الأحد 21 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل دفعت الأزمات الداخلية ترامب للقبول بشروط إيران

خلل فى الإدارة الأمريكية

فى خطوة مفاجئة أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، وافق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على صيغة اتفاق مع إيران وُصفت بأنها أقرب إلى تلبية عدد من مطالب طهران، فى تحول لافت مقارنة بخطابه التصعيدى السابق. 



 

قد اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين قبيل انتهاء مهلة حدّدها دونالد ترامب، تمهيدًا لمحادثات فى إسلام آباد. 

يشمل الاتفاق إعادة فتح مضيق هرمز مقابل وقف الهجمات، وسط تفاؤل حذر انفراجة سياسية وانعكاسات إيجابية على الأسواق. 

هذا التحول يتزامن مع حالة غير مسبوقة من الاضطراب داخل الإدارة الأمريكية تمثلت فى سلسلة إقالات طالت مسئولين بارزين، إلى جانب تصاعد دعوات عزله داخل الكونجرس. 

وبينما تحاول الإدارة تقديم الاتفاق باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا يجنّب المنطقة مواجهة مفتوحة، يرى مراقبون أن الضغوط الداخلية، سواء من داخل البيت الأبيض أو من خصومه السياسيين، ربما لعبت دورًا محوريًا فى دفع ترامب نحو القبول بتسوية لم تكن مطروحة قبل أسابيع قليلة.

 دعوات العزل

شهدت الساحة السياسية الأمريكية خلال الأيام الماضية موجة غير مسبوقة من الدعوات لعزل ترامب، حيث طالب أكثر من 24 نائبًا ديمقراطيًا بتفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور، معتبرين أن سلوك الرئيس وتصريحاته، خاصة تهديده بأن «حضارة بأكملها ستنتهى الليلة»، تعكس حالة من التهور وعدم القدرة على إدارة الأزمات.

 هذه الدعوات لم تعد هامشية كما كانت فى بداية ولايته الثانية، بل أصبحت مطروحة علنًا وبحدة داخل أروقة الكونجرس، مدفوعة بغضب القاعدة الديمقراطية وتصاعد المخاوف من انزلاق البلاد إلى مواجهة واسعة مع إيران.

وكانت النائبة ياسمين أنصارى ديمقراطية من ولاية أريزونا وهى أمريكية من أصل إيرانى ورئيسة الدفعة الجديدة من الديمقراطيين فى مجلس النواب، أول من خرج من المنصة بعد تهديد ترامب بـ«الجحيم» لإيران يوم عيد الفصح.

وقالت فى بيان: «إن التعديل الخامس والعشرين موجود لسبب وجيه يجب على حكومته استخدامه.. إن مصير القوات الأمريكية والشعب الإيرانى وأساس نظامنا العالمى على المحك».

من جهتها، قالت النائبة إلهان عمر ديمقراطية من مينيسوتا فى منشور على منصة «إكس»: «هذا غير مقبول.. يجب تفعيل التعديل الخامس والعشرين.. يجب عزله.. يجب إقالته.. يجب عزل هذا المجنون المختل عقليًا من منصبه».

وتصاعدت الأمور بعد أن نشر ترامب على موقع Truth Social: «ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود مرة أخرى».وردًا على ذلك، دعا النواب مارك بوكان (ديمقراطى من ولاية ويسكونسن)، ورشيدة طليب (ديمقراطية من ولاية ميشيغان)، ديانا ديجيت (ديمقراطية من ولاية كولورادو)، وشى ثانى دار (ديمقراطى من ولاية ميشيجان)، وسيدنى كاملة أجر دوف (ديمقراطية من ولاية كاليفورنيا) صراحة إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور.

وكذلك فعل النواب ميلانى ستانسبرى (ديمقراطية من مكسيكو سيتى)، ورو خانا (ديمقراطى من كاليفورنيا)، وماكسويل فروست (ديمقراطى من فلوريدا)، وجولى جونسون (ديمقراطية من تكساس)، وجونى أولسزيوسكى (ديمقراطى من ماريلاند).

