الشيوخ ينهى ماراثون حماية المنافسة
ردع الاحتكار فى الأسواق.. تشريعيـًا
مى زكريا
فى خطوة تشريعية مهمة؛ أسدل مجلس الشيوخ المصري؛ الستار على مناقشات مشروع تعديل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية؛ بعد جلسات مكثفة شهدت مناقشات وجدلا واسعا حول آليات ضبط الأسواق وتعزيز بيئة الاستثمار، ليعلن قراره بالموافقة على القانون؛ وإحالته رسميًا إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره بشكل نهائى.
وجاءت موافقة «الشيوخ» تأكيدًا على توجه الدولة نحو تطوير الإطار التشريعى المنظم للأسواق، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية المتسارعة؛ ويعزز مناخ التنافسية العادلة؛ خاصة فى ظل التحديات الإقليمية والدولية؛ التى ألقت بظلالها على حركة التجارة وأسعار السلع.
التصدى للاحتكار
يستهدف مشروع القانون التصدى للممارسات الاحتكارية، والتى تؤثر سلبًا على حرية السوق، سواء من خلال تقييد المنافسة؛ أو التحكم فى الأسعار؛ أو إقصاء المنافسين؛ وتمنح التعديلات الجديدة جهاز حماية المنافسة أدوات أوسع لرصد ومنع التركيزات الاقتصادية الضارة.
وذلك بما يضمن عدم الإضرار بالمستهلك أو المستثمر، ويمثل نقلة نوعية فى فلسفة حماية السوق، حيث لا تقتصر على العقاب بعد وقوع المخالفة؛ بل تمتد إلى الرقابة المسبقة على عمليات الاندماج والاستحواذ؛ والتى قد تؤدى إلى تكوين كيانات احتكارية.
وحرصت مناقشات الشيوخ؛ على أن المواطن يظل المستفيد الأول من هذا القانون، إذ يسهم فى ضبط الأسعار ومنع التلاعب بها؛ ويحد من الممارسات التى تؤدى إلى نقص السلع؛ أو رفع أسعارها بشكل غير مبرر.
ويعزز القانون الشفافية داخل الأسواق؛ ويضمن توافر السلع بجودة وأسعار عادلة، إلى جانب وجود سوق تنافسية حقيقية؛ بما ينعكس بشكل مباشر على تحسين جودة المنتجات والخدمات، حيث تضطر الشركات إلى الابتكار والتطوير للحفاظ على حصتها السوقية، بدلًا من الاعتماد على الهيمنة أو الاحتكار.
وشملت التعديلات خلق بيئة أعمال مستقرة؛ تحمى الاستثمارات من الممارسات غير العادلة؛ وتضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاقتصاديين؛ وهو ما يتسق مع توجه الدولة نحو جذب الاستثمارات؛ وتحقيق النمو المستدام.
مناقشات مستفيضة
وحرص مجلس الشيوخ على دراسة المشروع بصورة متعمقة؛ والاستماع إلى مختلف الآراء من خبراء ومسئولين؛ لضمان تحقيق التوازن بين حرية السوق ومنع الاحتكار، ومع انتقاله إلى مجلس النواب، تتجه الأنظار إلى المرحلة الحاسمة من مناقشته؛ مع توقعات بإقراره؛ فى ظل توافق عام على أهميته؛ باعتباره أحد التشريعات المحورية لضبط الأسواق ودعم الاقتصاد الوطني.
تحديث جوهري
وفى هذا السياق؛ أكد النائب عصام خليل عضو مجلس الشيوخ؛ أن مشروع القانون يعكس إدراكا عميقا من الدولة لطبيعة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التى تشهدها المنطقة والعالم، لافتا إلى أن التعديلات التى طرحت تمثل تحديثا جوهريا لأحد أهم التشريعات المنظمة لبيئة السوق، باعتباره ركيزة أساسية لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، بما يسهم فى ضمان سوق عادلة تدعم معدلات النمو وتجذب الاستثمارات.
