دورى النقاد
دراما رمضان فى ميزان النقد الفنى
روزاليوسف
عصام زكريا
مفاجآت وخيبات «النص» الثانى!
لم يأت النصف الأول من موسم رمضان 2026 على قدر التوقعات الكبيرة التى كانت معلقة عليه. وباستثناء قليل من الأعمال المميزة، مثل (صحاب الأرض)، كقطعة فنية وإنسانية، (عين سحرية) كعمل درامى تشويقى، (سوا سوا) كعمل رومانسى اجتماعى، وبعض الأعمال الجيدة بدرجات مثل (كان يا ما كان) كدراما عائلية، (رأس الأفعى) كعمل سياسى تاريخى، و(هى كيمياء) كعمل كوميدى، جاء النصف الأول فاترًا، رغم عشرات المواهب والنجوم الكبار الذين شاركوا فيه.
ومع النصف الثانى من الموسم ارتفعت الآمال بمشاهدة أعمال أفضل، تعوض ما فات، وتضيف لرصيد الأعمال الجيدة ثلاث أو أربع مسلسلات أخرى. ويمكن القول بشكلٍ عام أن بعض الآمال تحققت، وبعضها خاب، ولكن يبقى من النصف الثانى «الموسم» وليس «المسلسل»، هذه الأعمال التالية التى لاقت استحسانًا وحسن متابعة منذ الحلقة الأولى:
(حكاية نرجس) بواقعيته المؤثرة، وإخراجه المتقن، وأداء ممثليه الرائع، وعلى رأسهم «ريهام عبد الغفور»، التى جاءت إلى النصف الثانى مثل عصا موسى لتكتسح ما قبلها، كما فعلت فى العام الماضى بأدائها فى (ظلم المصطبة).
(فرصة أخيرة) الذى يشهد مباراة فى الأداء بين «محمود حميدة» و«طارق لطفى»، ودراما مشوقة (وإن كان يغلب عليها بعض المبالغات الساذجة)، وصراع شرس بين قوى الشر التى تتحد ضد رجل شريف واحد.
(عرض وطلب) الذى يشهد تقدم «سلمى أبو ضيف» الدؤوب من مجرد وجه محبب لطيف إلى مصاف الممثلات المتميزات (وإن كانت لم تزل تحتاج إلى تقليل تعبيرات الوجه قليلاً)، وبجانبها عدد من الممثلين الجيدين الآخرين، وإخراج متميز.

علا الشافعى
ريهام عبدالغفور.. وكفى
«ريهام عبدالغفور» منذ البدايات لا تعرف شيئًا سوى العمل الجاد. تسير بخطوات محسوبة، وتعرف أن كل دور جديد هو بمثابة تحد. أتخيل «ريهام» وهى تقف أمام المرآة بعد الانتهاء من تصوير عمل جديد، تسأل نفسها: ماذا بعد؟
ليس ذلك فقط، بل أكاد أجزم أنها من نوعية الممثلين الذين مازالوا يسجلون ملاحظاتهم بالورقة والقلم. ولا تكتفى قط بقراءة دورها أو حتى العمل كاملا، بل تأخذ الشخصية معها فى كل مكان تذهب إليه، تستدعيها أمامها وتجرى حوارًا معها لتفهم دوافعها، وتضع تفاصيلها الخاصة فى كل ما يتعلق بالشخصية وانفعالاتها الداخلية والخارجية، وكيفية توظيف لغة جسدها. وبعدها تبدأ فى محاكاة الشخصية والغوص فى أعماقها.
منذ مواسم عدة بت أرى «ريهام» كالفارسة التى تمتطى حصانا، ومع كل مرة تزيد من حجم الحواجز التى عليها أن تتجاوزها لتسجل رقمًا قياسيًا جديدًا. أعرف أن «ريهام» لا تتعمد ذلك أبدًا، بل تلك هى الصورة التى أراها عليها. هى فقط تحب عملها، ومن القلائل الذين لا يزالوا يعملون بشغف. لا تشغلها المسميات، ولا المعارك التافهة، ولا من تصدر ومن ضل الطريق. «ريهام» تعمل فقط، وفى كل مرة لا تنشغل سوى باختيار الفكرة والمعالجة وفريق العمل، وتعتبر نفسها جزءًا منه. يحركها فقط صدقها الفنى.
