الأحد 21 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ترتيبات إسلام آباد

هل ينجح التحالف «الرباعى» فى وقــف الحــرب؟

دخلت الحرب «الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية» مرحلةً تميل فيها الكفة العسكرية لصالح الولايات المتحدة؛ بينما يزداد فيها النفوذ الاقتصادى والاستراتيجى لصالح إيران؛ ويرى الخبراء إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو خفض التصعيد المدار من خلال الوساطة الرباعية لـ «مصر وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية»، بدلًا من التوصل إلى حل حاسم فمن المرجح أن يشمل ذلك تقليص النشاط العسكرى؛ وانعاشًا اقتصاديًا جزئيًا وتوازنًا غير واضح فى مجال الردع؛ لينتهى الصراع بتوازن هش يتأثر بالقيود الاقتصادية بقدر تأثره بنتائج المعارك.



مسارات التفاوض 

شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية المعقدة بين باكستان والولايات المتحدة وإيران؛ إضافة إلى محادثات موازية مع مصر وتركيا؛ ووفقًا لتقارير فاينانشال تايمز فقد شاركت فى كل جولة أطراف إيرانية مختلفة؛ بينما لعبت مصر وتركيا دورًا جيدًا فى التنسيق مع المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف؛ الذى سبق له أن أجرى محادثات مع الإيرانيين فى عمان وجنيف.

موقع أكسيوس نقل عن مصدر أمريكى رفيع المستوى؛ أن مصر وتركيا وباكستان؛ اضطلعت مؤخرًا بدور قناة لنقل رسائل غير مباشرة بين واشنطن وطهران؛ حيث أجرى وزراء خارجية هذه الدول اتصالات منفصلة مع ويتكوف ومع وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى.

وأوضح المصدر؛ أن هذه الجهود حققت تقدمًا نسبيًا إذ تركز النقاشات على إنهاء الحرب ومعالجة الملفات العالقة؛ وسط تفاؤل بإمكانية تحقيق انفراجة دبلوماسية فى المستقبل القريب.

وأفادت الجارديان البريطانية؛ أن اجتماع وزراء خارجية مصر وباكستان والسعودية وتركيا فى إسلام آباد، لم يكن مجرد محاولة لوقف إطلاق النار فى إيران، بل شكل أيضًا خطوة تأسيسية نحو نظام إقليمى جديد؛ يسعى إلى كبح الهيمنة الإسرائيلية والإيرانية بعد الحرب.

ورغم أن هذه الدول اجتمعت سابقًا كـمجموعة رباعية؛ فإن اللقاء الأخير الذى استمر يومًا واحدًا؛ اعتبر بمثابة الافتتاح الرسمى لمبادرة دبلوماسية جديدة، أثارت اهتمام المراقبين الدوليين.

 وذكرت الجارديان؛ أن الهدف الأول للاجتماع الرباعى فى ظل شبكة متزايدة التعقيد من النزاعات هو إقناع جميع الأطراف بوقف التصعيد، والاتفاق على وقف إطلاق النار.

جهود مصرية

منذ اندلاع الحرب تحركت مصر بسرعة لتضع نفسها فى موقع الوسيط الفاعل؛ مستندة إلى خبرتها التاريخية الطويلة فى إدارة النزاعات الإقليمية؛ وباعتبارها صاحبة أطول اتفاقية سلام مستقرة فى التاريخ الحديث؛ فقد عملت وزارة الخارجية والرئاسة المصرية فى مسارين متوازيين لخفض التصعيد؛ حيث قام وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى بجولة دبلوماسية فى عدد من عواصم الخليج؛ حاملًا رسائل تضامن وتحذير من أن استمرار الصراع قد يدفع المنطقة إلى الانفجار.

هذه التحركات عززت صورة مصر كحلقة وصل دبلوماسية؛ قادرة على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع دول الخليج والشركاء الغربيين؛ وفى الآونة الأخيرة مع إيران التى شهدت علاقاتها بالقاهرة تحسنًا ملحوظًا منذ عام 2023؛ وهو ما تجلى فى الاتصالات المباشرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى ونظيره الإيرانى مسعود بيزشكيان لتفنيد الادعاءات التى تشير إلى غياب قنوات أو اتصالات رسمية أو مباشرة بين البلدين.

 برز الدور المصرى بشكل أوضح بعد مؤتمر شرم الشيخ؛ الذى أسفر عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس؛ حيث أدركت الولايات المتحدة والغرب؛ أن القاهرة باتت لاعبًا رئيسيًا لا غنى عنه فى جهود الوساطة؛ هذا الدور تعزز أكثر عقب اجتماع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان فى الرياض؛ بعد اغتيال إسرائيل لرئيس جهاز الأمن القومى الإيرانى على لاريجانى.

وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية؛ اعتمد الوسطاء المجتمعون على المخابرات المصرية لفتح قناة اتصال موثوقة مع الحرس الثورى الإيرانى؛ عبر هذه القناة طرح أيضا المسئولون المصريون مقترحًا بوقف القتال لمدة خمسة أيام لبناء الثقة؛ وهو ما أقنع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالموافقة على وقف مؤقت تم تمديده لاحقًا لعشرة أيام إضافية؛ مما أتاح المجال لبدء محادثات أولية غير مباشرة مع إيران عبر الوسطاء؛ لاشك أن دور مصر وسعيها ينبع من إيمان حقيقى بضرورة فرض السلام فى المنطقة؛ ولكنها أيضا محاولات شرعية لتخفيف آثار الحرب الكارثية السياسية والإنسانية على المنطقة والآثار الاقتصادية التى طالت مصر أيضا وتعانى من تداعيتها.   

