الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
سلام الأقوياء

رسائل بعلم الوصول لـالعدو من ميدان قتال الجيش الثالث

سلام الأقوياء

“مصر تدرك قيمة السلام فتحميه.. وتعلم معنى القوة فتمتلكها فالقرار الذى يستند إلى قوة رادعة لا يُمتحن ولا يُقاوم”



 

فى العلوم العسكرية، يشكل عنصر «التوقيت» ركنًا أساسيًا فى إدارة المعارك وحسمها، فحينما تُبنى المعركة على حسابات دقيقة وتخطيط سليم وتنفيذ عملياتى منضبط، تأتى النتائج «موقوتة ومؤثرة»، ما يعنى تحقيق الهدف فى توقيته السليم، وبالتالى تحقيق الأثر بنجاح، لذلك دائمًا ما يدلل القادة العسكريون على نجاح مهمتهم باستخدام مصطلح «موقوتة» عند تنفيذ أى عملية عسكرية مؤثرة.

من هذا المنطلق، حينما عايشتُ مشروع مناورة بالذخيرة الحية بنطاق الجيش الثالث الميدانى، تصنف كأعلى أنشطة التدريب داخل القوات المسلحة المصرية، وجدتها «حدث موقوت»، ليس فقط لكفاءة وجاهزية القوات المشاركة فيها، وإنما لرسائلها التى تتجاوز حدود دروسها العسكرية، إلى معانٍ وطنية وسياسية أعمق قدمها الجميع «قيادة عامة وضباط وجنود»، للداخل المصرى، والأهم لكل من يهمه الأمر بالخارج، فى توقيت شديد الأهمية.

 

هكذا جاءت الرسائل «موقوتة»، من ميدان قتال وسط صحراء أرض الإسماعيلية، حينما نفذت القوات المشاركة المرحلة الثالثة والرئيسية من المشروع التكتيكى بجنود «بدر 2026»، الذى نفذته إحدى وحدات الجيش الثالث الميدانى باستخدام الرماية بالذخيرة الحية، وكأنها محاكاة لحرب حقيقية، تتناغم فيها أدوار كل الأسلحة والعناصر المشاركة، من التخطيط للهجوم وتنفيذ العمليات ضد «العدو» بدقة، تعكس امتلاك القدرة والجاهزية والاستعداد لأنماط الحروب الحديثة.

رسائل بعلم الوصول، تستحق التوقف معها، ذلك أنها جاءت فى توقيت إقليمى شديد الاضطراب، لتقدم رسالة طمأنة للداخل بأننا «جاهزون ومستعدون»، وتؤكد فى نفس الوقت أنه إذا كانت القوات المسلحة تعلم معنى القوة فتمتلكها، وتدرك فى نفس الوقت قيمة «السلام» فتحميه بقوتها، وتلك هى العقيدة المصرية، التى تتبنى السلام كخيار استراتيجى، لكنه فى نفس الوقت، هو خيار ينبع من قوة وحكمة لا من ضعف أو من تردد.

 

كفاءة قتالية فى عصر الحروب الحديثة

 

الواقع أن هذه لم تكن المرة الأولى، التى أشاهد فيها تدريبًا عسكريًا بالذخيرة الحية لقواتنا المسلحة، وما تعكسه دومًا من قدرة واستعداد وجاهزية وكفاءة، فقد عايشتُ ذلك مثلًا فى تدريبات «النجم الساطع» فى نسختها التاسعة عشرة، فى شهر سبتمبر الماضى، لكن المختلف هذه المرة، أنه تدريب تكتيكى وطنى لأبطال القوات المسلحة، والذى تم فى نطاق «الجيش الثالث» الميدانى، أحد الصروح العسكرية المسئولة عن تأمين القطاع الجنوبى لقناة السويس وسيناء.

