مبادرة الأمن والتعاون الإقليمى وإعادة بناء المنظومة بشكل جماعى
سفير د. محمد حجازى
شهدت منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا واحدة من أخطر لحظات التصعيد فى تاريخها الحديث، مع اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وهى مواجهة لم تكن مجرد حلقة جديدة فى سلسلة التوترات الإقليمية، بل مثلت اختبارًا كاشفًا لصلابة – أو بالأحرى هشاشة – منظومة الأمن السائدة فى المنطقة.
فقد أثبتت هذه الحرب، بما لا يدع مجالًا للشك، أن النماذج الأمنية القائمة على الاعتماد على القوى الخارجية، أو الاحتماء بترتيبات عسكرية مفروضة من خارج الإقليم، لم تعد توفر الأمن، بل قد تتحول إلى مصدر تهديد مباشر له، بل إن هذه الترتيبات ذاتها أسهمت فى جرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة، وقادتها إلى حرب إقليمية مفتوحة من صنع القوى الخارجية وتحقيقًا لمصالحها ومصالح إسرائيل، ولقد كشفت هذه التطورات عن حقيقة جوهرية طالما تم تجاهلها: أن أمن الشرق الأوسط ظل، لعقود، رهينة لإرادات خارجية، تُدار وفق حسابات استراتيجية لا تعكس بالضرورة مصالح دوله، ولا تأخذ فى الاعتبار أولويات شعوبه فى الاستقرار والتنمية، بل إن بعض هذه الترتيبات الأمنية أسهمت فى تكريس اختلالات هيكلية فى ميزان القوى، ووفرت غطاءً لاستمرار سياسات الهيمنة، وأدت فى النهاية إلى تفاقم الصراعات بدلًا من احتوائها.
ومن ثم، فإن الحرب الأخيرة لا ينبغى النظر إليها فقط كأزمة عابرة، بل كـ نقطة تحول استراتيجية تفرض إعادة تقييم شاملة لمفهوم الأمن الإقليمى ذاته، فاستمرار الاعتماد على نفس المقاربات القديمة لم يعد خيارًا ممكنًا، فى ظل ما أثبتته من قصور وعجز، بل وخطورة على استقرار الإقليم.
إن ما بعد هذه الحرب يجب أن يُقرأ باعتباره لحظة تأسيسية تدفع دول المنطقة إلى استعادة زمام المبادرة، والانتقال من موقع التلقى إلى موقع الفعل، عبر صياغة منظومة إقليمية مستقلة للأمن والتعاون، تقوم على الإرادة الذاتية، وتعكس المصالح المشتركة، وتؤسس لآليات جماعية قادرة على منع الانزلاق إلى صراعات جديدة.
فالأمن لم يعد يمكن استيراده من الخارج، ولا ضمانه عبر ترتيبات أحادية أو قواعد عسكرية أو تحالفات ظرفية، بل يتطلب إطارًا إقليميًا متكاملًا، يقوم على مبادئ واضحة: احترام السيادة، عدم التدخل، تسوية النزاعات سلميًا، وبناء شبكة من المصالح المتبادلة التى تجعل الاستقرار خيارًا جماعيًا لا يمكن التفريط فيه،.
وعليه، فإن اللحظة الراهنة، رغم ما تحمله من مخاطر، تفتح نافذة نادرة لإعادة التفكير فى مستقبل المنطقة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نظام إقليمى جديد، يضع أمن دول الشرق الأوسط فى يدها، لا فى حسابات الآخرين، ويؤسس لمرحلة أكثر توازنًا واستقرارًا.
نحو إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمى بشكل جماعى
وحرصا على تهيئة أجواء أوضح لمسار رؤيتنا للأمن والتعاون الإقليمى بالشرق الأوسط، يلزم تحليل معمق لظروف ماشهدته وتشهده المنطقة من تحولات استراتيجية عميقة فى العقود الأخيرة، سواء فى طبيعة التهديدات الأمنية أو فى شكل التحالفات الإقليمية التى طالما مثّلت عماد منظومة الاستقرار الإقليمى.