و«نرجس» هو واحد من الأدوار التى لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وسيظل علامة مهمة فى تاريخ «ريهام» الفنى، وفى الدراما المصرية. ذلك الدور شديد التركيب والتعقيد لامرأة عانت من تربية سيئة ووصمة مجتمعية، تشعر معها فى كل خطوة أنها امرأة ناقصة، غير مكتملة الأنوثة. ذلك الدافع الذى يحركها لارتكاب جريمة تلو الأخرى. كل ذلك يتفاعل داخلها ونراه فى انفعالات محسوبة وعميقة، تأخذك إلى سؤال: هل نرجس مجرمة أم ضحية؟ نتعاطف معها أم نصب عليها اللعنات؟ فكيف لامرأة مهما كانت معاناتها أن تخطف طفل امرأة أخرى؟ وجه برىء للغاية، والتأثير المروع لتصرفات الشخصية التى لا يوقفها شىء فى سبيل تحقيق رغبتها. تناقض مرعب بين تلك الملامح البريئة التى توحى بقدر من الغواية فى بعض الأحيان، وشر مبنى على تعقيدات نفسية غائرة فى عمقها، تعكس ازدواجية تخيف فى بعض الأحيان.
«ريهام» نجمة كبيرة، وممثلة من طراز رفيع تحاكى النجمات الكبار فى تاريخ الفن المصرى والعربى، ومشخصاتية لا تزال تعمل بروح المحب العاشق لفنه. لذلك ستظل تركيبة نادرة ومتفردة، بعيدة عن كل أمراض المهنة وأوهام النجومية.
أذكر قبل شهر رمضان، وبعد مشاهدتى لحلقات من (حكاية نرجس) فى المونتاج وحتى قبل انتهاء العمليات الفنية، مع كل مشهد لريهام على الشاشة أمامى كنت أردد بينى وبين نفسى: «إيه يا ريهام ده.. صعبتيها أوى على نفسك». لكنها «ريهام عبدالغفور» التى لا تزال تملك الكثير من المفاجآت.

ماجدة خيرالله
مع «الُنص» كوميديا المواقف تنتصر على الإيفيهات
زحام من المسلسلات التى يغلب عليها الطابع الاجتماعى الميلودرامى، ونقص شديد فى الأعمال الكوميدية، وإن وجدت فهى تميل لكوميديا الإيفيهات اللفظية التى لا تترك أثرًا بعد مشاهدتها، ومن غرائب الأمور غياب كتاب ومؤلفين يعجزون عن كتابة نصوص كوميدية ويتركون مهمة الإضحاك إلى فنانين يستطيعون إلقاء النكات اللفظية كيفما اتفق ويصبح نجاح العمل أو فشله مرهونًا بقدرة هذا الفنان على إطلاق النكات والإيفيهات التى يطلق عليها أحيانا «القلش» ،وهذا ما أدى إلى سقوط أعمال فنية، ونجوم أيضا، ومع ذلك لم نتعلم أن الكوميديا من أصعب الفنون وتحتاج كى تنجح وتستمر أن تعتمد على نصوص قوية ومواقف مركبة تؤدى للإضحاك، ولذلك فلاتزال أفلام «نجيب الريحانى» تثير الضحك رغم مرور ما يقرب من 70 عامًا على ظهورها لأنها تعتمد على مواقف لاتنسى.
بين ما عرض هذا العام أجد أن أكثرها تميزًا وصعوبة فى الكتابة والأداء التمثيلى أيضا الجزء الثانى من مسلسل (النُص)، الذى شارك فى كتابته كل من «عبدالرحمن جاويش، شريف عبدالفتاح، وجيه صبرى» ومن إخراج «حسام على»، وتدور أحداث المسلسل فى الأربعينيات من القرن الماضى، وبشكل أكثر تحديدًا أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت مصر مسرحًا لصراع الجواسيس، الإنجليز من جهة، الألمان من جهة أخرى، أما بطل الحكاية «عبدالعزيز النص، أحمد أمين» فهو يقع فريسة فى أيدى إحدى فرق التجسس الألمانية بقيادة «بسمة» التى تجنده للحصول على معلومات من الإنجليز والمشاركة فى مهمات تضر بصالحهم فى مصر، وتستخدم الترهيب والإغراء، ويقوم «النص» بإعادة تجميع فريقه القديم المكون من خمسة أشخاص مختلفى المهارات ،ولكن دافعهم الوحيد فى المشاركة هو جمع المال، ولكن بعد أن تسيطر المخاطر على المهمة تنمو لدى كل منهم غدة الوطنية، يعتمد الإضحاك على رسم بديع للشخصيات والمواقف ويتألق كل أفراد الفريق بمواصفات تختلف تمامًا عن غيره ،فالبطل هنا لايحتكر أسباب الضحك وهذا مايجعل للعمل ندرته وأهميته وبالإضافة إلى «أحمد أمين»، فهناك «صدقى صخر، حمزه العيلى، ميشيل ميلاد، أسماء أبو اليزيد»، ويمتاز العمل بإضافة معلومات تاريخية موثقة مع نهاية كل حلقة.

