الجمعة 19 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
مصر أولا.. قانون الأسرة للمسيحيين..كواليس واشتباكات

مصر أولا.. قانون الأسرة للمسيحيين..كواليس واشتباكات

وجوده أفضل من عدمه.. اجتهاد الضرورة للدولة المدنية!  



الزواج فى النهاية هو حق دستورى للمواطن المصرى حسب ما نص عليه الدستور المصرى. 

كما أنه يعد ضمن الثوابت الكنسية لأنه سر من الأسرار المقدسة للكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وما سبق، كان يصطدم بواقع أن الكنيسة هى المنوط بها عقد مراسم الزواج التى يتم توثيقها بعد ذلك قانونيًا، والسلطة القضائية هى المنوط بها إصدار أحكام الطلاق.

تحترم الكنيسة أحكام الطلاق، ولكن لا يترتب على هذا الطلاق إلزامها بالموافقة على عقد مراسم الزواج الثانى، والاعتراف به، ولذا، نجد أن «قانون الأسرة للمسيحيين» الجديد.. أعطى مساحة كبيرة للكنيسة للتحرك والتحكم فى مسألة الزواج الثانى.  

 كواليس..

اشترك فى الإعداد لهذا القانون 6 كنائس هم: العائلة الأرثوذكسية (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة الأرمن الأرثوذكس، وكنيسة السريان الأرثوذكس، وكنيسة الروم الأرثوذكس)، والطائفة الإنجيلية، والكنيسة الكاثوليكية (والتى تشمل تحت رئاستها: الأرمن الكاثوليك والروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك والكلدان الكاثوليك). 

تكونت اللجنة الرسمية للإعداد للقانون ومناقشته مع المنوط بهم من وزارة العدل كل من:

- الكنيسة الأرثوذكسية: الأنبا بولا (مطران طنطا وتوابعها، والرئيس السابق للمجلس الإكليريكى للأحوال الشخصية للكنيسة الأرثوذكسية)، والمستشار منصف سليمان (عضو مجلس النواب السابق، وعضو المجلس الملى العام).

- الكنيسة الإنجيلية: القس رفعت فتحى (الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلى)، والمستشار يوسف طلعت (المستشار القانونى لرئيس الطائفة الإنجيلية).

- الكنيسة الكاثوليكية: الأنبا توماس (مطران الجيزة والفيوم وبنى سويف)، والأنبا باخوم (النائب البطريركى)، والمستشار جميل حليم (عضو مجلس الشيوخ السابق).

- الكنيسة السريانية الأرثوذكسية: المستشار إبراهيم الياس (الممثل القانونى للكنيسة السريانية)، والاستاذ سيفين ملاك (محامى الكنيسة السريانية).

- الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية: الأستاذ ناجى ألفونس (محامى بطريركية الأرمن الأرثوذكس).

- كنيسة الروم الأرثوذكس: الأنبا نيقولا أنطونيو (مطران طنطا والمتحدث الرسمى لكنيسة الروم الأرثوذكس). 

وتم عقد الاجتماعات التمهيدية للإعداد للقانون بالتبادل بين المقر البابوى بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، والطائفة الإنجيلية بمصر الجديدة. وقد تم تسليم النسخة الأولية للقانون فى 15 أكتوبر 2020 للمستشار القانونى لمجلس الوزراء.

 ملاحظات أولية..

«قانون الأسرة للمسيحيين» الذى تم إرساله للبرلمان مؤخرًا يعد أول قانون ينظم الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين. ولذا من الطبيعى أن يتم تناوله من خلال العديد من الملاحظات على الأفكار والتقاطعات والاشتباكات.

أولًا: فى «قانون الأسرة للمسيحيين».. هناك عدم اتفاق بين كل الكنائس المسيحية (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) التى ينطبق عليها القانون على أسباب موحدة متفق عليها لطلاق المواطنين المسيحيين المصريين. وهو ما يعنى أننا أمام قانون واحد.. يراعى خصوصية كل كنيسة، وليس قانونا موحدا.. فهو يعتبر مجموعة من النصوص والمواد التى تضم أحكاما.. تتضمن فى محتواها أكثر من قانون حسب كل كنيسة. ولكنه يظل فى نهاية المطاف خطوة جريئة ومقدرة، ولكنه يحتاج فى المستقبل إلى تقييمه وتعديله وتطويره.. بعد تطبيقه عمليًا، ويترتب على ما سبق، زيادة مسئولية السلطة القضائية المنوط بها اصدار أحكام الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين فى معرفة ودراسة التباينات والاختلافات والتفاوت بين الكنائس والطوائف المسيحية المصرية فى أسباب الطلاق لدى كل منهم.. حتى لا يتحول الأمر بينهم إلى شكل من أشكال المنافسة التى يمكن أن يتم توظيفها بشكل غير قانونى.

ثانيًا: جاء فى القانون فيما يخص الكنيسة الكاثوليكية.. أنه يجوز لرئاسة الكنيسة الكاثوليكية الحق فى الإذن أو التفسيح فى الزواج، وكلمة «تفسيح» فى المعاجم اللغوية تعنى: التوسيع. 

كما نصت كنيسة الأرمن الأرثوذكس فيما يخصها على أنه يجوز لأى من الزوجين طلب التطليق فى الحالات التالية: شروع أحد الزوجين فى قتل الآخر، ورفض أحد الزوجين المعاشرة الزوجية ما لم يكن هذا الرفض ناشئًا من سلوك الزوج، ووجود تنافر شديد بين طباع الزوجين بما يجعل اشتراكهما فى المعيشة مستحيل.