كان مشهد المشروع التكتيكى بالذخيرة الحية، الذى عايشته لعدة ساعات، شديد الانضباط، يعكس مدى التطور والمرونة فى البنية العسكرية المصرية، التى تؤهلها للاندماج والتفاعل سريعًا مع أساليب وتكتيكات الحروب الحديثة ومنها الحروب الهجينة (التى تدمج بين القوات النظامية والقوات الخاصة)، ولكن أكثر ما استوقفنى فى هذا المشهد حالة التناغم بين جميع أفرع القوات المشاركة، وتكامل الأدوار، والمهارة فى الميدان لجميع التخصصات، والعمل كفريق واحد أثناء تنفيذ المهام ومجابهة المواقف الطارئة.

ولا أستطيع أن أخفى مدى تفاعلى مع كل عملية نوعية تنفذها القوات المشاركة، وكأنها انتصار فى ميدان معركة حقيقية، للدرجة التى كنت أردد فيها أيضًا رسالة تدمير الأهداف «النيران مؤثرة وتغطى الهدف»، والواقع أن التفاعل كان من جميع الحضور، وهم نخبة من العسكريين، فقد جرى تنفيذ «المشروع التكتيكي»، أمام القائد العام للقوات المسلحة المصرية، الفريق أشرف سالم زاهر، وزير الدفاع والإنتاج الحربى، ورئيس الأركان الفريق أحمد خليفة، إلى جانب قادة الجيش الثالث الميدانى وعدد من قادة القوات المسلحة.

كان تفاعلى مصدره الكفاءة فى التعامل مع الأهداف المعادية، كما رأيت فى ميدان العمليات بالذخيرة الحية، وهى درجة رفيعة من درجات التدريبات والتأهيل، خصوصًا فى استخدام الرماية، لتترجم ما جرى التدريب عليه على مدار فترة طويلة من المشروع، وتظهر فيه قدرات وكفاءة القوات المشاركة خصوصًا الجنود.

وهنا نتوقف أمام معانٍ أخرى، مرتبطة بفعاليات مشروع المناورة التكتيكى «بدر2026»، وهو من أعلى الأنشطة التدريبية فى القوات المسلحة، كما وصفه القائد العام، ذلك أنه يتطلب تنسيقا وتناغما بين العناصر المشتركة  فيه، وتنفيذه يستدعى تدريبات لفترة طويلة فى ميادين قتال حقيقية وكأنها «ميادين معركة حقيقية»، ذلك أن المشروع شاركت فيه قوات عديدة من تخصصات مختلفة، منها مثلًا «القوات الجوية، والدفاع الجوى، والمظلات وقوات الصاعقة، والمدفعية والحرب الإلكترونية والاستطلاع وغيرها».

أكثر ما لفت الانتباه فى المشروع، استخدام نظم الحرب الحديثة فى مواجهة التهديدات المختلفة، وبالتالى على الصعيد التدريبى، عكس «المشروع» مدى الجاهزية المختلفة لدى جميع التخصصات، والكفاءة فى استخدام أساليب قتالية حديثة، وتقييم إلى أى مدى وصلت إليه قدرات القوات المصرية لتنفيذ مواجهات نظامية تحقق الأثر بكفاءة، حال وجود أى تهديد للتراب الوطني.

 

رسائل بعلم الوصول

نقطة التوقف الأخرى، كانت مع ما تضمنته هذه المناورة «الموقوتة»، من رسائل للداخل والخارج، خصوصًا تلك التى تحدث بها القائد العام، الفريق أشرف سالم زاهر، وبيّنت فى نفس الوقت أننا أمام نهج مختلف من القيادة، يستهدف امتلاك الجدارة القتالية ليس فقط بأحدث نظم التسليح، وإنما بمقاتل مؤهل وواعٍ، وإجمالًا كانت أهم المعانى التى تضمنتها هذه المناورة ما يلي:

 أولًا: رسالة طمأنة، قدمها القائد العام فى توجيهاته، بأن القوات المسلحة مستعدة وقادرة للتعامل ومواجهة وردع أى تهديد محتمل للتراب الوطنى، وهنا تحدث عن مخاطر ومهددات عدة للأمن القومى المصرى تواجهها القوات المسلحة، بداية التصعيد الأمريكي-الإسرائيلى ضد إيران أخيرًا، وحرب غزة، والهجرة غير المشروعة ومواجهة التهريب عبر الحدود الدولية فى كل الاتجاهات الاستراتيجية.