ويسمح التعديل لنائب الرئيس وأغلبية أعضاء مجلس الوزراء بعزل الرئيس مؤقتا إذا كان «غير قادر على ممارسة صلاحيات وواجبات منصبه»، وعين حينها تأييد قرار الإزالة بتصويت ثلثى أعضاء كل مجلس من مجلسى الكونجرس.هذا، وأعاد بعض الديمقراطيين فى مجلس النواب بمن فيهم عمر والنائبتان نيكى ما ويليامز (ديمقراطية من جورجيا) ودوليا راميريز (ديمقراطية من إلينوي)، تأكيد دعواتهم القديمة لعزل ترامب، كما فعل السيناتور إد ماركى (ديمقراطى من ماساتشوستس).كما دعا آخرون مثل النواب سيث مولتون (ديمقراطى من ماساتشوستس)، وإيانا بريسلى (ديمقراطية من ماساتشوستس)، وسمر لى (ديمقراطية من بنسلفانيا) ببساطة إلى عزله من منصبه.

ورغم أن تفعيل التعديل الخامس والعشرين أو تمرير قرار عزل ترامب لا يزال أمرًا معقدًا فى ظل سيطرة الجمهوريين وولائهم للرئيس، فإن مجرد تصاعد هذه الدعوات يعكس حجم الأزمة السياسية التى تعيشها الولايات المتحدة حاليًا، فى الإدارة التى تنشغل صراعاتها الداخلية، وتواجه تشكيكًا فى أهلية رئيسها، تجد نفسها فى موقع أضعف عند إدارة ملفات خارجية حساسة.

 موجة إقالات

فى المقابل، لا يمكن فصل هذه الضغوط السياسية عن حالة عدم الاستقرار داخل الإدارة نفسها، حيث كشفت تقارير أمريكية عن سلسلة إقالات طالت مسئولين بارزين، بدءًا من وزيرة الأمن الداخلى كريستى نويم، مرورًا وزيرة العدل بأم بوندى، وصولًا إلى قيادات عسكرية واستخباراتية. 

كما تلوح فى الأفق تغييرات إضافية قد تشمل شخصيات حساسة فى منظومة الأمن القومي، هذه الإقالات، التى تسارعت وتيرتها منذ اندلاع المواجهة مع إيران، تعكس – وفق مراقبين – حالة من فقدان الثقة داخل فريق الرئيس، ومحاولة لإعادة تشكيل دائرة القرار تحت ضغط التطورات المتلاحقة.

ويرى محللون أن هذا النمط من الإدارة، القائم على الإقالات المتكررة وإعادة ترتيب مراكز النفوذ، قد أضعف من تماسك مؤسسات صنع القرار فى واشنطن، ويشير باحث فى الشئون الأمريكية إلى أن «الإدارة التى تعيد تشكيل نفسها بشكل مستمر تفقد قدرتها على صياغة استراتيجيات طويلة المدى، وتصبح أكثر عرضة لاتخاذ قرارات تكتيكية تحت الضغط»، ويضيف أن «ملف إيران تحديدًا كشف هذا الخلل، حيث بدت الرسائل الأمريكية متضاربة بين التصعيد والتهدئة».

من جهة أخرى، يربط بعض الخبراء بين تراجع شعبية ترامب بعد التصعيد العسكرى، وبين لجوئه إلى سياسة «امتصاص الصدمات» عبر تقديم تنازلات غير مباشرة. يقول أحد المحللين لصحيفة «ذا أتلانتيك» الأمريكية أن «الرئيس الذى يواجه ضغوطًا داخلية حادة، سواء من الكونجرس أو من داخل إدارته، قد يجد نفسه مضطرًا لإعادة حساباته الخارجية، حتى لو بدا ذلك فى صورة قبول بشروط الخصم أو تخفيف سقف المطالب».

كما أن الاستقالات المفاجئة، مثل استقالة مسئول مكافحة الإرهاب جو كينت، والتى ارتبطت بمخاوف من مسار الحرب مع إيران، تعكس وجود انقسامات داخلية حول جدوى التصعيد. هذه الانقسامات، بحسب مراقبين، تضعف موقف الإدارة التفاوضى، إذ تعطى انطباعًا بعدم وجود رؤية موحدة، وهو ما قد تستفيد منه طهران فى فرض شروطها أو تحسين موقعها فى أى تسوية محتملة.

وبينما يواصل ترامب محاولاته لإعادة ضبط إيقاع فريقه الحكومى، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت هذه الاضطرابات عاملًا حاسمًا فى تعديل موقفه تجاه إيران؟ أم أنها مجرد عرض لأزمة أعمق فى بنية القرار الأمريكى، ستظل تلقى بظلالها على سياسات واشنطن فى المرحلة المقبلة.