فالعالم قد تطور وتغيّر بشكل متسارع وغير مألوف، ولم تعد التهديدات مقتصرة على النزاعات بين الدول أو التنافس التقليدى بين القوى الكبرى، بل ظهرت أنماط جديدة من المخاطر غير التقليدية التى باتت تهدّد الأمن القومى والإقليمى على حدّ سواء، مثل التهديدات السيبرانية، ونشاط الفاعلين من غير الدول، وأزمات الهجرة والكوارث البيئية، وتأثيرات الاقتصاد العالمى المتقلبة، ومع هذه التحولات، تراجعت فعالية منظومة التحالفات القديمة التى كانت تُبنى على الثقة الثنائية أو الولاءات السياسية الضيقة، إذ لم يعد كثير من الحلفاء يوفون بالتزاماتهم السابقة، أو تغيّرت أولوياتهم الاستراتيجية بما أضعف الثقة وأحدث فراغات أمنية باتت واضحة للعيان.
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمى على أسس جديدة أكثر مرونة وتعددية، تستند إلى التعاون الأمنى الحقيقيcooperative security لا إلى الاصطفافات المؤقتة، فالمشهد الجيوسياسى الراهن فى المنطقة يُظهر كما اسلفنا فى الجز الاول من المقال تعددية فى مراكز القوى مثل: إيران وتركيا والإمارات، حيث برزت كقوى إقليمية صاعدة، بالإضافة بالطبع للقوى الراسخة المستقرة كمصر والمملكة السعودية، وعلى صعيد القوى الكبرى تتعرض روسيا لضغط إقليمى واضح مع تراجع نفوذها بعد سقوط النظام الموالى لها فى دمشق بالإضافة لانشغالها فى حربها مع أوروبا والولايات المتحدة فى أوكرانيا، فى حين أعادت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو آسيا والمحيط الهادئ وان كانت تحولات المنطقة ارتباطا بمواجهات إسرائيل فى لبنان ضد حزب الله وفى غزة ضد حماس والمواجهة القائمة مع إيران أبقتها قسرًا منخرطة فى الشرق الأوسط، ما دفعها لتبنى خطة ترامب للسلام والاستقرار تسعى لفرضها ما يجعلها اكثر قربًا لمفاهيم الترتيبات الإقليمية التالية من منظور جماعى، بينما سعت الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادى عبر التجارة ومبادرة الحزام والطريق، وتلمس طريقها بمبادرات دبلوماسية محسوبة كتلك التى قادت لعودة العلاقات السعودية الإيرانية، أو من خلال التوصل لتوافقات بكين بين الفصائل الفلسطنية، دون أن تتسم تحركاتها بالديمومة أو المبادرة، هذا التغيّر فى موازين القوى أنتج بيئة إقليمية مضطربة تفتقر إلى إطار أمنى شامل وفاعل يضم كل الأطراف المعنية، كما أكدت دراسة مشتركة لمؤسسة هانز زايدل الألمانية والمعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية فى لندن عام 2022.
وفضلًا عن غياب الهيكل المؤسسى للأمن الجماعى، فإن كثيرًا من التهديدات الجديدة تنبع من داخل الدول نفسها: ضعف الاقتصاد، تآكل الهوية الوطنية، هشاشة البنى التحتية، والمخاطر البيئية والاجتماعية، ما يجعل الأمن الداخلى جزءًا لا ينفصل عن الأمن الإقليمى. ورغم التغيّرات، لا يمكن تجاهل استمرار التهديدات التقليدية مثل النزاعات الحدودية وسباقات التسلح والتدخلات الخارجية ولعل الأوضاع فى السودان وإقليم الساحل خير دليل.
لكن الأهم اليوم هو تنامى التهديدات غير التقليدية التى تتجاوز مفهوم الحرب بين الدول، فالميليشيات والجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود أصبحت جهات فاعلة فى المعادلة الأمنية، وغالبًا ما تعمل فى فراغات تنشأ من ضعف التحالفات الدولية والإقليمية.