خالد محمود
ريهام عبدالغفور… ممثلة تبحث دائمـًا عن المسافة الصعبة
فى قلب هذه التجربة (حكاية نرجس) تقف «ريهام عبدالغفور»، وهى ممثلة اعتادت أن تختار أدوارًا تسمح لها بالتحرك فى مناطق إنسانية مركبة، لتقدم أحد أهم أدوارها على شاشة الدراما. فخلال السنوات الأخيرة أثبتت قدرتها على تقديم شخصيات متناقضة تجمع بين القوة والهشاشة، وهو ما جعل حضورها التمثيلى يعتمد على الصدق الداخلى أكثر من الاستعراض الخارجى.
فى (حكاية نرجس) يبدو أن «ريهام عبدالغفور» تقترب من شخصية تحمل أبعادًا نفسية معقدة، وهو نوع من الأدوار التى تجيد التعامل معها؛ حيث تعتمد على التفاصيل الدقيقة فى الأداء: طريقة الكلام، الصمت بين الجمل، والانفعالات الصغيرة التى تكشف ما يدور داخل الشخصية أكثر مما تقوله الكلمات.
ما يلفت الانتباه فى أدائها عادة هو قدرتها على تقسيم الشخصية إلى طبقات؛ فالمشاهد لا يرى وجهًا واحدًا للشخصية، بل يرى التحولات التدريجية التى تمر بها، وهو ما يمنح العمل الدرامى عمقًا إنسانيًا يتجاوز الحكاية المباشرة.
القيمة الحقيقية لمسلسل (حكاية نرجس) قد تكمن فى هذا اللقاء بين مخرج يميل إلى اللغة البصرية الدقيقة وممثلة تمتلك قدرة كبيرة على التعبير الصامت. فمثل هذه المعادلة قد تنتج دراما تعتمد على الجو النفسى واللحظات الداخلية أكثر من اعتمادها على الصخب الدرامى المعتاد.
نجح المخرج «سامح علاء» فى الحفاظ على بصمته السينمائية داخل المسلسل، وهو ما كشف عنه سياق الحلقات الأولى وهو ما قد يمثل خطوة مختلفة فى مسار الدراما، تجربة تحاول أن توازن بين سرد الحكاية التليفزيونية التقليدية وبين حساسية السينما الفنية.
فى النهاية، قد لا يكون (حكاية نرجس) مجرد مسلسل جديد فى الموسم الدرامى، بل اختبار لرؤية إخراجية قادمة من السينما إلى التليفزيون، واختبار آخر لقدرة «ريهام عبدالغفور» على إضافة فصل جديد إلى مسيرتها كممثلة تجيد اللعب فى المساحات النفسية المعقدة.
وفى مثل هذه التجارب، لا يكون الرهان فقط على الحكاية، بل على كيف تُروى الحكاية.
فـ(حكاية نرجس) ليس مجرد قصة امرأة تبحث عن طفل، بل حكاية إنسان يبحث عن مكان له فى العالم. وحين يضيق الواقع بالإنسان، قد يختار أن يختبئ داخل وهمٍ صنعه بنفسه..حتى لو كان ثمن ذلك أن يبتعد أكثر عن الحقيقة.

طارق مرسى
حكاية ريهام عبدالغفور
للعام الثانى على التوالى بعد مسلسلها «ظلم المصطبة» تمرح موهبة «ريهام عبدالغفور» فى مسلسل «حكاية نرجس» من النضج للتميز لتثبت أن نجاحها ليس صدفة، بل مع سبق الإصرار والترصد.