النصوص السابقة من شأنها أن تكون بابًا خلفيًا لا يخضع لنص قانونى واضح لفض الزواج أو عقده.. سواء لترك الأمر فى يد الرئاسة الكنسية بشكل مطلق لاتخاذ قرار استمرار الأسرة من عدمه، أو بتحديد حالات لا يمكن إثباتها قانونيًا بشكل قاطع.

ثالثًا: على الرغم من أن لائحة 38 أجازت التبنى وفقًا لشروط محددة مثل: تجاوز المتبنى عامه الأربعين، وألا يكون لديه أبناء شرعيون، وأن يكون فارق العمر بينه وبين الطفل 15 عامًا على الأقل أن يكون حسن السمعة ولا يجوز التبنى إلا إذا وجدت أسباب تبرره وكانت تعود منه فائدة على المتبنى.. ولأنه لا توجد لدى العقيدة المسيحية مشكلة من الأساس فى التبنى، وقد صدر القانون الجديد خاليًا من باب التبنى بالرغم من مطالبة الكنائس به. وكان من الأفضل إدراج التبنى فى القانون الجديد مع إقرار جميع الشروط لتأكيد وحدة ديانة الأسرة البديلة والطفل المتبنى.. حتى لا تتكرر مشكلة الطفل شنودة من جانب، وتجنب ما يتعلق بالنسب والإتجار بالبشر من جانب آخر. 

طفرة قانونية..

رابعًا: تنص المادة الثالثة من الدستور المصرى على (مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية) وهو ما استند إليه القانون الجديد لتشريع المساواة فى الميراث بين المواطنين المسيحيين المصريين.. أى بين الذكر والأنثى. 

كما أنصف القانون المرأة المسيحية المصرية بإقرار حقوقها المالية لنفقتها دون أى تمييز، وهو ما أنهى العديد من التحايل على القانون سواء فى سلب المواريث، أو تجاهل الحقوق المالية للمرأة المسيحية المطلقة.

خامسًا: قضى القانون الجديد على واحدة من أكبر أساليب التحايل فى قضايا الأسرة المسيحية المصرية، وهو تغيير الملة حيث نص على عدم الاعتداد بتغيير الملة فى حالة الخلاف بين الزوجين. وبالتالى، منع تغيير الملة كوسيلة للتحايل والهروب من الالتزامات المالية، وتغيير المسار القضائى للنزاعات الأسرية. 

سادسًا: كثيرًا ما وقعت النخبة الفكرية والكنيسة التى تطالب بتطبيق منظومة المواطنة والدولة المدنية فى مأزق الطائفية باستدعاء آيات القرآن الكريم والاحتكام للشريعة الإسلامية بوجه خاص، وبالتبعية لمنطق الدولة الدينية بوجه عام من أجل إثبات وتأكيد مسئولية الكنيسة عن الأحوال الشخصية والدفاع عن هذا الموقف بدلالات دينية فى استبعاد واضح وصريح ومباشر لمبادئ الدولة المدنية ومنظومة المواطنة التى طالبوا بها قبل ذلك كثيرًا.

 ولذا.. فإن صدور القانون الجديد هو السبيل لوقف تداخل العلاقة بين الدين والدولة من خلال المواجهة التى حدثت بين الكنيسة والقضاء على مدار سنوات طويلة فيما يخص قضايا الزواج والطلاق.

موقف الكنائس من الإنسان! 

اختلفت الكنائس المصرية فى عقيدتها وطقوسها، واتفقوا على الإنسان المسيحى المصرى فى تقنين الأحوال الشخصية. وآن الأوان من خلال القانون الجديد بحل مشاكل.. استمرت لسنوات طويلة.. وترتب على بعضها أزمات دينية وتوترات طائفية. وتظل المشكلة الحقيقية فى الاقتراب من تحقيق وإقرار الدولة المدنية، وليس الإصرار على قواعد الدولة الدينية. 

أنا ضد السلطة والدولة الدينية، ومع الدولة المدنية التى تعلى من قيمة العقل الذى يدعم كل ما يتعلق بحقوق المواطن المصرى.  كما أؤكد على أهمية أن يكون القانون هو الحاكم الفيصل، وإذا كنا نختلف على بعض التفاصيل حسب حيثيات كل منا وأسبابه.. غير أننا نتفق على أهمية أن نخضع جميعًا للقانون المدنى المصرى الذى لا يخالف النص الدينى، خاصة أن تفسير النصوص المقدسة هو عمل بشرى.. فنصوص الكتاب المقدس لا تطبق نفسها بنفسها، بل يقوم البشر بمحاولة فهمها وتفسيرها وتطبيقها بمجهود عقلى.. يهدف إلى الوصول إلى المعنى الحقيقى لهذه النصوص.

قطعًا.. صدور هذا القانون يرسخ الدولة المدنية التى تعلى من قيمة الإنسانية التى تدعم كل ما يتعلق بحقوق المواطن المصرى.. لأنه سيكون الحاكم الفيصل. وما يتاح بعد صدوره والممارسة العملية فى اختباره تنفيذه.. من إمكانية مراجعته لتطويره وتعديله.

 نقطة ومن أول السطر..

صدور «قانون الأسرة للمسيحيين» هو بداية مسيرة حل مشاكل الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين. وإن كنت أتمنى فى المستقبل القريب إصدار قانون مدنى موحد للأحوال الشخصية – كما ذكرت كثيرًا - يؤكد على حقوق المواطنة، وينظم لعلاقات الأسرة المصرية سواء كانت مسيحية أو مسلمة بنصوص واحدة تراعى الآراء المدنية المستنيرة من جانب، وخصوصية اتباع كل دين من جانب آخر.. فضلًا عن مواكبة متغيرات احتياجات العصر ومواجهة تحدياته.. التى ستصل فى نهاية الأمر إلى الإقرار بالزواج المدنى والاعتراف به.. ربما فى المستقبل القريب.