كما أن الأمن السيبرانى بات ساحة جديدة للصراع؛ فالهجمات الإلكترونية على البنى التحتية الحيوية وحملات التضليل الإعلامى تسعى إلى زعزعة استقرار الدول من الداخل، إلى جانب ذلك، تشكّل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية تهديدًا متناميًا للأمن، إذ إن الفقر والبطالة وندرة المياه وتغير المناخ أصبحت أسبابًا غير مباشرة للتوترات والصراعات.
هذه التحولات مجتمعة جعلت التحالفات التقليدية أقل قدرة على مواجهة واقع متغير وخطر ولا يمكن مواجهته فرادى مادام هو فى الأساس خطر عابر للحدود.. كذلك، فقد تراجعت الشراكات الأمنية الإقليمية بفعل تباين المصالح بين الدول، وتنامى الضغوط الداخلية التى تدفع الحكومات إلى الانكفاء على الذات، بالإضافة إلى فقدان الثقة بين الحلفاء نتيجة الإخفاق المتكرر فى الالتزام بالاتفاقات أو تنفيذ الوعود، ويُضاف إلى ذلك التغيّر فى الحسابات العالمية الكبرى، حيث أعادت واشنطن كما ذكرت ترتيب أولوياتها بعيدًا عن الشرق الأوسط، ما دفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل وتحالفات جديدة تسعى من خلالها إلى سد الفراغ الأمنى المتزايد، فمثلا شهدت مصر مناورات جوية نوعية مع الصين مؤخرًا، وكذلك جاءت زيارة سيرغى شويجو سكرتير الأمن القومى الروسى للقاهرة فى 10 نوفمبر 2025 فى مشهد لة دلالات استراتيجية.
وفى خضم هذه التغيّرات، برز مفهوم جديد يصفه بعض الخبراء بـ«الحوار غير الآمن»، ويقصد به القنوات أو الأطر التفاوضية التى تُفتح بين الدول دون ضمانات واضحة أو آليات متابعة فعّالة، أو تلك التى تُستغل من طرف على حساب الآخر، ما يجعلها سيفًا ذا حدّين.
فبدلًا من بناء الثقة، يمكن لمثل هذه الحوارات أن تُستغل لاختراق المعلومات الحساسة أو للحصول على مكاسب سياسية مؤقتة، وقد شهدت المنطقة فى السنوات الأخيرة العديد من الأمثلة التى تعبّر عن هذا النمط من العلاقات، حين تُعلن مشاريع تعاون أو تفاهمات استراتيجية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلى، أو حين يفاجأ أحد الشركاء بخطوة سياسية أو عسكرية من الطرف الآخر دون تنسيق مسبق كما نتابع فى تحركات قوى إقليمية فى المشهد السودانى، ما يؤدى إلى تآكل المصداقية وتزايد التوترات، لذا نؤكد أن الحوار والتفاهم وحده لا يكفى ما لم يكن محصنًا بضمانات مؤسسية واضحة وآليات للتحقق والمحاسبة.
ويؤدى ضعف التحالفات، والحوار غير الآمن، وتعدد مصادر التهديد إلى تقويض منظومة الأمن الجماعى بأكملها.
فحين تغيب الثقة والتنسيق، يصبح كل طرف معرّضًا لمخاطر مباشرة وغير مباشرة، سواء كما أسلفنا من خلال الهجمات السيبرانية أو التهديدات الإرهابية أو حتى الكوارث الإنسانية الناتجة عن الأزمات الاقتصادية، وقد كشفت الأزمات الإقليمية الأخيرة، مثل الحرب فى غزة وما تلاها من مواجهات فى لبنان والتعديات الإسرائيلية المستمرة وبعدها الحرب على إيران واستمرار تردى الأوضاع فى السودان، محدودية قدرة المنظومة الدولية والإقليمية على الاستجابة الجماعية للأزمات.
