الأحد 21 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل تعيد الأزمة فى الشرق الأوسط رسم الاقتصاد العالمى

حرب إيران تشعل عاصفة «جيو اقتصادية»

تعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع «إيران» أكثر من مجرد صراع عسكرى إقليمى، حيث بدأت تداعياتها «الجيواقتصادية» تتكشف بوضوح يتجاوز حدود «الشرق الأوسط»، لترسم موجات صدمات فى الاقتصاد العالمى بأسره.. فهذه الأزمة المتصاعدة باتت حريق «جيواقتصادى» قد يستمر تأثيره حتى بعد وقف إطلاق النار، وقد يتفاقم إذا طال أمده. 



فى هذا الصدد، يقف مضيق «هرمز» فى قلب هذه الأزمة، حيث أدى الاضطراب فيه إلى تعطيل تدفقات النفط، والغذاء، والأسمدة، والتكنولوجيا، مما يهدد سلاسل التوريد العالمية، ويرفع معدلات التضخم، ويبطئ النمو الاقتصادى فى مختلف أنحاء العالم. 

 أزمة الطاقة

قال «إدوارد فيشمان»، مدير مركز «موريس آر.جرينبيرج» للدراسات الجيو-اقتصادية فى مجلس العلاقات الخارجية، إن الحرب أثارت أكبر اضطراب فى إمدادات النفط فى تاريخ السوق العالمية، حسب وصف وكالة الطاقة الدولية (IEA)، حيث كان يمر قبل الحرب نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية يوميًا عبر مضيق «هرمز»؛ أما الآن فانخفض هذا التدفق إلى الحد الأدنى، ما أدى لارتفاع سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 65 دولارًا قبل تصاعد التوترات.

وفى هذا السياق، أوضح «فيشمان» أنه رغم عدم إغلاق المضيق بألغام أو حصار بحرى، فإن استخدام «إيران» للمسيرات، من أجل ضرب أكثر من 10 سفن تجارية كانت كافية، لتغيير حسابات المخاطر لدى صناعة الشحن العالمية بأكملها. 

وخلص «فيشمان» إلى أن أزمة النفط لن تنتهى إلا بعودة حركة المرور عبر المضيق؛ معتبرًا أن أمام «واشنطن» خيارين -غير جذابين حسب وصفه- أولهما: إقناع «طهران» بإعادة فتح المضيق، ما سيتطلب تنازلات صعبة؛ أو خيار تصعيد الحرب، بما فى ذلك خطر فقدان سفن بحرية، وربما نشر قوات برية.

 صدمات النفط 

أكد «براد دبليو. سيستر»، كبير الباحثين فى مجلس العلاقات الخارجية، أن الحرب أوقفت التدفق اليومى لبراميل النفط عبر مضيق «هرمز»، مما يترك الدول المنتجة للنفط فى المنطقة بخيارات محدودة؛ مضيفًا أن ما يصل إلى 9 ملايين برميل يوميًا قد توقفت آبارها عن الإنتاج، لأنه لم يعد هناك مكان لتخزين النفط المنتج. 

وأكد أنه حتى مع الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية من الدول، يصعب تصور إغلاق فعلى ومطول لمضيق «هرمز»، دون أن يؤدى ذلك إلى سحب نحو 10 ملايين برميل يوميًا من السوق العالمية لفترة طويلة، ما يعادل تقريبًا 10 % من إجمالى استهلاك النفط فى العالم.

ثم أوضح أن كل زيادة بـ 10 دولارات فى سعر البرميل تؤدى تقريبًا إلى انخفاض الاستهلاك بنسبة 1 %، وهذا يعنى أن إغلاقًا مطولًا قد يرفع سعر النفط إلى نحو 170 دولارًا للبرميل.

