الأحد 15 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عندما تتحول الرؤية المصرية إلى ضرورة استراتيجية

«القوة العربية المشتركة».. متى ترى النور؟

لم يعد الحديث عن إنشاء قوة عربية مشتركة مجرد طرح سياسى أو فكرة تتردد فى القمم العربية؛ بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات المتسارعة التى تشهدها المنطقة، فالعالم العربى يقف اليوم أمام مجموعة من التحديات غير المسبوقة، تتداخل فيها الأزمات الأمنية مع التهديدات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، فى وقت يتجه فيه العالم نحو تشكيل التكتلات والتحالفات الكبرى.  



وسط هذا المشهد المعقد، تعود فكرة القوة العربية الموحدة إلى الواجهة باعتبارها أحد الحلول الممكنة لتعزيز الأمن القومى العربى؛ خصوصًا فى ظل إدراك متزايد بأن أى دولة عربية بمفردها لن تكون قادرة على مواجهة هذه التحديات المتشابكة دون تعاون إقليمى حقيقى.

وفى هذا الصدد تحدث وزير الخارجية بدر عبد العاطى أن مصر تقود مبادرة إقليمية لتفعيل القوة العربية المشتركة. وفى قلب هذا النقاش تبرز مصر، التى لطالما لعبت دورًا محوريًا فى دعم العمل العربى المشترك؛ حيث كانت من أوائل الدول التى طرحت بشكل واضح فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على التدخل السريع لحماية استقرار المنطقة.

المعادلات الجديدة

شهدت المنطقة العربية خلال العقد الأخير سلسلة من التحولات العميقة التى أعادت تشكيل خريطة التوازنات الإقليمية، فى الصراعات المسلحة التى اندلعت فى عدد من الدول، وانتشار التنظيمات الإرهابية، والتدخلات الخارجية المتزايدة، كلها عوامل أسهمت فى خلق بيئة أمنية معقدة تتطلب استجابة جماعية.

كما أن التحديات لم تعد تقتصر على الصراعات العسكرية التقليدية؛ بل امتدت إلى ملفات جديدة مثل الأمن الغذائى وأمن الطاقة وتأمين الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، ومع تصاعد المنافسة الدولية على مناطق النفوذ، أصبحت المنطقة العربية مسرح تفاعلات سياسية واستراتيجية معقدة.

هذه المتغيرات دفعت العديد من الخبراء إلى التأكيد على أن العالم العربى يحتاج إلى رؤية مشتركة قادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قوة حقيقية؛ خصوصًا أن المنطقة تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتكون أحد الأقطاب المؤثرة فى النظام الدولى.

 مبادرة الرئيس السيسي

فى القمة العربية التى عقدت بمدينة شرم الشيخ فى مارس عام 2015، طرح الرئيس عبدالفتاح السيسي مبادرة إنشاء قوة عربية مشتركة تكون قادرة على التدخل السريع لمواجهة التهديدات التى تستهدف الأمن القومى العربى. وقد جاءت هذه الدعوة فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية؛ حيث كانت المنطقة تشهد تصاعدًا فى التهديدات الإرهابية وتفاقمًا فى الأزمات السياسية والعسكرية فى عدد من الدول.

وقد حظيت المبادرة المصرية بتأييد واسع؛ حيث وافق مجلس جامعة الدول العربية فى 29 مارس 2015 على إنشاء القوة العربية المشتركة، وصدر القرار رقم 628 الذى يقضى بتكليف لجنة من الخبراء العسكريين بإعداد بروتوكول ينظم عمل هذه القوة.

 مهام القوة المشتركة

وفقًا للبروتوكول المقترح؛ فإن القوة العربية المشتركة ستكون لها مجموعة من المهام الاستراتيجية التى تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار فى المنطقة.

ومن بين أبرز هذه المهام التدخل العسكرى السريع لمواجهة التهديدات الإرهابية التى تشكل خطرًا مباشرًا على الدول العربية، والمشاركة فى عمليات حفظ السلام داخل الدول الأعضاء.

كما تشمل المهام أيضًا دعم الدول التى تواجه أزمات أمنية فى إعادة بناء قدراتها العسكرية، والمساهمة فى تثبيت اتفاقيات وقف إطلاق النار ومنع اندلاع النزاعات المسلحة.