وأشار إلى أن اللجنة المختصة؛ عقدت 27 اجتماعا مكثفا؛ استعانت خلالها بخبرات ومراجعات دولية مستمدة من نظم اقتصادية متعددة، بما يضمن توافق القانون مع أفضل الممارسات العالمية، ويؤكد مواكبته لمتطلبات الاقتصاد الحر المنضبط.
وأضاف أن أهمية هذا القانون تتضاعف فى ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتغيرات متسارعة فى خرائط النفوذ الاقتصادى، لافتا إلى أن ما تتمتع به مصر من استقرار وأمن بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى يستوجب التقدير؛ وتعزيز مناخ الاستثمار وهو ما أسهم فى جعل مصر وجهة أكثر جذبا لرؤوس الأموال فى محيط إقليمى مضطرب.
وشدد خليل على أن الإطار التشريعي؛ وفى مقدمته قوانين حماية المنافسة يمثل العامل الأول الذى ينظر إليه المستثمر عند اتخاذ قرار الدخول إلى أى سوق، مؤكدا أن هذا القانون يعكس بوضوح توجه الدولة نحو دعم القطاع الخاص؛ وترسيخ قواعد المنافسة العادلة ، مشيرا إلى أن تقدم الحكومة بهذا التشريع فى هذا التوقيت يدحض عمليًا الادعاءات التى يروج لها البعض بشأن وجود قيود على عمل القطاع الخاص، مؤكدا أن الدولة تترجم توجهاتها إلى إجراءات فعلية لا تقتصر على التصريحات، من خلال إصدار قوانين تضمن منع الاحتكار وتعزز الشفافية وتكافؤ الفرص.
منظومة حقيقية
وأكد النائب عصام هلال عفيفى عضو مجلس الشيوخ؛ أن الواقع يشير إلى أن أى سوق مهما بلغت درجة حريته يميل بطبيعته إلى التركز، وهو أمر لا يمثل فى حد ذاته خللا؛ إلا أن الإشكالية تنشأ عندما يتحول هذا التركز إلى احتكار يخل بتوازن السوق؛ ويقيد المنافسة ويؤثر سلبا على المستهلك وكفاءة الاقتصاد.
وأوضح أن مشروع القانون يتعامل مع هذه الإشكالية بشكل مباشر، من خلال إقرار أدوات واضحة للرقابة؛ ومنع الممارسات المقيدة للمنافسة؛ مع الحفاظ فى الوقت ذاته على حرية الحركة داخل السوق.
وأشار إلى أن اللجنة كانت على قدر كبير من الوعى بحساسية هذا التوازن، فلم تتجه إلى فرض قيود متشددة قد تعطل النشاط الاقتصادى، ولم تترك السوق دون ضوابط بما قد يسمح بحدوث انحرافات، لافتا الى أنه إذا كان الهدف النهائى هو الوصول إلى سوق أكثر كفاءة، فإن هذا النوع من التدخل المنضبط يمثل المسار الصحيح، كونه يسهم فى منع الانحرافات قبل وقوعها؛ ومعالجة أوجه الخلل دون التأثير على استقرار السوق.
وأكد هلال أن المشروع وفق ما تعكسه التعديلات لم يقتصر على وضع قواعد عامة، بل اتجه نحو بناء منظومة انفاذ حقيقية؛ سواء من خلال أدوات التدخل المبكر؛ أو تنظيم حالات التركز الاقتصادى، أو من خلال تحديد جزاءات تحقق التوازن بين الردع وعدم المغالاة، مشيرا إلى أن هذه المنظومة تضع أمام السوق قواعد واضحة ومعلومة مسبقًا، بما يسهم فى تقليل حالة عدم اليقين التى قد تعوق اتخاذ القرار الاستثمارى أو تؤدى إلى بيئة غير مستقرة.