وفى هذا السياق، أوضح «سيستر» أن «الولايات المتحدة» ليست محصنة من تلك الأزمة، إذ تنتج كمية نفط تعادل استهلاكها تقريبًا؛ مؤكدًا أن الأمريكيين يستهلكون –يوميًا- كميات نفط أكبر من الأوروبيين أو الصينيين، وعند ارتفاع الأسعار، إما أن يلجأ الأمريكيون إلى المدخرات، أو يقللوا من استهلاك السلع الأخرى.

وعليه، قدر «سيستر» أن كل زيادة بـ 10 دولارات فى سعر البرميل تبطئ النمو الأمريكى بنحو 0.1 نقطة مئوية من الناتج المحلى الإجمالي؛ مضيفًا أن الزيادة بلغت بالفعل 30 دولارًا منذ بداية الصراع، ما قد يؤدى لتباطؤ بنسبة 0.3 نقطة، وربما قد يصل إلى 0.5 نقطة إذا بقيت الأسعار فوق 100 دولار لفترة طويلة حسب توقعاته.

 أزمة غذاء

زاوية أخرى للأزمة، حذر منها «مايكل ويرز»، كبير الباحثين فى مجلس العلاقات الخارجية، وهى تداعيات الصراع المتمثلة فى أزمة غذائية متفاقمة؛ موضحًا أن منطقة الخليج ليس مجرد ممر للنفط، بل للغذاء والأسمدة الزراعية الحيوية أيضًا. 

وقال إنه مع خطر توسع الحرب، وإغلاق مضيق «هرمز» ـ فعليًا - سيكون التأثير كبيرًا على الدول المعتمدة على الواردات؛ موضحًا أن الدول فى المنطقة – التى يقطنها أكثر من 60 مليون نسمة – تعتمد بصورة شبه الكامل على الواردات فى الأرز (بنسبة 77 %)، والذرة (89 %)، والصويا (95 %)، والزيوت النباتية (91 %)؛ مشيرًا –فى الوقت ذاته- لارتفاع التضخم الغذائى فى «إيران» أكثر من 40 % فى العام الماضى، مع ارتفاع أسعار الأرز سبعة أضعاف، والزيت النباتى ثلاثة أضعاف. 

وأكد ـ فى المقابل - أن توقف الشحن عبر «هرمز» أثر بشكل هائل على صادرات الأسمدة العالمية.. حيث كانت دول العالم تعتمد على الخليج لتعويض خسائر الأسمدة الناجمة عن حرب «روسيا»، و«أوكرانيا»، وقيود «الصين»؛ مضيفًا أن ربع الإنتاج العالمى للأسمدة كان يمر عبر المضيق، وهو ما أدى لارتفاع الأسعار، ومن بينها سعر اليوريا الذى ارتفع فى «الشرق الأوسط» بنسبة 19 % فى أسبوع واحد، مما يخلق تحديات مالية جديدة لقطاعات الزراعة فى كل العالم.

 تعطل الخدمات الرقمية

بدوره، أبرز «كريس ماكجواير»، كبير الباحثين التكنولوجيا الناشئة فى مجلس العلاقات الخارجية، زاوية أخرى للحرب الإيرانية، وهى استهداف مراكز بيانات تجارية، مما ألحق أضرارًا بمنشأتين لأمازون فى «الإمارات»، وواحدة فى «البحرين»؛ مؤكدًا أن الهجمات تسببت فى تعطيلات واسعة للخدمات الرقمية فى «الإمارات» بما فى ذلك البنوك. 

وقال «ماكجواير» إن: «مراكز البيانات، خاصة تلك الخاصة بالذكاء الاصطناعى، أصبحت شريان الحياة لاقتصاد القرن الحادى والعشرين.. وتستثمر دول الخليج، وخاصة «الإمارات» بكثافة فى بنية تحتية الذكاء الاصطناعى لتكون أساس اقتصادات ما بعد النفط»؛ مؤكدًا أن الهجمات الأخيرة تكشف عن مخاطر كبيرة فى الاعتماد على مراكز بيانات موجودة فى مناطق غير مستقرة.

