فى العلاج، لكن لا يمكن الاعتماد عليه وحده دون إشراف طبى أو علاج دوائي.

وتوضح أن النظام الغذائى يكون دائمًا مكملًا للعلاج وليس بديلًا له؛ فمثلًا مريض السكر يتم تنظيم غذائه من خلال تقليل الكربوهيدرات والسكريات، وتحديد المسموح والممنوع، لكن ذلك لا يغنى عن العلاج الدوائي. وكذلك مريض الضغط يتم تقليل الأملاح فى نظامه الغذائى، مع تجنب المخللات والمعلبات والأسماك المملحة، مع إمكانية إدخال بعض المشروبات مثل الكركديه والخروب والدوم والتمر الهندى، لكنها لا تُعد بديلًا عن الدواء.

وتشير إلى أن الغذاء السليم سر الحياة، ويساعد فى بناء جسم صحى، لكنه يعمل جنبًا إلى جنب مع العلاج؛ فمثلًا مريض القولون يحتاج إلى تجنب الأطعمة التى تهيّج القولون، ولا الدواء وحده ولا الغذاء وحده كافٍ للعلاج، بل هما ثنائى فى رحلة التعافي.

وتشير إلى أن مريض السكر لا يمكن أن يتناول كميات كبيرة من السكريات أو العصائر المعلبة، لأن ذلك قد يؤدى إلى زيادة الالتهابات، وتكيسات المبايض، وحب الشباب، وزيادة الوزن، ومقاومة الإنسولين.

وتضيف أن مفهوم تحسن الحالة الصحية على نظام غذائى معين لا يعنى بالضرورة أنه نظام مناسب للجميع، فـ«الشفاء من الله، وإذا شُفى المريض فهو من حظ الطبيب»، وقد يناسب النظام الغذائى شخصًا ولا يناسب آخر، وهو أمر وارد، وتؤكد أهمية إجراء اختبارات حساسية الطعام لتحديد ما يناسب كل فرد.

وفيما يتعلق بالأنظمة الغذائية القاسية، تحذر من أنها قد تهدد الصحة بسبب حرمان الجسم من عناصر غذائية مهمة، مثل الفيتامينات والبروتينات، سواء النباتية أو الحيوانية، مؤكدة ضرورة التوازن وعدم إهمال أى مجموعة غذائية، إضافة إلى أهمية مصادر فيتامين (د).

وتختتم بالإشارة إلى أهمية شرب المياه فى أى نظام غذائى، موضحة أنها تحافظ على لزوجة الدم، وأن نقصها قد يؤدى إلى الجلطات ومشكلات الكلى، بينما يساعد شرب المياه على تحسين كفاءة الكلى والدورة الدموية والوظائف الإدراكية، كما يحمى الجسم من الجفاف الذى يُعد من أخطر الحالات الصحية على الإنسان.

ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد الحضرى، إخصائى الباطنة والقلب والأوعية الدموية، أن ما يُعرف بـ«العلاجات الطبيعية» يجب فهمه فى إطار «الطب القائم على الدليل»، موضحًا أن التعامل مع مرض السكرى يعتمد على مجموعة متكاملة من التدخلات، تبدأ بتعديل نمط الحياة، ثم النظام الغذائى، يليها العلاج الدوائى، وقد تمتد إلى التدخلات التداخلية مثل المناظير والقساطر، وصولًا إلى التدخل الجراحى فى بعض الحالات.

ويشير إلى أن أهداف العلاج فى الطب الحديث تنقسم إلى أربعة مستويات: وقائى، وعلاجى، وتحفظى للحفاظ على استقرار الحالة، وتحكمى يهدف إلى السيطرة على المرض، موضحًا أن ذلك يختلف حسب طبيعة المرض وحالة المريض.

ويؤكد أن مرض السكرى تحديدًا لا يمكن القضاء عليه بشكل نهائى، لأنه خلل مزمن يمكن التحكم فيه فقط، سواء بالأدوية أو النظام الغذائى، وليس من خلال «وصفات» منفردة.

ويحذر من خطورة إيقاف مريض السكرى للعلاج الدوائى أو الإنسولين اعتمادًا على أنظمة غذائية أو وصفات منتشرة عبر السوشيال ميديا، موضحًا أن مضاعفات ذلك قد لا تظهر بشكل فورى لأن المرض مزمن، لكن نتائجه تكون خطيرة على المدى القريب والمتوسط، مع استثناء حالات الطوارئ مثل الغيبوبة التى قد تحدث بشكل مباشر.

ويضيف أن من الأخطاء الشائعة التى يتم الترويج لها فى بعض هذه الأنظمة فكرة أن مريض السكر يمكنه التوقف عن الإنسولين وتناول أطعمة غير مناسبة مثل «النوتيلا»، مؤكدًا أن هذا السلوك قد يؤدى إلى غيبوبة كيتونية حماضية نتيجة ارتفاع حموضة الدم أو ارتفاع شديد فى مستوى السكر، وهى حالة خطيرة قد تؤدى إلى الوفاة.