تجسد نرجس باقتدار بوجهها الملائكى شخصية بنت إبليس أو تلك الشخصية التى ارتبط اسمها بأخطر قضايا خطف الأطفال حديثى الولادة فى مصر، ولا تملك رغم هذه الملامح والمواصفات إلا التعاطف مع عقدتها المتمثلة فى صورة فتاة تعانى من عدم الإنجاب، وتحاول تعويض غريزة الأمومة التى حُرمت منها بخطف الأطفال، وخلف هذه الملامح البريئة تخفى مشاعر كراهية عميقة للمجتمع ولكل من حولها.
أما حمزة العيلى بشخصية عونى المعاق «فحكايته حكاية»، حيث تذكرك نظراته وهمساته ولمساته بأكابر التمثيل من المليجى وصلاح منصور لأحمد زكى وهو مصنف فنى غير موجود فى السوق الدرامى حاليًا.
حمزة وريهام ثنائى أضواء «حكاية نرجس» عشاق الأدوار النفسية المركبة فى هذا الجيل، ومن حسن حظهما الوقوع فى سكة المخرج القادم بكرامات السعفة الذهبية فى مهرجان كان السينمائى الدولى وبركات فيلمه «ستاشر» وقبله الفيلم القصير «خمستاشر»، وفى «حكاية نرجس» الذى يبدو أنه «السبعتاشر» استلهم أحداث تجربته الدرامية الأولى من قلب الواقع، ومن وحى قصة حقيقية تجسد فيها شخصيات حرفيًا مستشفى للأمراض النفسية والعصبية ومنها وثق المخرج «سامح علاء» شهادة ميلاده بختم الجودة مع حشد المتمكنات على الشاشة سماح أنور وعارفة عبدالرسول والمتمكنين أحمد عزمى ومجدى السباعى وأدوارهم إدانة لباقى المخرجين ورد اعتبار كبير لغيابهم عن الشاشة، مع القيم المُضافة وأقصد الوجه الواعد بسنت أبوباشا ومعها إلهام وجدى ودينا ماهر.
«نرجس وعونى وسعاد وأم جمال وجمال وعم إبراهيم وهدى وزينب ومنال» أسماء كلاسيكية من قلب الحارة المصرية بتفاصيلها الفقيرة كل هؤلاء يمثلون الواقع على الشاشة بصدق ولمعوا فى هذا العمل المكتوب بحرفية كبيرة، وبنظرة اجتماعية قاسية ومتوحشة تتحرك الأحداث وتنشأ الأكاذيب والجرائم ومصائر المأساوية بفكرة المخرج سامح علاء وبقلم ورؤية المؤلف عمار صبرى الذى كسر الدنيا فى مسلسل «صحاب الأرض» والعملان يؤكدان أننا أمام موهبة كبيرة فى سوق الدراما الباحث عن رموز وعمالقة جدد، وفى هذه التحفة الدرامية لا يمكن تجاهل الموسيقار تامر كروان والموسيقا التصويرية الصادقة ومنتج العمل محمد مشيش، ولكل هؤلاء فى هذا العمل العميق شكر من هنا لبكره.

صفاء الليثى
التراجيديا فن التطهر
أضلاع المثلث الذهبى للدراما هى الكتابة والإخراج وأبطال العمل، نجده فى أعمال النصف الثانى مع (حكاية نرجس) و(عرض وطلب) فى المرتبة الأولى، يليهما (بيبو) و(فرصة أخيرة)، ويخرج من المنافسة (اللون الأزرق) و(أب ولكن) لعدم التوفيق فى كاست العمل؛ خصوصًا عدم فهم «جومانا مراد» لشخصية أم طفل يعانى من التوحد، طفلها تخطى ثمانى سنوات وتعد له كيكة وتقوم بتشغيل الخلاط فيصيبه الصوت بانهيار، أليست أمُّه وتعرف ما الذى يضايقه؟!، المشكلة فى الكتابة وفى توجيه المخرج لها وفى اختيارها من البداية هى لا تصلح للدور وأى ممثلة تشاركها المشهد تتفوق عليها.. فى المقابل انسجام أداء «ريهام عبدالغفور» المخضرمة و«سلمى أبو ضيف» رغم حداثة تجربتها عزّز عوامل النجاح.. اختار «سامح علاء» مخرج (حكاية نرجس) فكرة البطل الضد «نرجس» التى تفتقر إلى السمات البطولية التقليدية مثل الشجاعة، المثالية، أو الأخلاق العليا، هى إنسان معيب فى نظر المجتمع من حولها كما تصفها أمها وهى تعايرها «لا مال يتنهب ولا جمال يتعشق»، لكن الجمهور يتعاطف ويتطهر معها.. تزور ضريح الولى تطلب منه المساندة أولاً ثم السماح بعد ما أقدمت عليه من سرقة وشبهة قتل.. يتفوق اختيار «ريهام عبدالغفور» لموضوع قاتم كهذا وتمكنها من أداء يصل بالتراجيديا لمستوى غير مسبوق.. تسير على نفس الطريق «سلمى أبو ضيف» التى تكالبت عليها الحظوظ السيئة ووضعت فى اختبار مع قدرها فى بيئة شديدة القسوة.