 الأسواق وإيران

حذر «روجر دبليو. فيرجسون جونيور»، الباحث فى الاقتصاد الدولى بمجلس العلاقات الخارجية من أن الصراع المطول قد يعيد صدمات أسعار النفط التى شهدها العالم فى السبعينيات؛ مرجحًا ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، حيث ستكون ـ حينها- أسعار البنزين أبرز نقطة ضغط على المستهلكين. 

كما توقع أن تواجه «آسيا، وأوروبا» مخاطر إمداد حقيقية، بسبب اعتمادهما الكبير على الطاقة المستوردة.

وبالنسبة للبنوك المركزية، فتوقع أن يصبح التحدى حادًا، حيث رجح أن يواجه الاحتياطى الفيدرالى تضخمًا فوق هدف 2 %. وعليه، ستصبح خفض الفائدة أمر صعب فى ظل الدفعة التضخمية النفطية، بينما سيؤدى ارتفاع الفائدة مع ضعف سوق العمل، ومستهلكين متعبين ماليًا، لإثارة التضخم الركودى.

من جانبها، رأت «ريبيكا باترسون»، كبيرة باحثى مجلس العلاقات الخارجية، والباحثة فى الاقتصاد الكلى، أن ردود فعل الأسواق المالية كانت دراماتيكية، خاصة بعد ارتفاع سعر برنت بنحو 40 %. 

وأكدت أن أسعار الطاقة المرتفعة دفعت إلى توقعات بأن التضخم سيحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة؛ بينما خسرت الأسهم العالمية أكثر من 5 %؛ فيما تفوقت عملات مصدرى السلع على عملات المستوردين؛ كما شهد الذهب انخفاضًا، بسبب التوازن بين الطلب على الملاذ الآمن وارتفاع الفائدة والدولار.

 الخاسرون من الحرب

فى ضوء تطورات الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة، يبرز عدد من الاقتصادات الكبرى كأكثر الخاسرين تعرضًا للصدمات، وفقًا لما أوردته وكالة «رويترز».

وفى مقدمة هذه الأطراف تأتى دول (مجموعة السبع)، خاصة فى «أوروبا»، حيث أعادت أزمة الطاقة الحالية إحياء تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية، مع ارتفاع جديد متوقع فى معدلات التضخم وضغوط على البنوك المركزية، مثل: البنك المركزى الأوروبى، وبنك إنجلترا لرفع أسعار الفائدة، ما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادى. 

وتعد «ألمانيا» من أكثر الدول عرضة للخسائر نظرًا لاعتماد اقتصادها الصناعى على الطاقة وتعرض صادراتها لأى ركود عالمى.. كذلك تواجه «إيطاليا» مخاطر مزدوجة، بسبب ثقل قطاعها الصناعى واعتمادها المرتفع على النفط والغاز فى مزيج الطاقة. 

أما «المملكة المتحدة» فتتأثر بشكل خاص بارتفاع أسعار الغاز، الذى يشكل عنصرًا رئيسيًا فى توليد الكهرباء، ما يؤدى إلى زيادة أسرع فى أسعار الطاقة، مع محدودية قدرة الحكومة على التدخل، بسبب ضغوط الميزانية/ وارتفاع تكاليف الاقتراض. 

وعلى الجانب الآسيوى، تقف «اليابان» ضمن الأكثر تضررًا، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على واردات النفط من «الشرق الأوسط»، يمر معظمها عبر مضيق «هرمز»، ما يجعلها شديدة الحساسية لأى اضطراب فى هذا الممر الحيوى. 

فى النهاية.. تؤكد حرب «إيران» أن العالم أصبح على حافة صدمات متعددة، بداية من ارتفاع أسعار النفط، وصولا إلى أزمة الغذاء، وتعطل البنية الرقمية، فى وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى خسائر فورية، بينما تعيد الأسواق المالية تسعير المخاطر بوتيرة غير مسبوقة.