شراكات باكستانية

تسعى باكستان فى هذه المرحلة إلى لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة؛ مدفوعة بمزيج من عوامل القوة والضغوط فى آن واحد؛ التى تجعل السلام بالنسبة لها ضرورة وجودية؛ وليست مجرد خيار سياسى ولدى باكستان ما يؤهلها للعب هذا الدور بشكل فعال؛ فهى تحتضن ثانى أكبر عدد من المسلمين الشيعة بعد إيران؛ ما يمنحها رصيدًا ثقافيًا ودينيًا للتواصل مع طهران.

 كما أن قيادتها المدنية والعسكرية نسجت خلال العام الماضى علاقات وثيقة مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؛ ومع مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف؛ إضافة إلى شراكات استراتيجية راسخة مع المملكة العربية السعودية؛ ووضعها كقوة نووية يجعلها طرفًا أساسيًا فى أى نقاش حول مستقبل البرنامج النووى الإيرانى.

 لكن فى المقابل تواجه باكستان تحديات داخلية وخارجية تضغط عليها بشدة اجتماعيًا؛ أدى اغتيال المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى الذى كان يحظى باحترام كبير لدى شيعة باكستان إلى اندلاع أعمال شغب واسعة فى المدن الباكستانية؛ حيث شعر جزء كبير من الأقلية الشيعية بالغدر والحزن؛ ما زاد من هشاشة الوضع الداخلى واقتصاديًا تعتمد باكستان بشكل كبير على النفط المستورد؛ ومع ارتفاع أسعار الطاقة تخشى أن ينهار اقتصادها الهش؛ وخاصة أنها لم تتعاف بالكامل من أزمة التضخم التى ضربتها بعد الغزو الروسى لأوكرانيا.

تحركات تركية 

أبدت تركيا منذ الأيام الأولى للحرب استعدادًا واضحًا للقيام بدور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة؛ مستندة إلى علاقاتها المستقرة مع طهران وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية؛ ففى أواخر فبراير استضاف وزير الخارجية التركى هاكان فيدان نظيره الإيرانى عباس عراقجى فى إسطنبول؛ حيث ناقشا سبل احتواء التصعيد وتجنب انتقال العدوى الإقليمية؛ ولم يقتصر نشاط فيدان على إيران، بل كثف لقاءاته مع وزراء خارجية دول الخليج؛ بما فى ذلك السعودية وقطر والإمارات.

وأكدت أن قدرة تركيا على الحوار مع جميع الأطراف تُعد رصيدًا استراتيجيًا يمكن أن يسهم فى تعزيز الاستقرار طويل الأمد؛ هذه التحركات عززت صورة أنقرة كقوة دبلوماسية قادرة على التوازن بين الخصوم؛ خاصة مع تزايد الدعم الأمريكى للوساطة التركية؛ حيث أشاد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؛ مرارًا بالرئيس رجب طيب أردوغان؛ واعتبره شخصية تحظى باحترام عالمى؛ وقادرة على لعب دور الوسيط الفعال.

وقد أثبتت تركيا قدرتها على الوساطة غير المعلنة؛ إذ كان لها دور حاسم فى تأمين إطلاق سراح رهائن من غزة أواخر عام 2023؛ عبر استغلال علاقاتها الراسخة مع المكتب السياسى لحماس لتسهيل الإفراج عن أكثر من عشرين عاملًا زراعيًا تايلانديًا؛ خارج إطار اتفاقيات تبادل الأسرى الرئيسية التى تفاوضت عليها الولايات المتحدة ومصر وقطر. سعى تركيا نحو وقف الحرب لا ينطلق فقط من رغبتها فى إنهاء حرب قد تطال الشرق الأوسط بأكمله؛ ولا بدافع التعاطف أو المودة ولكن لأن تصاعد الحرب فى إيران سيخلق سيناريوهات سلبية؛ قد تطال تركيا والخوف من موجات الهجرة؛ واللجوء وتقويض قواعدها الاقتصادية والطاقية؛ فضلًا عن الخوف من استغلال الأحداث لتأجيج الصراع الكردى فى تركيا ومحيطها.

وضع إيران وتحديات أمريكا

تواجه الأطراف المنخرطة فى الحرب وضعًا متناقضًا ومعقدًا؛ فبينما تتكبد إيران والولايات المتحدة الأمريكية خسائر عسكرية ملموسة؛ فإنهما تقيمان موقعهما الاستراتيجى الأوسع على أنه فى تحسن.

 بالنسبة لإيران ينبع هذا الشعور بالثقة من قدرتها على استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط اقتصادى؛ حيث أثبتت أنها قادرة بموارد محدودة نسبيًا على تعطيل حركة الملاحة البحرية؛ وفرض تكاليف باهظة على الأسواق العالمية؛ إلى جانب ذلك أعادت إيران تفعيل استراتيجيتها القائمة على شبكات الوكلاء فى لبنان واليمن والعراق؛ ما أربك منظومات الردع لدى خصومها؛ وأدى إلى استنزاف بطيء لقوتهم العسكرية؛ مع استعدادها لمزيد من التصعيد؛ بهدف ترسيخ توازن ردعى جديد يقلل من احتمالية تعرضها لهجمات مستقبلية؛ ويضمن لها دعمًا اقتصاديًا يساعد على استقرار النظام؛ وتمويل إعادة الإعمار.