العملان ينافسان أهم أعمال النصف الأول، وكلها أعمال جادة قصيرة تبقى فى قائمة الأهم والأعلى للدراما المصرية فى السنوات الأخيرة.

حنان أبوالضياء
«على كلاى».. لا شىء منطقيـًا!
مسلسل (على كلاى) نموذج درامى للشخصيات السخيفة وغير التقليدية، مسلسل يعتمد على الحبكة القصصية المفتعلة، غير المنطقية، الأحداث غير المحتملة، وردود فعل مبالغ فيها. مع كل حلقة نحن على موعد مع ظروف تخرج عن السيطرة بسرعة، ومواضيع أكثر قتامة من الميلودراما، نموذج ردىء للمعاناة الإنسانية والكراهية، ومواضيع الموت والعنف والخيانة.
(على كلاى) يلعب على تيمة المفاجآت الدرامية فى المسلسلات التليفزيونية، بكل ما فيها من التحولات المفاجئة التى تأتى من العدم دون أى تمهيد؛ متخذًا دومًا مسارًا مختلفًا تمامًا وغير منطقى؛ مع استخدام الأساليب المبتذلة، وتطوير الشخصيات غير المنطقى.
يحتوى مسلسل (على كلاى) على العديد من اللحظات المُحبطة، لكن لا شىء يُضاهى، تدبير اتهام «على كلاى» بالقتل والتى تُعتبر من أسوأ حلقات المسلسل بسبب هذه التفاصيل وحدها. وقد أدت هذه التفاصيل إلى إرباك المسلسل برمته؛ حيث يتساءل المشاهدون عن كيفية تفسيرها منطقيًا. ولكن مع ما يقدمه المسلسل لا شىء منطقيًا، فى ظل تقديم العديد من الأدلة لاتهامه، إلا أن هذا التركيز المبالغ فيه لدرجة تجعل اكتشاف الحقيقة بعد ذلك مخيبًا للآمال، ولا تؤدى الغرض منه كتمهيد لما سيحدث لاحقًا؛ بالطبع الحلقات التى سبقت هذه الحلقة تضمنت لحظات تُشير إلى مصير «على كلاى» بحبكة لم تكن مقنعة.
مسلسل (على كلاى) نموذج للمسلسلات التى تفقد بريقها. بعبارة أخرى، تنحرف عن أهدافها المتعلقة بالحبكة الرئيسية فى محاولة لإقحام قصص جانبية لا صلة لها بالموضوع. غالبًا ما يكون لهذا القرار أثار سلبية على الرؤية السردية للمسلسل.
مسلسل يسرد قصته بقدر من الحشو أو التشتيت، فلا يستطيع الحفاظ على وتيرة السرد والالتزام بالمسار الصحيح.
كل حلقات (على كلاى) مليئةٌ بالعُقَد والتشابكات لدرجة أن الشخصيات تصبح غابة من الأغصان المتشابكة؛ بلا هدف سوى الإثارة.
مسلسل كل ممثليه يتسابقون فى الأداء المفتعل؛ غير الصادق أو المؤثر؛ فى ظل سيناريو قاتم لحياة الطبقة الشعبية.
الشخصيات الرئيسية فيه وعلى رأسها بطلا العمل «أحمد العوضى ودرة» ظهورهما يخلق توترًا حادًا. تمت صياغة كل سطر فى السيناريو لاستخراج أقصى استفادة من المبالغة.
مسلسل المؤثرات البصرية فيه رديئة. لا يحتاج هذا المسلسل إلى أكثر من سبع حلقات للوصول لسرديته المؤلمة وغير المنطقية كمحاولة يائسة للحصول على بصيص أمل وسط كومة أحداث مضطربة؛ ومئات من الشظايا الدرامية التى بلا هدف محدد.