ثانيا: رسالة جاهزية، لكل أنماط الحروب الحديثة والحروب الهجين، ذلك أن هناك سيناريوهات عديدة لكل التطورات الإقليمية المحيطة تملك القوات المسلحة الاستعداد الجيد لها، والجاهزية للقيام بدورها، وهنا أشار القائد العام إلى أن جزءا من الجاهزية الاستعداد لكل أنماط الحروب بما فى ذلك التطور فى استخدامات التكنولوجيا العسكرية.

 ثالثا: رسالة كفاءة، قائمة على تعزيز قدرات المقاتل المصرى وصقل مهاراته العسكرية والفنية، وهنا تحدث بوضوح الفريق أشرف سالم زاهر، أن الهدف الأول هو العمل على بناء مقاتل قوى بدنيا وثقافيا وعلميا وقتاليا، وذلك عبر تحديث أساليب التدريب والتأهيل داخل القوات المسلحة، فالهدف هو «بناء الإنسان» المقاتل الواعى والمؤهل، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة حققت نتائج طيبة فى منهج بناء الإنسان، عبر برامج الأكاديمية العسكرية.

والمعنى هنا، كما تحدث القائد العام، أن الحروب الحديثة تستدعى وجود مقاتل واعٍ وجاهز ومستعد، فالأسلحة مهما بلغت حداثتها وتطورها التكنولوجى، لن تبلغ أهميتها دون مقاتل واعٍ ومؤهل ومدرب قادر على حسن استخدامها، وتلك واحدة من مفاهيم المهمة فى العسكرية المصرية التى لا تزال تحافظ عليها وأهمها بناء «عقيدة مقاتل» قوى قادر على مواجهة التحدى مهما بلغت صعوبته، فقوة الجيش لا تقاس بمعدات وأسلحة متطورة فقط، ولكن بانضباط وعقيدة قتالية عالية.

 رابعا: رسالة لاستقلال القرار الوطنى، قائمة على مبدأ أن الاستعداد الدائم للقوات المسلحة، وجدارتها وقوتها فى مواجهة أى تحدٍ، تتيح للقيادة السياسية، إمكانية حسم المواقف، والتعامل بحزم مع أى تحدٍ، وتلك رسالة شدد عليها القائد العام، من منطلق أن استقلال القرار الوطنى يستدعى جاهزية وكفاءة مستمرة للقوات المسلحة، فالقرار الذى يستند إلى قوة رادعة لا يمتحن ولا يقاوم.

خامسًا: رسالة السلام القائم على القوة، فإذا كان «السلام» هو خيار مصر الاستراتيجى، فإن القوات المسلحة تدرك قيمة السلام فتحميه، وتعلم فى نفس الوقت معنى القوة فتمتلكها، فى وقت تتعاظم فيه التحديات، وتتعدد مصادرها بما يفرض أن تكون دائمًا فى أعلى معدلات الجاهزية باعتبارها «خط الدفاع الأول»، للدفاع وحماية أمن واستقرار الوطن، وتلك هى الرسالة المقدسة لأبطال الجيش المصرى الراسخة فى نفوسهم، وأهمها أن «مصر وأمنها» فوق كل اعتبار، و«ترابها وأرضها»، كالعِرض لا يمكن التفريط بها مَهما طالت الأعمار.

سلام الأقوياء

ربما جاء توقيت «المشروع التكتيكي» ورسائله تزامنًا مع ذكرى عزيزة وهى عيد تحرير سيناء، وهى المناسبة التى تحدث فيها القائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس عبد الفتاح السيسى، عن جملة من المعانى المتعلقة بنهج مصر للتعاطى مع التحديات الإقليمية، والتى كان من بينها حديثه عن «سلام القوة» القائم على الحق والعدل وفى نفس الوقت يستند إلى قوة تحميه.