ولا تقتصر مهام القوة على الجوانب العسكرية فقط؛ بل تمتد إلى مجالات أخرى مثل حماية المدنيين فى حالات الطوارئ، والمشاركة فى عمليات الإغاثة الإنسانية، وتأمين خطوط المواصلات البحرية والبرية والجوية.

التصور الذى طرحه البروتوكول الخاص بالقوة العربية المشتركة يقوم على مبدأ المشاركة الطوعية للدول الأعضاء، بحيث تساهم كل دولة بعناصر عسكرية برية وجوية وبحرية وفقًا لإمكاناتها وقدراتها.

 النموذج المرن

ويؤكد الخبراء أن هذا النموذج يتيح قدرًا كبيرًا من المرونة؛ حيث يسمح للدول بالمشاركة دون التأثير على مهام قواتها المسلحة الوطنية.

يرى اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير الاستراتيجى ومدير الشئون المعنوية الأسبق للقوات المسلحة، أن فكرة القوة العربية المشتركة قابلة للتنفيذ إذا توافرت الإرادة السياسية.

ويؤكد «فرج»، أن الجيوش العربية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة يمكن أن تشكل قوة ردع مؤثرة إذا تم تنسيقها فى إطار منظومة مشتركة.. ويضيف: «العالم اليوم يقوم على التحالفات العسكرية والتكتلات الإقليمية، وإذا نظرنا إلى الإمكانات العسكرية العربية سنجد أنها كبيرة جدًا، لكن المشكلة ليست فى القدرات بل فى آليات التنسيق بينها».

ويوضح أن الجيش المصرى يمكن أن يلعب دورًا محوريًا فى هذا المشروع، نظرًا لما يمتلكه من خبرة عسكرية واسعة وعلاقات تدريب وتعاون مع العديد من الجيوش الدولية.

 التنسيق الاستراتيجى

من جانبه يرى الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية، أن تحقيق فكرة القوة العربية المشتركة يجب أن يتم بشكل تدريجى، والبداية يمكن أن تكون من خلال تعزيز التعاون العسكرى وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنظيم تدريبات مشتركة بشكل دورى.

ويقول فهمى: «ليس من الضرورى أن يبدأ المشروع بتأسيس جيش عربى موحد بشكل كامل؛ بل يمكن أن يبدأ بآليات تنسيق استراتيجى بين الجيوش العربية، ومع مرور الوقت يمكن أن يتطور هذا التعاون ليصبح أكثر مؤسّسية».

ويشير إلى أن مصر تمتلك القدرة على لعب دور الوسيط والمحرك لهذا المشروع؛ نظرًا لعلاقاتها المتوازنة مع معظم الدول العربية.

 التكامل الاقتصادى 

أمّا المفكر السياسى الدكتور عبدالمنعم سعيد؛ فيرى أن بناء قوة عربية حقيقية لا يمكن أن يعتمد على التعاون العسكرى وحده؛ بل يجب أن يستند أيضًا إلى تكامل اقتصادى وتنموى.

ويؤكد «سعيد» أن التجارب الدولية تثبت أن التكتلات القوية تبدأ عادة من التعاون الاقتصادى قبل أن تتطور إلى تحالفات سياسية وعسكرية.

ويقول: «القوة فى العصر الحديث ليست عسكرية فقط؛ بل هى مزيج من القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وإذا استطاعت الدول العربية أن تحقق تكاملًا اقتصاديًا حقيقيًا فإن ذلك سيشكل أساسًا قويًا لأى تعاون أمنى أو دفاعى».

 الجيش المصرى.. ركيزة أساسية

ولنا هنا رؤية.. فعند الحديث عن القوة العربية المشتركة، يبرز دور الجيش المصرى باعتباره أحد أكبر وأقوى الجيوش فى المنطقة.

فالجيش المصرى يمتلك خبرات قتالية كبيرة وعقيدة عسكرية راسخة، كما يتمتع بقدرات تسليحية متنوعة نتيجة برامج التحديث التى شهدتها القوات المسلحة خلال السنوات الأخيرة.

كما شاركت القوات المسلحة المصرية فى العديد من المناورات العسكرية المشتركة مع دول عربية وأجنبية، وهو ما يعكس قدرتها على العمل ضمن تحالفات عسكرية متعددة.

إذًا.. فإن وجود الجيش المصرى كركيزة رئيسية للقوة العربية المشتركة يمكن أن يمنحها مصداقية كبيرة وقدرة عملياتية عالية.