أندرو محسن
من صاحب المركز العاشر؟
فى الأيام السابقة انتشرت مشادة بين عدد من الممثلين حول من منهم صاحب المركز الأول فى المشاهدات خلال الموسم الحالى. بينما تمسك كل طرف بأنه صاحب المركز الأول فى المشاهدات مستعينًا بوثائق أو ترتيب المشاهدات على هذه المنصة أو تلك، فإن الحقيقة بعيدة عن جميع الأطراف، إذ لا نملك طريقة ثابتة وواضحة لقياس المشاهدات، والمركز الأول على المنصة التى تمتلك هذا المسلسل حصريًا، يختلف عن المنصة الأخرى التى تمتلك مسلسلات أخرى، كما أن مشاهدات التليفزيون أيضًا لها ترتيب آخر مجهول تمامًا.
الأمر الذى لا يمكن إنكاره هو أن جميع هذه المسلسلات تحظى بنسب مشاهدة جيدة بالفعل، ولديها شعبية، بينما من أراد مشاهدة منافسة حقيقية يمكنه متابعة الصراع على المراكز الخمسة الأخيرة، هذه التى تتحرك بوتيرة شبه يومية، الفائز بالمركز العاشر على الأرجح سيهتم بدخوله قائمة الأعلى مشاهدة، ومن يترقى من العاشر للسابع بالتأكيد نجح فى صناعة شىء جذاب للجمهور حتى لو كانت الحلقات الأولى ليست على ما يرام.
مسلسل (اتنين غيرنا) لم يبدأ فى المركز الأول على منصة «ووتش إت»، ولكن فى الحلقات الأخيرة للمركز وصل إليه، بينما مسلسل مثل (حكاية نرجس) متواجد فى قائمة الأعلى مشاهدة فى أهم منصتنين عربيتين، «ووتش إت وشاهد»، وربما لو كان حصريًا على أى منهما لاحتل مركزًا أعلى. كلاهما لم يتمتع بحملة دعائية مماثلة للمسلسلات التى يتعارك أصحابها على المركز الأول.
السؤال الأهم الذى يتجاهله كثيرون: هل سيبقى مسلسلك فى الذاكرة بعد انتهائه؟ الكثير من الأعمال التى حصلت على الرقم واحد فى المشاهدة لم تنجح فى الاستمرار بمجرد انتهائها. جَذْب المشاهدين فى موسم مزدحم بالأعمال مثل رمضان هو نجاح بالتأكيد، ولكن العودة إلى المسلسل عدة مرات بعد رمضان، وظهوره فى المناقشات التى تسبق كل موسم جديد، هو الآخر نجاح، وهو النوع الأبقى والأطول عمرًا.

نـاهـد صـلاح خماسى النصف الثانى
لا أخفيكم سرًا؛ فإننى أفتقد مشاهدة مسلسل (صحاب الأرض)، وأرى أنه ترك فراغًا دراميًا كبيرًا لم يستطع أى عمل سدّه بالكامل فى النصف الثانى من موسم الدراما الرمضانية. مع ذلك؛ فثمة خمسة مسلسلات تحاول إعادة التوازن لهذا الموسم: (حكاية نرجس، عرض وطلب، فرصة أخيرة، اللون الأزرق، والنص التانى).
تتسم هذه المسلسلات بكتابة نوعية تتماس أغلبها مع الواقع: (حكاية نرجس) يعتمد على تصعيد الصراع الشخصى ودراما اجتماعية مثيرة، بينما (عرض وطلب) يعقد الحبكة بتشابك خطوطها، ما يفرض على المشاهد متابعة دقيقة، (فرصة أخيرة) يركز على صراع الشخصيات مع ماضيها فى محاولة أخيرة لترميم شتات الحاضر، (اللون الأزرق) يبرز القوة الفنية من خلال التوازن بين الأداء والإخراج. (النص التانى) يضيف نكهة جديدة ومنافسة من نوع مختلف.
إن المتأمل فى هذه الموجة الدرامية يدرك أنها تتجاوز مجرد كونها «سد فراغ»، فهى تعكس تحولًا جذريًا فى ذائقة المشاهد الذى بات يبحث عن «السيناريو المحكم» أكثر من «النجومية المطلقة». نلمس فى (حكاية نرجس) نضجًا فى رسم الشخصيات، بينما يكسر (عرض وطلب) جمود الإيقاع التقليدى بأسلوب سردى يثير الفضول، كما أننا أمام حالة من «الديمقراطية الفنية» بالبطولة الجماعية.
