السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
كيف نجحت الشركة المتحدة فى معركة السردية الوطنية؟

كيف نجحت الشركة المتحدة فى معركة السردية الوطنية؟

حين تضع الحروب أوزارها، ولو مؤقتًا، تنسحب معها أضواء المتابعة المحمومة، وتخفت ضوضاء العناوين العاجلة، لتفسح المجال أمام ما هو أعمق أثرًا وأبعد مدى. معركة الوعى. وفى هذا السياق، لم يكن جائزًا أن تمر التجربة الدرامية المصرية فى موسم رمضان الأخير مرور العابرين، وكأنها مجرد ترفيه موسمى، بينما هى فى حقيقتها واحدة من أدوات الاشتباك الناعمة فى زمن تتعدد فيه ميادين الصراع.



فالدراما، فى صورتها الحديثة، لم تعد مجرد صناعة توازن بين كفتى الربح والخسارة، رغم أهمية هذا التوازن فى استدامتها، بل تحولت إلى رافعة كبرى من روافع السردية الوطنية، وسلاح بالغ التأثير فى تشكيل الوجدان الجمعى، وصياغة الذاكرة، وإعادة ترتيب الأولويات داخل عقل المشاهد. 

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة ما قدمته الشركة المتحدة خلال هذا الموسم، بوصفه مشروعا متكاملا يتجاوز حدود الشاشة إلى فضاءات الوعى.

لقد بدا واضحا أن ثمة عقلًا يدير هذه المنظومة، لا يكتفى بإنتاج أعمال للعرض، بل يسعى إلى بناء خطاب درامى متماسك، متعدد الطبقات، قادر على مخاطبة الجمهور بمستوياته المختلفة، دون أن يفقد بوصلته الوطنية، فجاء التنوع اللافت فى الأعمال، ليس كحيلة تسويقية لإرضاء الأذواق فحسب، بل كخطة واعية لتوسيع دائرة التأثير، بحيث يجد كل مشاهد نفسه داخل هذا النسيج، دون أن يشعر بأنه خارج المعادلة.

فى هذا الإطار، يبرز مسلسل «صحاب الأرض» كواحد من أهم تجليات هذا الوعى، إذ لم يكن مجرد عمل درامى يستدعى القضية الفلسطينية، بل جاء أقرب إلى وثيقة فنية، تعيد تثبيت الحق الفلسطينى فى أرضه، وتؤكد، فى الوقت ذاته، على الدور المصرى الممتد تاريخيا فى دعم هذا الحق. 

لقد قدم العمل سردية مصرية متجردة، واثقة، لا تنزلق إلى الشعارات، ولا تترك فراغًا يمكن أن تتسلل منه روايات مضادة، فى زمن تتكاثر فيه محاولات تزوير التاريخ.

الأمر ذاته يتجلى، ولكن من زاوية مختلفة، فى مسلسل «رأس الأفعى»، الذى أعاد فتح ملف الجماعة الإرهابية، لا بوصفه حدثا من الماضى، بل كخطر قابل لإعادة التشكل. 

ومن خلال معالجة درامية تقترب أحيانا من «الديكو-دراما»، نجح العمل فى إبقاء الذاكرة حية، مستدعيا وقائع عملية اصطياد الإرهابى الإخوانى محمود عزت، العقل المفكر للجماعة، ومنظر العنف فيها، ليؤكد أن المعركة لم تنته، وأن الوعى الشعبى يجب أن يظل يقظا أمام محاولات التسلل، خاصة فى أوساط Gen Z، التى تُستهدف بخطابات أكثر حداثة ومراوغة.

ولم تنشغل المتحدة بهذه المعارك على حساب المتعة الفنية، بل حافظت على أحد أهم شروط نجاح الدراما، الإمتاع، فجاءت أعمال مثل «عين سحرية» لتقدم نموذجا بصريا وجماليا رفيعا، بينما خاضت «حكاية نرجس» مباراة درامية مدهشة فى الأداء والبناء، وفتحت «الحب الذى كان» نوافذ متعددة على قضايا اجتماعية تمس تفاصيل الحياة اليومية للمصريين. هذا التوازن بين الرسالة والمتعة، بين الفكرة والشكل، هو ما منح الموسم ثقله الحقيقى.

ومن اللافت أيضًا جرأة الشركة فى الدفع بوجوه شابة إلى صدارة المشهد، فى رهان واضح على الموهبة، لا على حسابات السوق الضيقة. 

فصناعة النجوم ليست قرارًا عابرًا، بل استثمار طويل الأمد، يضمن تجدد الدماء، واستمرار التأثير، وقد أثبتت التجربة أن الجمهور، حين يجد الصدق والموهبة، لا يتردد فى منح ثقته.

ظاهريا، قد يبدو ما نشهده مجرد موسم رمضانى عابر، ينتهى بانتهاء الشهر الكريم، لكن الحقيقة أن هذه الأعمال تشكل وجبة ممتدة، قابلة لإعادة المشاهدة، ومتاحة عبر المنصات على مدار العام، بما يجعل تأثيرها تراكميا، لا لحظيا، وهنا تكمن خطورتها وأهميتها فى آن واحد.

ليس فى هذا الطرح نزعة شوفينية، بقدر ما هو توصيف لواقع تؤكده الشواهد. فالفن المصرى، حين تتوافر له الإرادة والرؤية، يظل قادرا على المنافسة، بل التفوق، مستندا إلى تاريخ طويل، وخبرة متراكمة، وقدرة فريدة على مخاطبة العقل والقلب معا.

لقد نجحت الشركة المتحدة فى تقديم نموذج يُحتذى، لا باعتباره إنجازا إنتاجيا فحسب، بل كمحاولة جادة لاستعادة الدور الحقيقى للدراما، كأداة من أدوات بناء الوعى، وحائط صد فى مواجهة محاولات الاختراق، ومرآة تعكس روح هذا الوطن، بكل ما فيه من تعقيد وثراء وأمل.