السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
«نمر من ورق».. ماذا بعد سقوط الناتو؟!

«نمر من ورق».. ماذا بعد سقوط الناتو؟!

لم يكن حلف شمال الأطلسى يومًا مجرد تحالف عسكرى تقليدى، بل كان - منذ لحظة التأسيس - تعبيرا مكثفًا عن روح عصر كامل، انقسم فيه العالم إلى معسكرين، وتحول فيه الأمن إلى معادلة ردع، لا مجال فيها للفراغ أو التردد. لكن اليوم، يقف الحلف على عتبة لحظة فارقة، لا تهدد تماسكه فحسب، بل تعيد طرح السؤال القديم.. من يحمى الحارس؟



فى عام 1949، وُلد الحلف عبر معاهدة واشنطن، فى سياق دولى مشحون بصعود الاتحاد السوفيتى وتنامى المخاوف الغربية من تمدده. كان الهدف واضحا، بناء مظلة دفاع جماعى تردع أى عدوان محتمل، وتؤسس لمعادلة استراتيجية قوامها أن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الجميع. ومنذ تلك اللحظة، تحول الناتو إلى العمود الفقرى للأمن الأوروبى، وإلى الذراع العسكرية للغرب بقيادة الولايات المتحدة.

خلال عقود الحرب الباردة، رسّخ الحلف عقيدته القائمة على الردع النووى وتوازن الرعب، فى مواجهة حلف وارسو. لم يكن الصدام مباشرًا، لكنه كان حاضرا فى كل تفصيلة؛ فى سباق التسلح، وفى الأزمات الدولية، وفى خرائط النفوذ التى قُسّمت بدقة بين شرق وغرب. ومع ذلك، ظل الناتو متماسكا، لأن الخطر كان واضحا، والعدو محددًا.

لكن بانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى، بدا وكأن الحلف فقد مبرر وجوده. غير أن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ أعاد الناتو تعريف ذاته، وتحول من تحالف دفاعى إلى فاعل أمنى متعدد الأدوار. انخرط فى إدارة الأزمات خارج حدوده، كما فى حرب كوسوفو، وشارك فى الحرب على الإرهاب بعد أحداث هجمات 11 سبتمبر، وصولًا إلى تدخله فى الحرب فى أفغانستان. كما توسّع شرقا، مستوعبا دولًا كانت حتى الأمس القريب ضمن الفضاء السوفيتى، فى خطوة أثارت حفيظة روسيا، ومهدت لعودة التوتر إلى قلب القارة.

ومع اندلاع الحرب فى أوكرانيا، بدا أن الناتو استعاد مبرره الأول، الردع فى مواجهة موسكو. عزّز وجوده العسكرى فى شرق أوروبا، وارتفعت ميزانيات الدفاع، وعادت لغة التحالفات الصلبة. لكن، فى خضم هذا المشهد المتوتر، جاء التحدى هذه المرة من داخل البيت الأطلسى ذاته.

فقد وجّه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب انتقادات حادة للحلف، واصفًا إياه بأنه «نمر من ورق»، ومهددا بانسحاب بلاده منه، أو على الأقل تقليص التزاماتها الدفاعية تجاه أوروبا. لم تكن هذه التصريحات مجرد زلة خطابية، بل تعبير عن رؤية سياسية تعتبر أن الحلف بات عبئًا ماليا وعسكريا على واشنطن، وأن الحلفاء الأوروبيين لا يدفعون «نصيبهم العادل» من كلفة الحماية ولا يسددون حصتهم من الفاتورة السياسية.

تكمن خطورة هذا الطرح فى أنه يضرب جوهر الفلسفة التى قام عليها الناتو. فإذا تراجعت الولايات المتحدة عن دورها كضامن أمنى رئيسى، فإن الحلف يفقد عموده الفقري.

 أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية، لا تزال تعانى من فجوة عسكرية واضحة، سواء فى القدرات اللوجستية أو فى منظومات الردع الاستراتيجي. وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحا.. هل تستطيع القارة العجوز حماية نفسها فى عالم يزداد خشونة؟

السيناريو الأكثر قتامة يتمثل فى تفكك تدريجى للحلف، لا عبر قرار رسمى، بل من خلال تآكل الالتزامات وتراجع الثقة. عندها، قد تجد أوروبا نفسها أمام فراغ أمنى خطير، يغرى روسيا بتوسيع نطاق نفوذها، أو على الأقل اختبار حدود الردع الغربي. وفى المقابل، قد يدفع هذا التهديد الدول الأوروبية إلى تسريع مشاريع الدفاع المشترك، وربما إعادة التفكير فى بناء قوة عسكرية مستقلة عن المظلة الأمريكية وهو أمر لن تسمح به واشنطن!

إن الناتو اليوم ليس فقط أمام تحد خارجى، بل أمام اختبار وجودى من داخله. بين ضغوط الجغرافيا السياسية، وتحولات الداخل الأمريكى، يقف الحلف على مفترق طرق؛ إما أن يعيد تعريف تماسكه على أسس أكثر توازنا وعدالة بين أعضائه، أو أن ينزلق تدريجيا نحو التفكك، تاركا خلفه فراغا قد يعيد رسم خريطة الأمن العالمي. فى لحظة كهذه، لا يبدو السؤال هل ينهار الناتو؟ 

بل: ماذا سيحدث للعالم إذا حدث ذلك؟!