هذه المسلسلات تسعى إلى منافسة حقيقية لا تقاس بعدد المشاهدين فقط؛ بل بمدى قدرتها على تقديم الإثارة والعمق الفنى معًا، معتمدة على توظيف الصورة كعنصر حكائى أساسى كما فى (اللون الأزرق).
نأمل أن يستمر هذا السعى حتى النهاية، لتبقى الدراما حية وقادرة على منح المشاهد تجربة فنية متكاملة.

محمد سيد عبدالرحيم
«النص».. كوميديا بلا نص ضحكة!
يقدم مسلسل (النص) بطولة «أحمد أمين» حالة لافتة فى الدراما التليفزيونية المصرية، لكنها لافتة لأسباب لا تتعلق بالنجاح بقدر ما تتعلق بالمفارقة. فالمسلسل الذى لم يحقق انتشارًا واسعًا أو صدى جماهيريًا واضحًا فى موسمه الأول، يعود بجزء ثان، وكأن الصناعة تتجاهل السؤال البسيط: لماذا لم ينجح العمل بالقدر الكافى منذ البداية؟!.
المشكلة فى (النص) لا ترتبط بالإنتاج أو الأداء التمثيلى، بل بطبيعة الكوميديا التى يقدمها. فالمسلسل، رغم غلافه التاريخى وأجوائه التى تميل أحيانًا إلى المغامرة، هو فى الأساس عمل كوميدى. غير أن هذه الكوميديا لا تصل إلى الجمهور كما ينبغى. والسبب بسيط: الكوميديا لا تعيش بدون «الإفيه». الضحك فى النهاية لحظة مباشرة، تحتاج إلى جملة ذكية وسريعة تلتقط روح العصر، خصوصًا مع جمهور الشباب الذى تغيرت حساسيته الكوميدية كثيرًا فى السنوات الأخيرة.
خلال السنوات الماضية ظهر نوع من الاحتفاء بما يسمى «كوميديا الموقف»، وكأنها الشكل الأرقى للضحك. لكن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية: الكوميديا المصرية قامت تاريخيًا على كوميديا الإفيه. من المسرح إلى السينما ثم التليفزيون، كانت الجملة الساخرة السريعة هى قلب الضحك. أما كوميديا الموقف فهى تقليد أقرب إلى الكوميديا الغربية، خاصة الفرنسية، وقد بقيت دائمًا عنصرًا دخيلا على الذائقة المصرية.
لهذا تبدو المفارقة واضحة حين نقارن (النص) بأعمال أخرى لـ«أحمد أمين» مثل (الوصية) و(الصفارة). هناك كانت الإفيهات حاضرة بكثافة، فبدت الكوميديا أكثر حيوية. الأمر نفسه يمكن ملاحظته، بدرجة ما، فى مسلسل (هى كيميا) لـ«مصطفى غريب» و«دياب» فى النصف الأول من رمضان. فالضحك، فى النهاية، لا يحتاج تنظيرًا طويلًا أو محاضرات وطنية وتاريخية مكتوبة بنهاية الحلقات؛ يحتاج فقط إلى إفيه يصيب الهدف.

مصطفى الكيلانى
مفيش ورق.. «الشماعة» الأقدم فى صناعة الفن المصرى
كلما يتم فتح ملف الدراما والسينما المصرية، يخرج علينا أحدهم بجملة جاهزة، يلقيها بثقة عجيبة كأنها حكمة ثبتت بالدليل والبرهان: «فيه أزمة سيناريو»، أو كما يحلو للبعض أن يُعبر بلهجة أكثر مباشرة: «مفيش ورق».
وفى كل مرة أسمع هذه الجملة، أتحداها، لأن هذه المقولة كذبة مريحة يتكئ عليها من لا يريد أن يسأل نفسه السؤال الحقيقى.
السؤال ليس: هل يوجد سيناريو جيد؟
السؤال الحقيقى هو: هل نحن نبحث عنه فعلا؟
الساحة ليست خاوية. فى كل عام، يتخرج عشرات الكُتَّاب من معهد السينما وورش السيناريو المتعددة، ويكتب المئات نصوصًا تبحث عن فرصة، وتنتشر فى الفضاء الرقمى أعمال شبابية كثيرة تشى بمواهب حقيقية لم يلتفت إليها أحد. الورق موجود. لكن القارئ الجاد هو الغائب، والدليل هو بعض الأعمال الرمضانية المكتوبة بحرفية شديدة ومن مواهب حقيقية.