وهذه واحدة من دروس تحرير سيناء، الذى لم يتحقق إلا بامتلاك القوة والقدرة والعقيدة القتالية للدفاع عن الأرض، وتحريرها من المحتل، فما كان لها سوى أن فرضت إرادتها فى معركة الدبلوماسية والسياسة، ومنحت للقيادة السياسية الحسم فى مسار التفاوض، وصولًا إلى قرار التحرير الكامل للتراب الوطنى، لتعطى درسًا فى السلام، كما أعطت دروسًا فى المواجهة والقتال.

وهذا المعنى تحدث عنه الرئيس السيسى، فى كلمته بذكرى تحرير سيناء الأسبوع الماضى، حينما أعاد التأكيد على أن «خيار مصر الدائم هو السلام»، ولكن هذا الخيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة لا من ضعف أو تردد أو خوف، وهنا يأتى دور القوات المسلحة لحماية هذا السلام من خلال «عقيدتها وجدارتها وقدرتها على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدى لكل من يحاول المساس بأمنه القومى أو تهديد استقراره».

والواقع استحضار الدرس المصرى فى السلام،  ضرورة يفرضها واقع الاضطراب الإقليمى، ذلك أن منطقة الشرق الأوسط؛ تمر بظروف دقيقة ومصيرية، تشهد (كما قال الرئيس السيسي)، «مساعى مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة»، وبالتالى فإن التعاطى مع هذه المساعى ينطلق «من التعاون والبناء والسلام لتحقيق الاستقرار، وليس بالاحتلال والتدمير»، إلى جانب «ضرورة وحتمية حماية سيادة وسلامة أراضى دول المنطقة، ووقف أى محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلى والحروب الأهلية».

والمتقصى فى فلسفة خيار مصر للسلام، يجد أنها فلسفة نابعة من قناعة وطنية، عبرت عنها الدولة المصرية فى العديد من المواقف، بمفاهيم ومعانٍ واضحة وثابتة، بداية من تبنى الرئيس البطل الراحل، أنور السادات، لخيار السلام بعد الانتصار العسكرى فى السادس من أكتوبر عام 1973، حيث عبر عن رؤيته وقناعته فى كلمته الشهيرة بالكنيست الإسرائيلى فى 20 نوفمبر 1977، حينما أشار إلى مجموعة من الحقائق أهمها، أنه «لا سعادة لأحد على حساب شقاء الآخرين»، وأن «دعوة السلام الدائم والعادل، تعبير واضح لإرادة المجتمع الدولي»، كما أن «تحرك الأمة العربية للسلام العادل، لا ينطلق من موقع ضعف أو اهتزاز، بل على العكس تمامًا تتحرك من مقومات القوة والاستقرار، ما يعكس نوياها الصادقة».

نفس المعانى والمفاهيم تتبناها الدولة المصرية، واستمعتُ إليها فى أكثر من مناسبة للرئيس السيسى، كان من بينها مثلا حديثه فى القمة الروسية الإفريقية الثانية، التى استضافتها مدينة سانت بطرسبرج الروسية، فى 29 يوليو 2023، حيث طرح الرئيس السيسى وقتها مقاربة للسلام، لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وأشار إلى أن «مصر كانت دومًا رائدة وسباقة، فى انتهاج مسار السلام، سلام الأقوياء القائم على الحق والعدل والتوازن، فكان هو خيارها الاستراتيجى الذى حملت لواء نشر ثقافته، إيمانًا منها بقوة المنطق لا منطق القوة، وبأن العالم يتسع للجميع». 

الخلاصة، أن ما شاهدته فى ميدان القتال وما قدمته إحدى وحدات الجيش الثالث الميدانى من نشاط تدريبى بالذخيرة الحية، وهى تردد «قوة، عزيمة، قتال»، مدعاة للفخر والثقة والاطمئنان، فيستطيع كل مصرى أن يأمن بلا قلق، وأن يطمئن بلا خوف بأن للوطن قوة قادرة ومستعدة وجاهزة لكل أنماط الحروب والتحديات، وفى نفس الوقت لديه قيادة تعى جيدًا قيمة السلام، الذى يستند إلى قوة تحميه، وتصون الوطن دون أن تفرط فى ذرة من ترابه، أو تقبل المساومة على حقه وأرضه.. حفظ الله مصر.