إن مواجهة هذا الواقع تتطلب إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمى على أسس جديدة تجمع بين البعد المؤسسى، والعملى، والتقنى، والدبلوماسى، والتنموى، فمن الضرورى ضمن منظومة الأمن والتعاون الإقليمى التى قدمناها فى الجزء الأول من العرض أن تكون هناك لجان أو هياكل نوعية داخل آلية الأمن والتعاون الإقليمى المقترحة، ومنها إنشاء منتدى إقليمى دائم للأمن، تكون مهمته الأساسية بناء الثقة وتبادل المعلومات ومتابعة الالتزامات، إلى جانب إنشاء وحدات استجابة سريعة مشتركة للتعامل مع الكوارث والأزمات الإنسانية، وتفعيل التعاون فى مجالات الأمن السيبرانى عبر منصة إقليمية للإنذار المبكر، كما ينبغى تطوير برامج للتحقق من المعلومات ومكافحة حملات التضليل، بما يعزز استقرار البيئة الإعلامية والسياسية فى المنطقة.
أما فى الجانب الدبلوماسى والاقتصادى، فإن تبنى مبدأ «الأمن المتبادل من خلال التنمية» وهو ما يُعدّ خطوة محورية، بحيث يُنظر إلى كل مشروع طاقة أو بنية تحتية أو تجارة عابرة للحدود باعتباره جزءًا من منظومة أمن جماعى، لا مجرد منفعة وطنية ضيقة، فالمشروعات الاقتصادية المشتركة تخلق ترابط مصالح يجعل تفكيكها أو تقويضها أمرًا صعبًا، وهو ما يؤسس لسلام مستدام مبنى على الاعتماد المتبادل.
ومن المهم أيضًا أن تُدار الحوارات الإقليمية الحساسة فى إطار مؤسسى آمن ومحايد، برعاية منظمات إقليمية ودولية أو أطراف وسيطة موثوقة، فمشاريع الربط الكهربائى بين سوريا ولبنان، أو بين مصر والسودان وإثيوبيا، ومشاريع الربط بينها بالسكك الحديدية والطرق الدولية بما فيها بين دول المنطقة وبين مصر ودول القارة الإفريقية خاصة فى شرق القارة ومع دول الساحل، حاسمة لإنجاح البيئة الاقتصادية والسياسية وخلق أطر أرحب للتفاهم ومواجهة التحديات بشكل جماعى.
وتبقى التنمية فى النهاية هى الركيزة الأساسية للأمن، فالدولة التى تعانى من الفقر وضعف التعليم وندرة المياه لا يمكنها بناء منظومة دفاع مستدامة، لذلك ينبغى دمج البعد الاجتماعى والتنموى فى استراتيجيات الأمن الإقليمى، لأن الأمن لا يتحقق بالسلاح فقط بل بالاستقرار الداخلى والتكامل الاقتصادى والبيئى بين الدول، فالتعاون فى مجالات النقل والطاقة وتحلية المياه، مثلًا، يمكن أن يكون مدخلًا لبناء الثقة وتحويل التنافس إلى شراكة.
إن مستقبل المنطقة يعتمد على قدرتها على التحول من الأمن الأحادى إلى الأمن التعاونى الجماعى، ومن ردّ الفعل إلى الاستباق، ومن منطق التنافس إلى منطق الترابط والمصالح المشتركة، فإما أن تبنى دول الشرق الأوسط معًا منظومة جديدة للأمن الجماعى تقوم على الثقة والتكامل والمشاركة، أو أن تظل أسيرة حلقات الأزمات المتكررة، والصياغات المشبوهة لأمنها، والفرصة اليوم سانحة لتأسيس إطار إقليمى جديد قادر على استباق المخاطر وربط الأمن بالتنمية والاقتصاد بالاستقرار، بما يجعل الشرق الأوسط منطقة للسلام والنمو المستدام، لا ساحة للتنافس والصراع.