المنتج الذى يردد «مفيش ورق» هو فى الغالب ذاته الذى لا يقرأ ما يصله، والذى يشترط فى الكاتب أن يكون مشهورًا قبل أن يكون موهوبًا، والذى يريد نصًا على مقاس نجم بعينه لا على مقاس فكرة تستحق الوجود. هذا ليس بحثًا عن الكتابة الجيدة، هذا تسوق فى دكان معروف الأسعار مُسبقاً.
أزمة الاختيار لا تقل خطورة عن غياب الموهبة إن وجد. حين يقدم للمنتج نص جيد فيرفضه لأنه «تقيل» أو «مش تجارى» أو «مش على ذوق الجمهور»، ثم يشتكى لاحقًا من أزمة الورق، فهو لا يشكو من غياب الكتابة، بل يشكو من غياب كتابة على مقاسه هو وحده.
والأخطر من ذلك هو الفكر الإنتاجى الذى بات يسير بعقلية المصنع لا عقلية الفن. حين يصبح الهدف الأول هو ملء ساعات بث لا صناعة أثر، وحين يقاس النجاح بالتريند لا بالقيمة، فلا عجب أن تتراجع الكتابة الجادة إلى الظل لأن لا أحد يطلبها من البداية.
الورق موجود. والمشكلة فيمن يمسك القلم ليكتب عليه: «مفيش ورق».

على الكشوطى
حكاية نرجس.. كيف يجبرنا المجتمع على التحول لوحوش؟
فى زمن تبحث فيه الدراما العربية عن هويتها بين الإبهار البصرى والمحتوى الهادف، يأتى مسلسل (حكاية نرجس) ليعيد الجمهور إلى جوهر الحكاية الإنسانية العمل الذى يُعرَض ضمن دراما رمضان 2026، والمكوّن من 15 حلقة، استطاع خلال أيام قليلة أن يخطف الأضواء بفضل جرأته فى تناول قضية شائكة ومؤلمة.
يستند المسلسل إلى قصة حقيقية هزت الرأى العام المصرى فى ثمانينيات القرن الماضى، لسيدة تدعى «عزيزة السعداوى»، دفعتها وصمة العار الاجتماعية بسبب عدم الإنجاب إلى الانزلاق فى جريمة خطف الأطفال، هذه الخلفية الواقعية منحت العمل مصداقية كبيرة؛ حيث لم يقدم الشر بشكل مطلق؛ بل كنتاج طبيعى لضغوط نفسية واجتماعية متراكمة.
فى دور يُعَد الأصعب فى مسيرتها الفنية، تقدم «ريهام عبدالغفور» شخصية «نرجس» بملامحها الهادئة التى تتحول فى لمح البصر إلى تعبيرات شرسة ومخيفة؛ خصوصًا فى مَشاهد الصمت التى تعتمد على النظرة والإيماءة، كما لفت الانتباه خيارها الجرىء بالظهور بلا مكياج تقريبًا؛ لتعزيز واقعية الشخصية المنحدرة من بيئة شعبية قاسية.
يقف خلف كاميرا العمل المُخرج «سامح علاء»، صاحب الإنجاز التاريخى بفوزه بالسعفة الذهبية من مهرجان (كان) عن فيلمه القصير (ستاشر)، فى أول تجربة تليفزيونية طويلة له.. نقل «علاء» حساسيته السينمائية إلى الشاشة الصغيرة، من خلال إخراج يعتمد على الاقتراب من الممثل والتقاط أدق تفاصيل انفعالاته، مع إضاءة خافتة وكادرات تصب فى صالح تعميق الصراع النفسى للبطلة.
إلى جانب البطلة «ريهام عبدالغفور»، يضم العمل نخبة من الفنانين، منهم «حمزة العيلى وسماح أنور»، مع سيناريو متماسك للكاتب «عمار صبرى»، وبذلك يقدم (حكاية نرجس) نموذجًا للدراما التى لا تكتفى بالترفيه؛ بل تشتبك مع قضايا المجتمع بجرأة ووعى.












