احمد باشا
نجاة الشرق الأوسط فوق قضبان السكة الحديد
ليست كل الحروب شرًا خالصًا، فبعضها- على قسوته- يعمل ككاشف جغرافى وسياسى، يعرى مناطق الضعف ويعيد ترتيب أولويات الدول، والحرب الدائرة اليوم، بما فرضته من اضطراب فى الممرات البحرية، ومن تهديد مباشر لشرايين التجارة العالمية، كشفت بوضوح أن الاعتماد الأحادى على البحار لم يعد خيارًا آمنًا، وأن البدائل لم تعد رفاهية مؤجلة، بل ضرورة تفرضها خرائط النار قبل خرائط الاقتصاد.
لقد أعادت هذه الأزمة تسليط الضوء على مضايق استراتيجية، من هرمز إلى باب المندب مرورًا بقناة السويس، حيث تمر نسبة معتبرة من تجارة العالم، بما فيها النفط والغذاء والسلع الأساسية. ومع كل توتر عسكرى، ترتفع كلفة التأمين والشحن، وتتأخر الإمدادات، وتتسع دوائر القلق فى الأسواق العالمية. هنا، يتجلى السؤال الكبير.ماذا لو انقطعت هذه الشرايين أو اختنقت؟ وأين البدائل الجاهزة؟
الإجابة لم تعد نظرية. إنها كامنة فى الجغرافيا ذاتها التى طالما اعتُبرت قيدًا على هذه المنطقة. من جبال الأناضول فى تركيا إلى أطراف الأطلسى فى المغرب، تمتد كتلة برية متصلة، لا يفصلها سوى مسطح مائى واحد، يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه بوسائل حديثة. هذه الكتلة، إذا ما أُعيد تصورها استراتيجيًا، قادرة على أن تتحول إلى شبكة لوجستية برية عملاقة، يكون عمودها الفقرى خطوط سكك حديدية عابرة للحدود.
التجربة العالمية تقدم نموذجًا واضحًا. فالقارة الأوروبية، التى مزقتها الحروب لعقود، نجحت عبر مشروعات الربط الحديدى، مثل شبكات القطارات فائقة السرعة الأوروبية، فى خلق فضاء اقتصادى موحد، حيث تنتقل البضائع والأفراد بسرعة وكفاءة، وتتراجع كلفة النقل، وتزداد فرص التكامل. لم تكن السكك الحديدية هناك مجرد وسيلة نقل، بل أداة سياسية لإذابة الحواجز، وترسيخ المصالح المشتركة.
فى منطقتنا، يمكن لمشروع مماثل أن يحدث تحولًا نوعيًا. ربط دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشبكة سكك حديدية متكاملة سيمنح المنطقة عدة مزايا استراتيجية. أولها، تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة، عبر توفير مسارات بديلة لنقل السلع، خاصة النفط والمنتجات الزراعية. وثانيها، خفض كلفة النقل، حيث تُعد السكك الحديدية من أكثر الوسائل كفاءة من حيث استهلاك الطاقة مقارنة بالشحن البحرى فى ظروف التوتر، أو النقل البرى التقليدى بالشاحنات.
أما ثالث هذه المزايا، فيكمن فى تسريع سلاسل الإمداد، وهو عامل حاسم فى عالم باتت فيه السرعة عنصرًا تنافسيًا لا يقل أهمية عن الكلفة. فبدلًا من انتظار السفن فى ممرات مهددة، يمكن نقل البضائع عبر خطوط مباشرة تربط الموانئ بالمراكز الصناعية والأسواق الداخلية، فى زمن أقصر وبمخاطر أقل.
اقتصاديًا، سيفتح هذا الربط آفاقًا واسعة للتجارة البينية العربية، التى لا تزال دون الطموحات. فحين تتوافر بنية تحتية فعالة، تتراجع العوائق اللوجستية، وتزداد فرص التكامل بين الاقتصادات، من الطاقة فى الخليج، إلى الصناعة فى مصر، إلى الزراعة فى السودان والمغرب. إنها شبكة مصالح، كلما اتسعت، ضاقت معها مساحات الخلاف.
سياسيًا،يحمل المشروع بعدًا لا يقل أهمية. فالربط المادى بين الدول غالبًا ما يقود إلى تقارب فى الرؤى، لأن المصالح المشتركة تصبح أكثر وضوحًا وارتباطًا بحياة الناس اليومية. السكك الحديدية هنا ليست مجرد قضبان من الفولاذ، بل جسور ثقة تمتد فوق الأزمات، وتخلق واقعًا يصعب معه العودة إلى منطق القطيعة.
بيئيًا كذلك، تمثل هذه الشبكات خيارًا أكثر استدامة، إذ تقلل من الانبعاثات مقارنة بوسائل النقل الأخرى، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.
لكن هذا المشروع، رغم وضوح جدواه، يواجه تحديات حقيقية، تبدأ من التمويل، ولا تنتهى عند التعقيدات السياسية واختلاف التشريعات بين الدول. وهنا، يصبح الدور القيادى للدول الكبرى فى المنطقة حاسمًا، ليس فقط فى ضخ الاستثمارات، بل فى صياغة رؤية مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة.
لقد فرضت الحرب درسها القاسى؛ من لا يملك بدائل، يظل رهينة للأزمات، وربما آن الأوان لأن نعيد قراءة جغرافيتنا، لا بوصفها لعنة تاريخية، بل كفرصة استراتيجية. فالأرض التى قست علينا طويلًا، قد تكون – إذا أحسنا توظيفها – مفتاح الخروج من دوائر الاختناق.
إن سباق الزمن قد بدأ بالفعل، والسؤال لم يعد هل نحتاج إلى هذا المشروع؟ بل هل نملك رفاهية تأجيله؟!







